لم تتردد صحيفة «موسكو تايمز» في وصف فلاديمير سوروكين، مؤخراً، بأنه الكاتب الروسي الحي الوحيد الذي يستحق أن يوصف بأنه كاتب كلاسيكي. وذهب الناقد الروسي البارز كيرتسين إلى وصف سوروكين بأنه: «ربما كان المؤلف الأحداث في سلاسل ممتدة من المؤلفين الذين يمكن اعتبارهم كتاباً عظاماً».
وقد صدرت ترجمة روايته «ثلج» مؤخراً إلى عدة لغات، في مقدمتها الانجليزية، لتحظى بردود فعل متباينة، تتراوح بين الحماس البالغ وخيبة الأمل المريرة ونطاق عريض من وجهات النظر بين ذلك وتلك.تقدم «ثلج» نفسها للقارئ في صورة أربعة أجزاء يضمها مجلد واحد، كتب كل جزء بأسلوب مختلف، وتوحي بأن الأجزاء مكتوبة بطريقة معكوسة، بمعنى أن الجزء الأول هو في حقيقة الأمر الأخير في وقوع أحداثه.
يتسم الجزء الأول من الرواية بوجود مشاهد محكمة ومتقاربة إلى حد بعيد ومليئة بالحوار ومستلهمة بوضوح من السينما، وتستخدم عناصر رواية الآثارة والجريمة، حيث يقع الناس ضحية لجماعة قوية تحاول التوصل إلى من لديهم «قلوب حية»،
بمعنى أنها تختطف الكثيرين من ذوي الشعر الأشقر والعيون الزرق وتهوي على قلوبهم بمطارق متخذة من ثلج متساقط من الكواكب الأخرى لتبين ما إذا كانوا لديهم قلوب تنطق بأسمائهم الحقيقية التي تجعلهم من المنتمين إلى هذه المجموعة العجيبة التي تتألف من ثلاثة وعشرين ألف عضو.
الجزء الثاني هو سرد شبه كلاسيكي يختلط بالقص العلمي وعناصره المعروفة إلى أن يظهر موضوع تحول ميلودرامي مفاجئ، يجعلنا نقتفي أثر المذنب «تونجوس» الذي هوى على سيبيريا في عام 1908.أما الجزء الثالث فتكاد طبيعته أن تكون ساخرة، ويتحول الكتاب إلى تعليمات تستخدمها آلة محددة ومصممة لإيقاظ القلب البشري.
يقدم الجزء الرابع من الرواية مشهداً طفولياً ساذجاً يذكرنا ببعض أفلام ستيفن سبيلبرغ.تمضي بنا حبكة الرواية عبر موسكو المعاصرة، حيث نجد في كل مكان أناساً يتعرضون للاختطاف من دون أن يجمعهم إلا شقرة الشعر وزرقة العيون، ولا تبقى إلا قلة منهم على قيد الحياة، وهم الذين «تستيقظ» قلوبهم، حيث يفيقون في مستشفى،
ويقال لهم هناك إنهم ينتمون الآن إلى جمعية سرية ويعجزون عن متابعة حياتهم السابقة، فكل متع حياتهم تشحب حيال «تبادل القلب» الذي حدث لهم، وهذه الأنشطة تقوم بها جماعة تقتضي إمداداً لا يتوقف بالثلج الكوني، الذي تتخذ منه مطارق يتم البحث بها عن القلوب المتحدثة في صدور ضحايا الاختطاف.
يحكي الجزء الثاني قصة امرأة تدعي «خرام» تنشأ في قرية روسية خلال الحرب العالمية الثانية. وخلال ترحيلها إلى ألمانيا من قبل الجيش الألماني للانخراط في العمل العبودي بالمصانع الألمانية، ينقذها ضابط ألماني شاب من «فرق العاصفة»، حيث يقوم بـ «إيقاظ» قلبها بالاستعانة بمطرقة الثلج العتيدة.
