عمل بول بوريل لسنوات طويلة رئيساً للخدم في قصر كنسنغتون بالقرب من الأميرة ديانا، وكان قد عمل قبل ذلك فترة طويلة في خدمة القصر الملكي البريطاني. سبق له ونشر كتاباً عن الأميرة ديانا تحت عنوان «مذكرات ملكية». هذا كتاب عن الأميرة البريطانية التي لاقت حتفها في حادث سير بأحد أنفاق العاصمة الفرنسية باريس يوم 31 أغسطس 1997.
وإذا كانت الكتب الكثيرة التي كرّسها أصحابها لسيرة حياة «أميرة القلوب» الانجليزية قد خصت سنواتها مع الأمير تشارلز، فإن هذا العمل يخص «سنوات ما بعد تشارلز».وهكذا يبدو كـ «مستودع أسرار» ذكريات ديانا الحقيقية في الفترة التي «تحررت» فيها من «شكليات» القصر الملكي كي تذهب أبعد في التزاماتها «الإنسانية».
ومنذ الأسطر الأولى في الكتاب «يدعو» المؤلف قارئه إلى قصر كنسنغتون ذات يوم من عام 2002 أي بعد أربع سنوات من رحيله عنه «نهائياً» يوم 24 يوليو 1998 وحيث كان قد أمضى سنوات في خدمة الأميرة ديانا. ولم يكن يتصور أنه قد يعود إليه يوماً،
لكنه اضطر إلى ذلك بعد توجيه جهاز شرطة «سكوتلانديار» التهمة له باختلاس بعض أشياء الأميرة؛ هذه التهمة التي برأته المحكمة البريطانية منها عام 2002 أيضاً إثر تدخّل الملكة نفسها.ويوم «عودته» إلى القصر برفقة محاميه وأحد أصدقائه وجد الجناح الذي كانت تقطنه الأميرة ديانا فارغاً تماماً إلا من بعض قطع الأثاث المكوّمة دون أي نظام وبعض «أكياس القمامة».
نقرأ: «لم أكن أتوقع أن يتم تفتيش كل حجرة بهذا القدر من الازدراء الذي يدل جيداً على الطريقة التي عوملت بها تلك التي كانت تقطنه أثناء حياتها»، كما يكتب بول بوريل ويضيف: «لن يتم توفير أي شيء. فالعمّال نزعوا السجّاد الأرضي وأغطية جدران الصالونات الحريرية وتركوا أبواب الخزائن الجدارية فاغرة.
وحتى المفاتيح الكهربائية نزعوها (...). وكانت طبقة سميكة من الغبار تغطّي حواجز السلالم اللامعة قديماً بينما تغطّي شبكات العنكبوت السقوف ورائحة الهواء المحبوس تملأ المكان. إن هذا المسكن الذي كان في غاية الجمال سابقاً هو اليوم داكن وقذر مثل مسكن السيدة هافيشام الذي وصفه الروائي الكبير شارل ديكنز في روايته «الآمال الكبرى».
ويشير المؤلف في هذا السياق إلى أن الجناح رقم 9 الذي كان يحتوي على غرفة الأميرة وحمّامها يسكنه اليوم بعض العاملين مع الملكة. أمّا الجناح الآخر الذي كان مخصصاً للأميرة ديانا، أي الجناح رقم 8، فلا يزال فارغاً. وهنا يكرّس بول بوريل عدة صفحات يقدّم فيها لقارئه ملخّصاً عن طريقة حياة الأميرة ديانا في قصرها والذي كانت حديقته تشكل «قدس الأقداس» بالنسبة لها حيث أنها كانت تمضي فيها وقتاً طويلاً «وحدها».
وتحت عنوان «الصداقة» يتحدث بول بوريل عن ظرف بلاستيكي شفّاف تلقاه بعد عدة أيّام من وفاة الأميرة ديانا، وكان من إحدى صديقاتها. وكان يحتوي على شريط مسجّل ومرفق بورقة صغيرة مكتوب عليها: «العزيز بول، هذا شيء صغير يمكن أن يذكّرك بمعلّمتك».
