مؤلف هذا الكتاب هو الصحافي الفرنسي لوران نيومان مدير تحرير المجلة الأسبوعية الباريسية: ماريان. ويروي المؤلف في كتابه هذا قصة حياة الممثل الفرنسي الشهير جيرار دوبارديو الذي مثّل حتى الآن ما لا يقل عن مئة وستين فيلما سينمائيا. وهو واحد من أربعة أو خمسة ممثلين كبار ليس أقلهم جان غابان، ولينو فانتورا، وجان بول بلمندو، وآلان ديلون.
وقد نشأ في بيئة فقيرة ومتواضعة من كافة النواحي، بل وكان في طفولته قد مارس النصب والسرقة لكي يعيش. وكثيرا ما سجنوه آنذاك، وبالتالي فلم يكن أحد يتوقع له أي مستقبل إلا المشاغبة واللصوصية والانحراف والمشاكل. ولكن صدفة القدر شاءت له أن يصعد من الحضيض إلى قمة المجد بعد أن غادر مدينته الصغيرة وذهب إلى باريس.
فهناك التقى بأناس خيّرين صرفوا عليه وساعدوه بعد أن اكتشفوا موهبته الكبيرة في فن المسرح والتمثيل السينمائي وبعد أن كان جائعا أو شبه جائع في باريس عام 1970 أصبح الآن واحدا من أكبر الأغنياء في فرنسا، وأصبح يتقاضى على الفيلم الواحد ملايين الدولارات! بل واستثمر شهرته في مجال التجارة والأعمال وأصبح مالكا لأحد القصور الفرنسية المحاطة بمئة هكتار من الكرمة. وهذا ما يتيح له أن ينتج سنويا حوالي المليون زجاجة خمر!
ثم يردف المؤلف قائلا: بل ووصلت تجارته إلى زوايا العالم الأربع. فهو بعد أن أصبح صديق فيديل كاسترو حصل على ترخيص بالتنقيب عن البترول في كوبا. ثم أصبح بعدئذ صديقا للرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة ولا يزال. وهو يمتلك في الجزائر الأراضي الواسعة التي يزرع فيها الكرمة لإنتاج الخمر أيضا.
وكذلك يفعل في مدينة مكناس بالمغرب حيث توجد له صداقات تصل إلى أعلى المستويات. وأصبح بعض رؤساء الدول يتراكضون على صداقته ويفتخرون بأنهم التقوا به أو أنه لبى دعواتهم إلى العشاء. حقا لقد أصبح جيرار دوبارديو نجما عالميا لا يقل أهمية عن آلان ديلون الذي كان في شبابه الأول قبل أن يكتشف موهبته الضخمة كممثل ويصل إلى أعلى المراتب.
في الواقع أن الكتاب مكون من سلسلة مقابلات مطولة مع جيرار دوبارديو. وقد رفض الممثل في البداية الإدلاء بها لكيلا يكشف أسرار حياته الشخصية للملأ. ولكن أمام إلحاح الصحافي المستمر فإنه لم يجد بدا في النهاية من الانصياع لرغباته. ولم يكن من السهل عليه أن يقول له كل هذه الأسرار الشخصية والعائلية.
فمثلا يبوح له لأول مرة بأنه كان محطما نفسيا في فترة من الفترات وقد عرض نفسه على الأطباء والمحللين النفسانيين لكي يكشفوا سر علّته ومرضه. ومن كان طبيبه النفسي الأول؟ إنه جاك لاكان أشهر محلل نفسي في تاريخ فرنسا، ولكنه لم يستفد منه شيئا على حد قوله.
فلم يكن ينبس ببنت شفة أثناء جلسة التحليل كلها. ولكنه كان يقبض في نهاية الجلسة مبلغ ثلاثمئة فرنك فرنسي! وهو مبلغ كبير عام 1970. ثم تركه وذهب إلى محلل نفسي آخر يتبع نفس منهجية فرويد وقد استفاد منه كثيرا وأدت الجلسات معه إلى إضاءة طفولته وعقده النفسية المترسخة في أعماقه منذ تلك الفترة السحيقة.
ثم يختتم الممثل الشهير كلامه عن هذه النقطة الحساسة قائلا بأن التحليل النفسي لا يجعلك أقوى ولا أذكى ولكنه يجعلك تقبل نفسك بنفسك كما هي، وهذه فائدة كبرى لا تقدر بثمن. ثم كشف له جيرار دوبارديو عن سر آخر ما كان يسهل عليه أن يكشف عنه وهو أنه اعتنق الإسلام لفترة من الزمن بعد مجيئه إلى باريس.
