باسكال بونيفاس هو مؤسس ومدير مركز العلاقات الدولية والاستراتيجية بباريس، وهو أحد مستشاري الأمين العام للأمم المتحدة لمسائل نزع السلاح في العالم. سبق له وقدّم ما يزيد على أربعين كتاباً حول المسائل الدولية وأيضاً حول «كرة القدم» مثل «جيوسياسة كرة القدم» و«العالم مستدير مثل كرة قدم» و«فرنسا ضد الإمبراطورية»، الخ.
وبارتيليمي كورمون يحمل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية ويعمل في إطار مركز العلاقات الدولية الاستراتيجية ويشغل منصب مدير مكتب المركز في تايوان. وهو أخصائي بالمسائل النووية وبالولايات المتحدة الأميركية. وهو أيضاً مؤلف العديد من الكتب في المجال الاستراتيجي.
منذ أن ألقى الأميركيون قنابلهم النووية على مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين في شهر أغسطس من عام 1945، أصبح السلاح النووي هو رمز قوة الدول ووسيلة ردعها الفاعلة. وكان الامتياز الكبير للقوتين العظميين اللتين برزتا بعد الحرب العالمية الثانية أي الولايات المتحدة الأميركية، القوة العظمى الوحيدة في عالم اليوم، والاتحاد السوفييتي، القوة العظمى «الراحلة»، هو أنهما امتلكتا ترسانة نووية كبيرة مثلت أداة هامة بيدهما من أجل فرض سيطرتهما على الصعيد العالمي.
ويرى المؤلفان أن التعرّض للتاريخ السياسي والعسكري منذ عام 1945 وحتى اليوم إنما هو يعني في صميمه التعرض لتاريخ «عالم نووي»، وذلك على أساس أن السلاح الذري قد فرض نفسه منذ اختراعه كعنصر أساسي في العلاقات الدولية وفي إقامة سلام الرعب مما سمي بـ «إمكانية التدمير المتبادل».
والملفت للانتباه أن هذا السلاح الفتاك ـ سلاح التدمير الشامل- قد أعطى للإنسان قدرة «إفناء» نفسه، لكنه فرض عليه بنفس الوقت الانخراط في لعبة تنظيم الأسلحة النووية والحد من انتشارها، وبالطبع منع استخدامها. مع ذلك ليس هناك ما يضمن عدم اللجوء إلى هذا السلاح ذات يوم.
وتتمثل إحدى الأفكار الرئيسية التي تتكرر في شروحات هذا الكتاب إلى أن حالة من القلق قد برزت من جديد في إطار العلاقات الدولية بعد انهيار جدار برلين عام 1989، وهو «قلق» كان قد اختفى أو «انطمس» عملياً طيلة فترة الحرب الباردة التي سادت وأنتجت ما سمي آنذاك بـ «التعايش السلمي».وعلى قاعدة مثل ذلك الإحساس بالقلق أخذت الرغبة في امتلاك السلاح النووي صيغة السعي الحثيث من أجل امتلاكه.
وهذا ما بدا بوضوح في سلوك بعض الدول التي يعد المؤلفان من بينها كوريا الشمالية وإيران، بل بدا أن الدول المعنية ترى في امتلاك السلاح الرادع وسيلة لضمان وجودها أو على الأقل لتعزيز سلطتها على المستوى الإقليمي، وأبعد منه على المسرح الدولي عبر الدخول إلى نادي «البلدان المالكة للنوويات».
ولم يقتصر السعي للحصول على السلاح النووي على الدول ذات «السيادة» وإنما وصل أيضاً إلى اهتمام بعض المجموعات المتطرفة التي تريد امتلاك وسيلة «ضغط» أقوى من أجل «خدمة قضاياها». بكل الحالات شكّل السلاح النووي، اليوم كما الأمس، هدفاً كبيراً يسعى البعض إلى تحقيقه بينما شكّل تهديداً كبيراً هو الآخر، بالنسبة لآخرين.
وتشير الدلائل كلها إلى أن الوضع سيكون هو نفسه بالنسبة للغد.ويفتح المؤلفان قوساً للتأكيد أن واشنطن هي التي كانت إلى حد كبير وراء استئناف السعي للانتشار النووي. وإذا كان أول ما يتبادر للذهن عند الحديث عن مثل هذا الانتشار بلداً مثل كوريا الشمالية وإيران، فإن الولايات المتحدة هي التي «هددت» باستخدام السلاح النووي، بما في ذلك ضد البلدان التي لا تمتلكه.
ثم سعت بالإضافة إلى ما تملكه من ترسانة استراتيجية من أسلحة الدمار الشامل إلى امتلاك قنابل جديدة ذات دقة كبيرة في التسديد وقادرة خاصة على تدمير الملاجئ تحت الأرض. وتتم الإشارة في هذا السياق إلى اجتماع سري عقدته القيادة الاستراتيجية الأميركية في شهر أغسطس 2003 في قاعدة نبراسكا العسكرية، من أجل إعداد خطط للحصول على أسلحة نووية من «جيل جديد».