وخلال وجودها في قلعة بجبال الألب تتعلم ما يوصف بـ «كلمات القلب الثلاث والعشرين»، وهكذا بعد أن أصبحت عضوة في الجماعة يتم إرسالها إلى موسكو للتوصل إلى المزيد من الأعضاء عبر الإجراء نفسه، ويحدثها «برو» الجيولوجي الروسي السابق الذي شارك في البعثة التاريخية التي تم القيام بها إلى موقع المذنب تونجوس بحقيقة الأسطورة المؤسسة لهذه الجماعة الغامضة.
تقول الأسطورة إنه في البداية كان هناك ضوء يتألف من ثلاثة وعشرين ألف شعاع، ومن سوء الطالع أنه وجد كوكب يكرس الحياة ويطلق الدائرة التي لا تنتهي للميلاد والموت والحياة الجديدة، وفي الوقت نفسه فإن كل شعاع يصبح مخلوقاً حياً، وينسى البشر الذين ينشأون من هذه العملية أصولهم، لكن ثلج المذنب القديم تونجوس ساعد «برو» على التذكر،
ويحتاج ثلاة وعشرين ألفاً من أعضاء الجماعة إلى التجمع ثانية ليتحولوا مجدداً إلى أشعة ويصححوا الوضع الكوكبي البائس، ويقضوا على الأرض التي تحولت إلى جحيم من العنف ونشاط الشركات، وهذا القضاء عليها يعيد الأمور إلى الوجود الخالد.الجزء الثالث من الرواية قصير نسبياً،
فهو لا يعدو أن يكون تعليمات تستخدمها آلة تجعل الجميع سعداء، وتتألف هذه الآلة من رأس فيديو موصلة بأسلاك كهربائية ومن جهاز لجمع الدموع، ومن كمبيوتر، والمطرقة المتخذة من الثلج وصندوق تجميد أزرق به 23 مكعباً من الثلج.
لا يتجاوز الجزء الرابع من الرواية ثلاث صفحات، حيث يستيقظ طفل صغير، فلا يجد أمه، وهو يرغب في مشاهدة التلفزيون، ويكتشف صندوقاً من الكرتون يحتوي على أدوات غامضة، ويخرج من الصندوق الأزرق مكعب الثلج الأخير، وينخرط في لعبة تشارك فيها شخصيات ألعابه، بما في ذلك سوبرمان وهاي مان وترانسفورمر.
ويلفت نظرنا أن سوروكين يقول عن رواية «ثلج» في مقابلة أجريت معه مؤخراً: «هذه الرواية هي أول رواية لي تعد المحتويات، وليس الشكل، هي الأكثر أهمية فيها. فهي بمثابة رد فعل على خيبة الأمل التي سببتها النزعة الفكرية الحديثة، فالحضارة تتهشم، والناس يفقدون، وابتداء من الغذاء إلى الحب يصبحون مجرد منتجات للتقنية.
وبمقدور المرء أن يحس بالحنين إلى البدائي وغير المتحيز. وتدور روايتي حول جماعة تضم من حيث الشكل العديد من خصائص المنظمة الشمولية، ولكن ذلك من حيث الشكل فقط، والرواية لا تدور حول الشمولية، وإنما هي تدور حول فردوس الروح المفقود».
وبهذه الرواية ينتقل سوروكين بعيداً عن التجارب الفكرية وعمليات التفكيك الساخرة للكلاسيكيات الروسية والسوفييتية التي ميزت أعماله حتى الآن. وبينما يستخدم أشكالاً عديدة، فإنه الآن يتحدث بصوته الخاص.وربما كان بالإمكان وصف «ثلج» بأنها رواية أفكار، تنطلق من فكرة نيتشه عن الإنسان كمخلوق يفتقر للكمال، حيث يبدع سوروكين أسطورة جماعة أو طائفة تكرس نفسها لمؤامرة «الأحياء» ،
أو «أناس القلب»، في مواجهة «الموتى» أو «العقلانيين». والاشمئزاز الذي تثيره الحياة التي تحتوي فضيحة الموت ماثل دائماً أمامنا. والزوار الكونيون يدعون لأنفسهم معايير أخلاقية رفيعة، لكنهم ينفذون تجاربهم الانثروبولوجية بدم بارد وعلى نحو مرعب. وهكذا فإن أبطال فانتازيا سوروكين النخبوية الشمولية هم تجسيد للسوبرمان عند نيتشه.
