مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور إمام عبد الفتاح إمام أستاذ غير متفرغ بجامعتي عين شمس والمنصورة أثرى المكتبة العربية بدراساته الفلسفية المختلفة سواء المؤلفة أم المترجمة خاصة عن الفيلسوف الألماني هيجل. وفي كتابه الجديد يقدم لنا مجموعتين من الدراسات أولهما حول «مسيرة الديمقراطية..رؤية فلسفية» ، والثانية حول «الوعي السياسي.. التأسيس والإشكال».

وإذا كانت قضية الديمقراطية هي الشغل الشاغل في الوقت الراهن في عالمنا العربي فإن المؤلف يسعى من خلال دراسته الأولى إلى تتبع تطور الديمقراطية في الأحقاب التاريخية المختلفة والتحولات التي طرأت على مفاهيمها الأساسية وهي تحاول أن تصلح نفسها بنفسها ويقرر الدكتور إمام أن الديمقراطية تجربة إنسانية بالدرجة الأولى وأنها كما قال جون ديوي بحق النظام الأمثل والأفضل الذي تحتمه طبيعة الإنسان لكي تنمو وتزدهر،

ولعل ذلك ما يدعوه إلى التأكيد على أنه لن ينصلح حالنا وتتغير مفاهيمنا السلبية السيئة ما لم نطبق الديمقراطية في بلادنا تطبيقاً حقيقياً وفعلياً لا اسمياً ولا شكلياً بحيث نكتفي أن نكتب موادها في الدستور بأحرف من نور ثم تطبق قواعد الطغيان وأفعاله في ظلمات الليل.

ويشير المؤلف إلى حقيقة أساسية لا ينتبه إليها الكثيرون لدى الحديث عن الديمقراطية وتتمثل في أنه رغم الأصول اليونانية للديمقراطية إلا أنها تطورت تطوراً بعيد المدى حتى أصبحت تختلف جذرياً عن التجربة القديمة مما يجيز القول إنه لم يبق يونانياً منها سوى الكلمة ويؤكد لنا بالتالي أن الديمقراطية وليدة عمليات تحول طويلة الأمد وقد اجتازت جميع الأشكال السياسية التي عرفها العالم قبل أن تتوصل لوضع أدوات الحكم تحت رقابة المواطنين وسيطرتهم.

ومن خلال الجزء الأول يعرض الدكتور إمام للديمقراطية المباشرة وهى التي بدأت بتجربة بالغة البساطة أخذت بها مدينة أثينا متطرقاً إلى عيوب هذا النوع من الديمقراطية. غير أن ما يهم هنا هو النتيجة التي يخلص إليها الدكتور إمام من بحثه والتي تتمثل في أنه لا ينبغي أن يقال إن الديمقراطية تجربة غربية فهي تجربة إنسانية كما بدأ كتابه، كانت ولا تزال تتشكل طوال التجارب الكثيرة التي خاضها الإنسان.

وفي إطار تعميق تناوله يتحدث عن ثلاثة أفكار أساسية تتعلق بالديمقراطية وهي الشعب والحرية والمساواة. فمن ناحية فإن الديمقراطية تعرف منذ بداية نشأتها عند اليونان حتى يومنا الراهن بأنها حكم الشعب. متسائلاً: لكن ما المقصود بالشعب؟ يقرر أن الإجابة ليست سهلة ميسورة

بل إن الأمر احتاج إلى كفاح مرير لتحديد هذا المفهوم تحديداً سليماً.أما بالنسبة للحرية والمساواة وهما الفكرتان الأساسيتان اللتان قامت عليهما الديمقراطية ففي إطار تناولهما بالتحليل يعرض لنا المؤلف جوانب عديدة تتعلق بتطورات الفكر الغربي متطرقاً إلى رؤية أفلاطون وأرسطو للمفهومين ثم ينتقل إلى رؤى فلاسفة عصر النهضة مقدماً لمحات من فكر جان جاك روسو وتوماس هوبز وجون لوك.

ثم يتطرق بعد ذلك إلى الحديث عما يراه مشكلات تتعلق بالديمقراطية وهنا يتساءل حول إمكانية أو جواز الأخذ بالديمقراطية في جميع المجتمعات بلا تفرقة أم أنها شكل خاص من أشكال الأنظمة السياسية يحتاج إلى مجتمع معين؟

وبعد استعراض مجموعة من التوجهات المختلفة يشير الدكتور إمام إلى أن الاستبداد بل كل معوقات الديمقراطية يقف حجر عثرة في سبيل تطور المجتمع

وتقدمه ذلك لأنه بغير الشعور بالمساواة المعنوية والمادية ودون ممارسة الحرية والمشاركة في أنشطة المجتمع يصعب تفجير طاقات المواطن وتحرير مكنوناته الدفينة التي يسحقها الكبت والحرمان والخوف والتردد والشعور بالإهمال، كما أنه دون الديمقراطية يغيب الرأي العام عن ممارسة تأثيره الضروري في فرض احترام قيمة الإنسان والعمل على توفير أسباب تقدمه بل ويصعب تحقيق السلام الاجتماعي.

