يضم هذا الكتاب بين صفحاته وقائع الندوة التي عقدها مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت حول العدوان الإسرائيلي على لبنان والذي جرت وقائعه على مدى ثلاثة وثلاثين يوما خلال شهري يوليو وأغسطس من العام الماضي. وقد كانت الندوة حتى وقت صدورها تمثل المحاولة الوحيدة التي حاولت تناول الحدث بالبحث العلمي بمشاركة نخبة كبيرة من الباحثين والمعقبين والمناقشين وصل عددهم إلى ستين شخصاً.
على مدى سبعة فصول يحاول الكتاب رصد كافة التداعيات الناجمة عن الحرب على كافة الأصعدة بدءا من تداعياتها على لبنان وإسرائيل مرورا بتداعياتها العربية والإقليمية - إيران وتركيا - وانتهاء بتداعياتها الدولية. ورغم هذه المحاولة للتقسيم إلا أن التداخل بين مجمل هذه الأبعاد فرض الحديث عن التداعيات في مجملها على مدى صفحات الكتاب مع مراعاة المشاركين في الندوة التقسيم ما أمكن ذلك.
في ورقته المعنونة بـ «الحرب الإسرائيلية على لبنان» يرصد لنا خير الدين حسيب مدير المركز بعض الجوانب المهمة فيشير الى أن المقاومة حققت فعلا نصرا إستراتيجيا وتاريخيا ما يستحق الوقوف أمامه طويلا لما له من تأثيرات آنية مستقبلية تتجاوز حدود لبنان الى الكيان الصهيوني والى المحيط العربي لفلسطين 1948..
لقد أثبتت المقاومة ممثلة في حزب الله، حسبما يشير، القدرة على ردع إسرائيل ضد أي اعتداء منها على لبنان، حيث أدار حزب الله المعركة بمستوى عال ومتميز من التخطيط والتنفيذ على نحو يجعل منه قدوة حسنة على المستوى العربي. من ناحية ثانية فقد أدت الحرب الى إجبار إسرائيل على إعادة النظر في إستراتيجيتها الدفاعية..
وعلى هذا الأساس يتساءل عما يكون عليه الحال لو تبنت الأنظمة العربية سياسة مواجهة وضغط على إسرائيل بدلا من سياسات الاستسلام التي تنتهجها تجاه أميركا وإسرائيل. وينتهي الى التأكيد على أن الإنجاز الكبير للمقاومة اللبنانية سيفرض على العرب شعوبا وحكومات إعادة النظر في إستراتيجية التعامل مع إسرائيل وتحقيق المطالب العادلة للشعب الفلسطيني.
ثم يشير حسيب الى ما يعتبره فشل الولايات المتحدة التي كانت داعمة لحرب إسرائيل على لبنان في تحقيق هدفها من الحرب مما دفعها الى التنازل التدريجي عن مواقفها ومطالبها. ويرصد لنا معن بشور بعض الجوانب المهمة في سياق رصده للتداعيات على لبنان مشيرا الى أن مستقبل لبنان مرهون بجملة عوامل تشكل في مجملها برنامج النهوض الجماعي في الأمة منها ضرورة نجاح المقاومة
وحلفائها في عدم الانزلاق الى صراعات داخلية تسمح للقوى الأجنبية أن تفرض بالتدويل ما عجزت عنه تل أبيب بالاحتلال.ثم يشير الى أن نجاح المقاومة في تفويت الفرصة أمام مشروع نقل الفتنة المذهبية بين السنة والشيعة الى لبنان هو أمر لا ينبغي معالجته في الداخل اللبناني وحده بل بمساهمة المقاومة اللبنانية بما لديها من مكانة وتأثير معنويين في الحد من هذه الفتنة في ساحات آخري ولا سيما في العراق.
ثم يعرض لنا عزمي بشارة التداعيات على إسرائيل فيشير الى أنه لا يوجد خلاف في داخلها على أنها فشلت في الحرب على لبنان ويدور نقاش حول أسباب الفشل ومن يتحمل مسؤوليته. ويتساءل بشارة في إطلالة عامة على مسار الصراع:
ماذا تبقى اذا بعد الحرب على لبنان؟ يقول تبقى أحد الخيارين إما السلام الشامل والعادل والدائم الذي لم تقبل به إسرائيل وإما الجمود والفراغ السياسي والدبلوماسي الذي يؤدي الى تدهور الأوضاع الى حرب شاملة وقد يعني ذلك في اللحظة التاريخية الراهنة تبني إستراتيجية المقاومة على الجبهات كافة.