كانت تلك التسجيلات تعود إلى صيف عام 1997، ولكن «بول» لم يسمع محتواها إلا في صيف عام 2006 بمناسبة تحرير هذا الكتاب «الذكريات». وتقول ديانا في إحدى الرسائل الصوتية لصديقتها: «صباح الخير، أنا ديانا التي لا يمكن الإمساك بها. أريد أن أعرف إذا كنت ترغبين المجيء يوم الثلاثاء القادم عند الساعة الحادية عشرة ـ هذا إذا كنتِ قد استيقظتِ من النوم ـ لتناول فنجان من المنقوعات الساخنة.
ويقول بول انه يمكن أن نضيف له قليلاً من الماريجوانا إذا كان هذا يبعث لديك الحماس للمجيء. إننا نتأمل مجيئك». كانت الأميرة تتحدث بضمير المتكلم الجمع للتعبير عن نفسها وعن خادمها الأمين «بول» الذي يؤكد الاهتمام الكبير الذي كانت توليه أميرته لأصدقائها ولإدخال شيء من الفرح في حياتهم عبر كتابة كلمة أو رسالة صوتية أو باقة من الورود أو ربما هدية صغيرة.
وهذا ما يبدو من الكثير من «الحكايات» و«الوقائع» التي يرويها في فصل «الصداقة» هذا. وتحت عنوان «التعاطف الإنساني» يشير بول بوريل إلى أنه قد قام بالكثير من المهمات التي كلفته بها الأميرة ديانا خارج إطار عمله الرسمي مثل تسليم رسالة خاصة إلى أحدهم في لندن بل وأحياناً في نيويورك.
وانه كان ينفّذها بأفضل ما يكون. ثم يشير: «لم يصدمني أو يدهشني أي شيء طلبته مني حتى يوم 10 ابريل 1994». ففي ذلك اليوم كلّفته بمهمة أثارت خشيته وقال لها: «ماذا ستقول الملكة إذا علمت بذلك؟ إنني أخشى أن...». فأجابته: «بول لا حاجة للملكة كي تعرف ذلك».
كانت تلك المهمة هي حفر قبر صغير في حديقة القصر الملكي، وذلك من أجل دفن «ابنة» صديقتها «روزا مونكتون» التي كانت من بين القلائل جداً الذي احتفظت بالعلاقة معهم في ذلك العام 1994 إثر قرارها الانسحاب من الحياة العامة بعد أن نشرت لها صحيفة «الصاندي ميرور» صوراً في قاعة للرياضة.
كانت «روزا» قد أجهضت طفلة ميتة بعد ستة أشهر من الحمل واختارت الأميرة «لأسباب يجهلها المؤلف» أن يتم الدفن في حديقة القصر بالاتفاق مع روزا وزوجها. وشاركت ديانا نفسها في عملية الحفر. ثم جرى إدخال جسد الطفلة على المقعد الخلفي للسيارة التي قادها بول. كما جرى استقدام قس أقام الطقوس الدينية بحضور الوالدين والأميرة ديانا وبول وعامل الحديقة الذي شارك في العملية.
وقالت ديانا للأبوين وهما يغادران انه بإمكانهما القدوم متى يشاءان لزيارة القبر و«الحديقة هي لكما الآن مثلما هي لي». وبعد أن أشارت لبول أنه يمكن القول إذا تمّ اكتشاف القبر أن الأمر يتعلق بأحد الحيوانات كما يفعل الكثير من الانجليز بدفن حيواناتهم الأليفة في حدائقهم،
أضافت: «المشكلة الوحيدة هي أنه ذات يوم سيتم اكتشاف أمر الطفلة وسوف يقال انها طفلتي». وهذا ما يعلّق عليه المؤلف بالقول: «لقد تلفّظت بهذه الكلمات وكأنها قدر، ومرّة أخرى قد تكون هناك تفسيرات سيئة لجانب من حياتها. وربما كان ينبغي ذكر هذه القصة بسبب ذلك».