كما أن من المشكلات الأساسية في النظام الديمقراطي الخوف من طغيان الأقلية وضياع حقوق الأقلية والتهديد المستمر لحرية القلة التي لا توافق على رأي الأغلبية. ومن استعراض تفصيلي لهذا الجانب يصل الدكتور إمام إلى التأكيد على أن المعيار الحقيقي لوجود الديمقراطية في مجتمع ما ليس وجود مجموعة من الأفكار المهمة والمبادئ الديمقراطية في دستور هذا المجتمع وإنما هو ممارسة الناس الفعلية لهذه الأفكار والمبادئ والحقوق،

فالديمقراطية في النهاية ممارسة وربما كان وجود الوعي السياسي عند المواطنين هو الضمان الأكيد لممارسة الديمقراطية في أي مجتمع.من هذه النقطة يعرف المؤلف الوعي السياسي باعتباره يمثل حجر الزاوية في التطبيق الديمقراطي فيشير إلى أنه هو وعي المواطن بحقوقه الأساسية، حقه في الحياة، وفي الملكية ، وفي التفكير وفي الحرية وفي التعبير عن أرائه وأفكاره، وحقه في أن يعامل كغاية في ذاتها وليس كوسيلة لتحقيق مآرب الآخرين حتى ولو كانوا الحكام.

ومن هذه الرؤية يشير إلى تشكك البعض في إمكانية نجاح التطبيق الديمقراطي في الدول النامية في ضوء انخفاض مستوى الوعي بين مواطنيها. وهنا يقرر أنه لا بد من الاعتراف بأن الديمقراطية في مثل هذا المجتمع سوف تتعثر وتقع في كثير من الأخطاء وسوف يعاني الناس معاناة شديدة من تطبيق هذا الحكم الذي لم يألفوه لكن لا مندوحة، من المرور بهذه التجربة ـ حسبما يقول ـ

فالديمقراطية في جوهرها ممارسة وليست مجرد مجموعة من الأفكار النظرية التي يمكن أن تحفظ عن ظهر قلب، هي ممارسة مثلها في ذلك مثل ممارسة قيادة السيارة وتعلم السباحة .. الخ .. لا بد من النزول في الماء ومواجهة التيار ومصارعة الأمواج والوقوع في الخطأ مرة ومرة إلى أن نتعلم كيف نسبح ثم كيف نجيد السباحة.

ثم يشير المؤلف في معرض التأكيد على صحة رؤيته إلى أنه إذا كانت قمة الديمقراطية في العالم هي الموجودة الآن في إنجلترا فإن الأمر لم يكن وليد المصادفة ولم يظهر فجأة بل جاء نتيجة معاناة شديدة وعلى مدى قرون طويلة فقد بدأت المحاولات منذ القرن الثالث عشر وتكبو ثم تقف على قدميها من جديد إلى أن وصلت إلى صورتها الحالية.

ولكن كيف يمكن لنا أن ننمو بالديمقراطية؟

يقرر الدكتور إمام أن تربية الوعي السياسي وتنميته مهمة تقع على عاتق المثقفين المستنيرين الذين ينبغي عليهم القيام بدور تنويري خطير فيما يشبه ما قام به المفكرون والفلاسفة التنويريون في أوروبا في القرن الثامن عشر فمهدوا بذلك لقيام الثورة الفرنسية وما نحن في أمس الحاجة إليه هو هذا الوعي السياسي الذي يحقق توحداً بين ماهية الإنسان وحريته بحيث يفقد وجوده في الحال إذا فقد حريته.

ثم يشير المؤلف إلى أحد الجوانب السلبية لغياب الوعي السياسي وهو ما تمثل في الفهم المغلوط بشأن تطبيق النظام الديمقراطي الليبرالي حيث ذهب كثيرون إلى معارضة تطبيق مثل هذا النظام بدعوى أنه نظام غربي مستورد فكيف يجوز لنا نحن العرب أن ننقل عن الغرب تجربته وهو ما يعتبره المؤلف يدل على قصور في الوعي لعدة أسباب أن الديمقراطية،حسبما أشار،

إنما هي تجربة إنسانية وليست نظاماً غربياً، فهي تجربة إنسانية عالمية في المقام الأول وليست تجربة الآخرين المختلفين عنا. ثم يذكر أن اليابان تطبق الديمقراطية وهي ليست دولة غربية وأن الهند كذلك تطبقها وهي ليست دولة غربية فضلاً عن دول آسيوية كثيرة وربما افريقية كذلك تسير في نفس الطريق. متسائلاً: ألا يدل ذلك ـ وفق المؤلف ـ على أنها تجربة إنسانية؟