ويخلص الى أن وضوح الخيارات بعد الحرب على لبنان هو مأزق إسرائيل الإستراتيجي. وعلى ذلك يشير بشارة الى أنه من اجل تعميق هذا المأزق يتوجب على العرب التمسك بمبادرتهم السلمية لسلام عادل ودائم من دون التزحزح قيد أنملة والكرة حاليا في الملعب الإسرائيلي.
وفي تناوله وتحليله للمواقف العربية من الحرب يشير الدكتور أحمد يوسف الى الحالة التي كان يعيشها النظام العربي ككل في ظل الأزمة والتي انعكست على موقفه من العدوان. لقد بدا النظام العربي الرسمي ضد المقاومة وهو ما تمثل في عدد من البيانات الصادرة عن عدد من الدول والقادة العرب والتي رأت في مجملها أن عملية حزب الله ضد إسرائيل مغامرة غير محسوبة، وهو ما يشير،
حسبما يذهب الدكتور أحمد الى تحول كبير في مجمل الرؤية العربية التي كانت فيما مضى تدعم المقاومة بدءا من ثورة الجزائر ضد الاحتلال الفرنسي وانتهاء باحتضان القمة العربية لإنشاء منظمة التحرير الفلسطينية وجيشها في عام 1964.
وفي تفسير المواقف العربية يشير الى أنه يبدو واضحا أن ثمة تفسيرين محتملين أولهما يأتي في إطار أن الدول التي صدرت عنها تلك المواقف هي الأقرب الى السياسة الأميركية حتى وإن بدا أن بين بعضها وبين هذه السياسة قدر من التباين في قضايا بعينها من حين الى آخر.
والثاني ينبثق من أن لهذه الدول هواجسها الذاتية سواء كانت نابعة من منطق المقاومة بالنسبة الى دولتين ترتبطان بمعاهدتي سلام مع إسرائيل أو هاجس النفوذ الإيراني بالذات بالنسبة الى دول أخرى. ويشير الدكتور أحمد الى أن التحول اللاحق في الموقف العربي إنما جاء بفضل انتصار المقاومة والتي صمدت
وقدمت نموذجا أشعل جذوة الرأي العام العربي وصعدت إسرائيل عدوانها الهمجي وعلت النبرة الناقدة للمواقف العربية الرسمية داخل لبنان وفي وسائل إعلام عربية مستقلة عديدة بالإضافة الى ما بدا من ردود أفعال دولية جاءت على نحو أقوى على نحو يشعر بالخجل من مثيلاتها العربية.
وفي هذا السياق بدا أنه لا خيار للموقف العربي الرسمي اذا أراد ألا ينتخر سوى أن يغير خطابه على أقل تقدير ومن هنا جاءت الدعوة الى مجلس وزاري عربي طارئ في بيروت عقد في 7 أغسطس أي بعد قرابة شهر من العدوان. أما بالنسبة للدعوة الى قمة عربية فقد بدأت القمة حائرة حيث أن الدول العربية في مرحلة التراخي عن نصر المقاومة لم تر ما يوجب عقد هذه القمة فلم تحصل الدعوة على النصاب المطلوب وانتهى الأمر بإعلان اليمن سحب الدعوة الى عقدها.
وفي النهاية فإن من دروس الحرب أنها تعزز ثقافة المقاومة وآلياتها في مواجهة المشروع الصهيوني فضلا عن أن إسرائيل خسرت الكثير من المنظور الإستراتيجي إن كانت تريد حقا العيش في المنطقة كدولة طبيعية لأن عدوانها الهمجي على لبنان قد أثبت للجماهير العربية على الأقل أن التعايش مع إسرائيل ينطوي على درجة قصوى من درجات تهديد الأمن.