وأصبح يتردد على مسجد باريس الكبير برفقة بعض الأصدقاء المغاربة. بل إن الذي علمه اللغة الفرنسية كان جزائريا! وعندما روى ذلك للرئيس بوتفليقة مات هذا الأخير من الضحك. والواقع أن جيرار دوبارديو لم يتعلم في المدرسة شيئا ولا في البيت لأن والده لم يكن يعرف القراءة ولا الكتابة.
وبالتالي فقد صنع نفسه بنفسه بشكل عصامي فيما بعد. وقد اعتنق الإسلام بعد أن سمع صوت أم كلثوم في إحدى الحفلات الباريسية. وقد أصيب بالذهول عندما سمع أغانيها ووجد فيها الغذاء الروحي وقال للعرب الذين يرافقونه: سوف أعتنق دينها لأنها كانت مسلمة حقيقية بل وورعة جدا. وكان والدها إمام المسجد في القرية كما هو معلوم.
وبالتالي فالرجل انتقل من النقيض إلى النقيض، أي من حياة المشاكل إلى حياة الإيمان والروحانيات والثقافة الواسعة هذا ناهيك عن التمثيل الرائع الذي تفوق فيه على الآخرين، كل الآخرين. فمشاهدة أفلامه تشكل متعة ما بعدها متعة.
ثم يسأله المؤلف عن علاقاته بكبار الممثلين الآخرين وكذلك كبار المخرجين من أمثال غودار صاحب الموجة الجديدة في السينما، وفرانسوا تريفو، وموريس بيالا، وآخرين عديدين. ويقول له دوبارديو بأن أحقر مخرج سينمائي في فرنسا هو كلود لولوش الذي نال شهرة لا يستحقها. فهو شخص مغرور، سفيه، كذاب، ويضحك أحيانا على الممثلين فلا يعطيهم أجورهم.
وقد ضحك عليه في إحدى المرات وجعله يمثل في أحد أفلامه لبضعة أسابيع. وكان ذلك في بداية الحياة السينمائية لجيرار دوبارديو. ثم في يوم من الأيام استدعاه إلى مكتبه وقال له: آسف، لا أستطيع أن أدفع لك أجرك.
وصعق دوبارديو للنبأ ولم يكد يصدق ما يسمعه. فصفق الباب خلفه وخرج غاضبا بعد أن حلف يمينا بالله بأنه لن يمثل معه بعد اليوم أبدا. فقد حرمه من ثلاثين ألف فرنك فرنسي، أي ما يعادل الآن مئة ألف دولار.
وهو مبلغ محترم بالنسبة لممثل مبتدئ في ذلك الزمان، وكان بأمس الحاجة إليه. ثم اشتهر دوبارديو بعدئذ وأصبح أكبر ممثل في فرنسا. وأخذ المخرجون يتنافسون عليه، وعندئذ جاءه كلود لولوش مرة أخرى وبعد عشرين سنة لكي يترجاه بأن يمثل في أحد أفلامه. فصدّه بعنف وقال له: إن كل أعمالك سخيفة ولا أستطيع أن أحترمك أبدا. ورفض بعناد أن يظهر في أي فيلم من أفلامه.
وهكذا رد له الإهانة بالصاع صاعين. ثم يتحدث دوبارديو بعدئذ عن علاقاته برجال السياسة كميتران وشيراك وبقية الزعماء. ويقول للمؤلف بأن أكبر شخصية يحترمها هي ديغول بالطبع لأنه قائد تاريخي لا يفكر إلا بالمصلحة العامة للوطن.
ولكنه اعترف لمحبته لميتران وشيراك وأنه كان صديقا لهما معا. بل ولا يزال صديقا لشيراك الذي يصطحبه معه أحيانا في طائرته الخاصة عندما يسافر في زيارات رسمية إلى الخارج. وهكذا يقدم شيراك الممثل الشهير إلى رؤساء الدول أو زعماء العالم مفتخراً به.
*الكتاب:جيرار دوبارديو
*الناشر: بلون ـ باريس 2005
*الصفحات: 254 صفحة من القطع المتوسط
Gérard Depardieu Laurent Neumann
Plon - Paris2005
p. 254