وقد حضر ذلك الاجتماع مسؤولو المخابرات الأميركية الرئيسية الثلاث في لوس الاموس وسانديا وليفرمور، وحضره أيضاً ضباط كبار من القوات الجوية التابعة للقيادة الاستراتيجية وكبار رجال الصناعة، لكن بالمقابل لم يُسمح لأي عضو من أعضاء الكونغرس الأميركي بحضوره.
وكان الهدف المركزي من ذلك الاجتماع هو «تنويع الخيارات النووية الموضوعة تحت تصرف واضعي الخطط الأميركيين. وفي المحصلة إذا كان تهديد الأسلحة النووية السوفييتية هو مصدر القلق أثناء فترة الحرب الباردة، فإن «التهديد» أصبح مصدره اليوم «الملاجئ تحت الأرض» الموجودة لدى «الدكتاتوريين»، حسب القاموس الأميركي.
ويتم التركيز في هذا السياق على القول ان وزارة الدفاع الأميركية -البنتاغون- تريد تبني استراتيجية نووية قادرة على التصدي للتهديدات الجديدة. ومثل هذه التصريحات بعيدة جداً عن تلك التي كان قد قال بها جورج دبليو بوش المرشح أثناء الحملة الانتخابية لعام 2000 عندما أعلن عن ضرورة تقليص الترسانة النووية الأميركية «من جانب واحد.
وكان وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد قد قدّم للكونغرس في شهر يناير 2002 تقريراً حول «إعادة النظر في السياسة النووية».وقد أشار ذلك التقرير إلى وجود سبعة بلدان يمكن اللجوء إلى استخدام أسلحة نووية تكتيكية من جيل جديد. هذه البلدان هي: الصين والعراق وإيران وكوريا الشمالية وليبيا وسوريا.
إن مثل هذا المسار يتناقض أساساً مع الهدف الأساسي للأبحاث في الميدان النووي. ويشير المؤلفان إلى أنه منذ بداية القرن التاسع عشر، أي قبل أكثر من نصف قرن على إلقاء القنابل الذرية الأميركية على مدينتي هيروشيما وناغازاكي، كانت الأبحاث ترمي حصراً في مجال الفيزياء النووية إلى الاستخدام المدني، وخاصة فيما يتعلق بالسعي لإيجاد مصادر جديدة للطاقة.
لكن مع اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939 وتقدم الجيوش النازية على جميع الجبهات انصبت الجهود البحثية على الميدان العسكري بغية الوصول إلى سلاح جديد، ولكن استمر البحث في الميدان «المدني» بعد نهاية تلك الحرب. وكانت أبحاث العلماء موجهة في الواقع على المدى المتوسط والطويل، لكن الأبحاث العسكرية «عبأت» كل الجهود واستخدمت جميع الاكتشافات التي كان قد تمّ التوصل لها من أجل الوصول إلى اختراع السلاح «الحاسم».
مع ذلك بقي العلماء، في أغلبيتهم أوفياء لهدف تطوير علم جديد يقوم بخدمة مصالح الإنسانية وليس تدميرها.ويشرح المؤلفان في نفس سياق البحث عن تاريخية اختراع السلاح النووي كيف أن رجال السياسة كانوا قد بدأوا يهتمون قليلاً بالمكتشفات الفيزيائية في الميدان النووي قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية.
لكنهم لم يكونوا يتصورون أبداً أنه سيتم خلال «وقت قصير» اختراع قنابل «من طراز جديد» وتمتلك قوة تدمير هائلة، وبنفس الوقت قامت عدة بلدان بتنشيط البحث في المجال النووي وفي مقدمتها ألمانيا وبريطانيا من أجل امتلاك سلاح «حاسم» في المعارك.
وعندما كانت الولايات المتحدة قد بدأت بتنفيذ «مشروع مانهاتن»، الذي كان هدفه الواضح هو الوصول إلى تصنيع قنبلة ذرية، كانت الحرب قد اندلعت. لقد دخلت أميركا واقعياً في عملية سباق مع ألمانيا الهتلرية ومشاريعها العسكرية، ولم يتردد الرئيس الأميركي ايزنهاور في أن يصدر نفسه قرار رصد مبالغ مالية هائلة من أجل الأبحاث النووية، دون أن يكون واضحاً آنذاك أنه سيمكن الوصول إلى اختراع أسلحة جديدة قبل نهاية تلك الحرب.
*الكتاب:العالم النووي : السلاح النووي والعلاقات الدولية منذ عام 1945
*الناشر: ارمان كولان ـ باريس 2006
*الصفحات :259 صفحة من القطع المتوسط
Le monde nucléaire : arme nucléaire et relations internationales depuis 1945
Armand Colin- Paris 2006
P.259