وعن التداعيات الإقليمية للحرب تتناول الدكتورة نيفين مسعد تلك المتعلقة بإيران مشيرة الى أن الدور الإيراني في عملية الوعد الصادق وصلته بإعادة تشكيل خريطة التحالفات الإقليمية استحوذ على اهتمام دولي واسع المدى. لقد وصلت الاتهامات الى حد التأكيد على أن إيران هي التي خططت لخطف الجنديين بهدف صرف الأنظار عن ملفها النووي وتعزيز النفوذ الإقليمي في المنطقة وإحراج الأنظمة العربية بوضع طهران في الوضع الأمامي الداعم لحركات المقاومة الإسلامية في فلسطين ولبنان.
غير أنه بغض النظر عن مدى صحة هذه الاتهامات وهو الأمر الذي تناقشه بشكل كبير تشير الدكتورة نيفين مسعد الى أن الحرب الهمجية الإسرائيلية على لبنان مثلت نقطة تحول مهمة في علاقات إيران الإقليمية وجعلت منها طرفا لا يمكن تجاهله في بحث القضايا الرئيسية في المنطقة
وتلك مناسبة يمكن لإيران استثمارها لتعزيز الانطباع الإيجابي الذي تكون عن دورها الداعم لحزب الله في مواجهة إسرائيل مقابل الانطباع المضاد الذي ولدته سياستها الانتقائية الطائفية في العراق، لأنه اذا كان لا بد من شرق أوسط جديد يرجح أنه إيراني فمن المؤكد أن المطلوب ألا يكون من وجوه جدته صراع الطوائف والمذاهب والفوضى غير الخلاقة.
أما عن التداعيات الإقليمية للحرب على صعيد تركيا فيشير محمد نور الدين الى ان المجتمع المدني التركي سجل أحد أروع صفحات التأييد والدعم والتضامن مع لبنان والمقاومة التي تولاها حزب الله ضد العدوان. أما على الصعيد الرسمي فإن هناك العديد من المحاذير التي جعلت التحرك التركي يتسم بالبطء يأتي على رأسها حساسية العلاقات التي تربط تركيا بإيران في ضوء العلاقة الوثيقة التي تربط حزب الله بطهران
وعلى ذلك فإن تحرك تركيا في اتجاه لبنان من دون التشاور مع إيران أو في اتجاهات تتناقض مع المصالح الإيرانية التركية المشتركة يدخل العلاقات في مرحلة عدم استقرار ويؤثر في أكثر من ملف مشترك أو منفصل ومن ذلك أن مشاركة تركية مثلا في القوة الدولية خارج اتفاق جميع الأطراف المعنية
ومنها إيران يحمل العلاقات بين أنقرة وطهران الى حقول توتر جديدة وخطيرة، فضلا عن أن امتداد التوتر السني الشيعي في المنطقة الى العلاقات بين إيران الشيعية وتركيا العلمانية يحمل مخاطر كبيرة على التجربة العلمانية في تركيا نفسها التي تمثل في مثل هذه الحالات مجال امتصاص لمثل هذه الحساسيات.
كما أن توتر العلاقات التركية مع إيران ينعكس سلبا على إمداد هذه الأخيرة لتركيا بالطاقة، وفي المقابل فإنه ينعكس على افتقاد طهران لنافذة سياسية واجتماعية مهمة على الغرب لا توفرها أية دولة عربية، وهو ما يعني في المحصلة النهائية أن على الدولتين التشاور والتنسيق، في القضايا المتصلة بلبنان.
واذا وضعنا في الاعتبار طبيعة العلاقات التي تربط تركيا بإسرائيل فإن ذلك ينتهي الى أن أي موقف تركي من المسألة اللبنانية حسب الكتاب إنما يتطلب توازنات دقيقة وصعبة ينعكس عدم أخذها في الإعتبار تداعيات في الداخل التركي وخارجه.
ثم يقدم لنا الدكتور حسن نافعة قراءة في التداعيات الدولية للحرب الإسرائيلية على لبنان متطرقا الى ثلاثة محاور هي النظام الدولي بما فيه الأمم المتحدة ومحور العلاقات العربية الأميركية ومحور العلاقات العربية الأوروبية.
مصطفى عبد الرازق
*الكتاب: الحرب الإسرائيلية على لبنان
*الناشر:: مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت 2006
*الصفحات: 455 صفحة من القطع الكبير