وفي مساء ذلك اليوم تلقى «بول» من «معلّمته»، كما يصر على القول، هذه السطور: «العزيز بول، أشكرك من كل قلبي للدعم والدقة اللذين أبديتهما اليوم. كان الأمر مهماً جداً بالنسبة للأبوين في حصولهما على هذه اللحظة الحميمة وأريدك أن تعرف كم أنا ممتنة لكل ما سببته لك من عناء. التوقيع: ديانا».
وماذا عن علاقة الأميرة ديانا ودودي الفايد؟
الرواية التي يقدمها مؤلف هذا الكتاب تنفي أنهما كانا «سيعلنان خطوبتهما» كما تنفي أنها «كانت على وشك الإعلان عن أنها حامل» كما تنفي أن ديانا كانت «تحب كثيراً قصر وندسور في نويي بفرنسا وأنه كان من المرتقب أن تقيم في هذه الملكية العائدة للفايد مع دودي».
بالمقابل يؤكد القول: «الحقيقة هي أن دودي والأميرة عاشا علاقة قوية وقصيرة. ولم يمضِ أبداً في القصر أكثر من عشر دقائق وأن الأميرة أمضت معه ستة وعشرين يوماً»، ثم يضيف: «ما هو الأكثر أهمية أيضاً هو أن الأميرة عند وفاتها كانت تحب رجلاً آخر إنه جرّاح القلب حسنات خان الذي كانت تقيم معه علاقة عميقة أكثر من كل ما تقاسمته مع وريث مخازن هارودز».
ونقرأ أيضاً: «طالما أن الحقيقة حول علاقتها مع الدكتور خان ستبقى سرية، فإن أسطورة دودي ستبقى قائمة. ولذلك أعتقد أنه قد جاءت اللحظة لرواية القصة الحقيقية لحب ديانا». إنه الدكتور «خان» الذي كانت تقول عنه «رجل حياتي» حسبما ينقل المؤلف عنها. لكن علاقتهما انتهت إلى قطيعة مؤلمة كانت هي التي دفعتها للاندفاع نحو دودي كي تواسي نفسها».
وتحت عنوان «رجل حياتي» يعود المؤلف إلى مساء 15 سبتمبر 1996، أي بعد 18 يوم من الطلاق نهائياً مع الأمير تشارلز. في ذلك المساء استدعته الأميرة عند منتصف الليل تقريباً. وقالت له: «إنني أحاول الاتصال به منذ خمسة أيام وقد تركت له رسائل صوتية في كل مكان.
ماذا يمكنني أن أفعل أيضاً؟ لقد ذهبت إلى منزله ولم يكن هناك أي ضوء. لا أعرف أين هو». ثم طلبت منه أن يذهب للبحث عنه... لقد وجده وبلّغه رسالتها. وفي صباح اليوم التالي وجد على مكتبه الرسالة التالية: «العزيز بول، القليل من الناس يغامرون في قلب الليل من أجل قضية قلب (...). أشكرك مرّة أخرى لأنك أتيت لنجدتي».
كانت ديانا قد قابلت الدكتور خان للمرّة الأولى عام 1995، وفي شهر سبتمبر بالتحديد، في أحد مصاعد مستشفى «بروميتون» الملكي في لندن. ويروي المؤلف أنها قالت له يومذاك: «كاد قلبي أن يتوقف». ثم يؤكد: «كانت تريد الزواج من حسنات،
وأن تنجب أطفالاً منه وكانت مستعدة للتخلي عن كل شيء من أجل ذلك». وينقل عن الدكتور خان قوله ذات مرة: «أنا لست مستعداً للزواج وهذا كل شيء». وفي النهاية كانت «ديانا هي التي وضعت حداً للعلاقة وهي تبكي في إحدى حدائق لندن العامة».
*الكتاب:هكذا كانت الأمور، ذكريات ديانا
*الناشر:هربر كولنز ـ لندن2006
*الصفحات: 288 صفحة من القطع المتوسط
The way we were remembering Diana
Herpercollins- London 2006
p.288