ثم يتساءل عن أبعاد الحساسية من الديمقراطية الغربية ونحن نستفيد ونقتبس وننقل من الغرب آلاف الأفكار في جميع المجالات من السينما إلى المسرح إلى الإذاعة والتلفزيون.. فهل نوافق على ذلك كله ثم نرفض نقل العلاج لأمراضنا السياسية كما ننقل عنهم العلاج لأمراضنا الجسمية ؟

ثم يشير إلى أن من الأخطاء التي تنم عن قصور في الوعي السياسي أيضاً الظن بأن للديمقراطية شكلاً واحداً معيناً ينبغي أن يطبق بحرفيته وهذا غير صحيح فبعض الولايات السويسرية لا تزال تأخذ بنظم الديمقراطية المباشرة وحتى في الديمقراطية النيابية أي غير المباشرة هناك اختلافات واسعة بين الدول التي تطبقها

فإنجلترا ملكية رئاسية تأخذ بالنظام البرلماني والولايات المتحدة جمهورية رئاسية تأخذ بالنظام الرئاسي وفرنسا تجمع بين النظامين وهناك تداخل بين السلطات الثلاث في إنجلترا وفصل حاسم بين هذه السلطات في فرنسا ولا يجوز للرئيس الأميركي حل البرلمان.

ويتساءل الدكتور إمام عن السبب في أننا نجد حرجاً في الاستفادة من النظم الديمقراطية المتقدمة أياً كان شكلها في حين أن التاريخ يظهر لنا أن الولايات المتحدة استفادت من الديمقراطية الإنجليزية رغم ما بينهما من استعمار وعداء وحروب ، وأن فرنسا استفادت من التجربتين الإنجليزية والأميركية معاً في وضع نظامها الدستوري.

وفي الختام يتطرق المؤلف إلى مظاهر أخرى لغياب الوعي السياسي ومنها الخلط بين الأخلاق والسياسة وعدم التمييز بوضوح بين هذين المجالين المهمين: الأخلاق التي تهتم بسلوك الفرد، والسياسة التي تعنى بسلوك الجماعة وهو خلط ورثناه عن العصور الغابرة عندما كانت المفاهيم الأخلاقية مدمجة في العادات والتقاليد التي تحكم المجتمع في غيبة القوانين.

ومن بين ألوان الخلط بين الأخلاق والسياسة ما شهدناه في العصر الحديث كأن يضفي الحاكم على نفسه ألقاباً أخلاقية كأن يصف نفسه بأنه أب لجميع أفراد الشعب وأن المواطنين هم أولاده أو أنه رب الأسرة وكبير العائلة كما كان يفعل الرئيس السادات وهو يشعر بكثير من الفخر والاعتزاز بهذه الألقاب العجيبة التي لا نجدها أبداً في المجتمعات المتقدمة.

وكما يصف غيره نفسه بأنه الأخ فلان والأخ علان ومصدر العجب أنه خلط واضح بين الأخلاق والسياسة، ذلك لأن مفهوم الأب أو رب العائلة مفهوم أخلاقي وهو واجب الاحترام حتى ولو جانبه الصواب ولا يجوز لأحد من أفراد العائلة أن يعصي له أمراً وليس كذلك الحاكم السياسي.

وأخيراً يؤكد على أن ما هو مرجو للإنسان العربي أن يعي ذاته وأن يرفض الوصاية فهو ليس قاصراً ولا ينبغي أن يفرض عليه أحد كيف يعيش لا الحاكم الأخلاقي ولا الحاكم الديني فقد انكوى بنار النظم الشمولية والديكتاتورية عسكرية وغير عسكرية وأن له أن يمارس حقوقه السياسية عن وعي وتمكن واقتدار قائلاً :نريد منه أن يكون قادراً على أن يقول أنا صاحب هذه الأرض

وأنا الذي أزرعها وأنا الذي أحصدها وأنا الذي أدافع عنها إذا استشعرت الخطر وأنا الذي أدفع الضرائب وأجلب ميزانية الدولة .. الخ. إذن أنا الذي أحكم وليس هناك أقدر مني ولا أدرى مني بمشكلات التنظيم السياسي فكما تقول الحكمة الاثينية القديمة «إذا كان الإسكافي هو الذي يصنع الحذاء، فإن من ينتعله هو وحده الذي يعرف أين يضايقه».

ألفت عبد الله

*الكتاب:الديمقراطية والوعي السياسي

*الناشر: نهضة مصر - القاهرة 2006

*الصفحات:159 صفحة من القطع المتوسط