في الجزء الثالث من الرواية، ينطلق سوروكين من أسطورة اليقظة هذه، وإن كانت مخففة، إلى حل يتجاوز ما يعدنا به منتجو الأدوية، عقار تقني قوي، يحول من يخضعون له إلى كائنات بشرية أفضل. ولهذا الغرض فإن الحالة الجيدة الفعلية يتم توفيرها على أساس شبه صناعي، حيث يمكن تقديمها في أي وقت في سلسلة متاجر «الثلج».
بعد أن منيت محاولات إعادة التثقيف والوصول إلى يوتوبيا المثقفين بالفشل، ترى هل يمكن أن يتركز الأمل حصرياً في التقنية؟في الجزء الأخير، يتمثل أحد التفسيرات الممكنة لرواية سوروكين المحيرة في أن الكاتب الروسي يقوم بتفكيك بنيته من خلال الرؤية الساذجة لطفل لا يعدو الثلج الأسطوري بالنسبة له أن يكون مجرد لعبة.
إن سوروكين من خلال التقاطه لخيالات وأساطير رائجة، بغض النظر عن قيمتها الفعلية، يبدع نصاً يبدو فانتازيا وفي الوقت نفسه مسلياً وحافلاً بالانتقاد لعصرنا، ويقدم لنا تفسيراً جديداً للسر في أن العديد من النقاد يصفونه بأنه الكاتب الروسي الوحيد الحي الذي يمكن أن يدعى بالكاتب الكلاسيكي.
وقد كان من الطبيعي أن تحظى هذه الرواية باهتمام كبير من المطبوعات المتخصصة المعنية بالأدب العالمي. ولا بأس من أن نطل هنا إطلالة سريعة على ملامح عابرة من هذا الاهتمام.تقول مجلة «ورلد لتراتشر توداي» عن رواية سوروكين هذه: «رواية سوروكين المثيرة الناجحة هي تفكيك عميق وبارع لمشروع يوتوبيا التحول الإنساني.. إنها رواية مهمة».
وتقول مجلة «ببلشرز ويكلي» المتخصصة عن رواية سوروكين أيضاً: «في نثر جريء يصل إلى الحد الأدنى من الكلمات يسجل سوروكين عالماً يتم فيه استغلال لا إنسانية الإنسان حيال أخيه الإنسان من قبل عرق قاتل نجده بالمقابل في حالة تناغم متبادل فيما بين أعضائه. إنها رائعة ثقيلة العيار في زمن الأعمال الخفيفة والعابرة».
وتقول مجلة «كيركوس» في إيجاز بليغ عن رواية سوروكين: «إنها رواية تدفع القارئ إلى الدأب على تقليب صفحاتها ليصل إلى نتائجها المثيرة».بقي أن نشير إلى أن رواية «ثلج» هي الجزء الثاني من ثلاثية يعكف على إنجازها، وبعد عامين من صدورها عاد فأطلق الجزء الأول بعنوان «طريق برو» وسط حملة مكثفة قامت مكتبة موسكوفا الشهيرة في إطارها ببدء بيع الرواية في منتصف ليل اليوم المحدد كموعد لإطلاقها للجمهور الذي اصطف لالتقاطها.
السيارة الزرقاء الداكنة
«دلفت سيارة ساب 600 زرقاء داكنة إلى الفناء، وما لبثت أن توقفت. جلس بورينبوم في المقعد الخلفي عاكفاً على قراءة جريدة، بدا في الرابعة والأربعين من العمر، متوسط الطول، ينحسر شعر رأسه مقترباً من الصلع، كان شعره أشقر، ومحياه يوحي بالذكاء، وله عينان زرقاوان، ويضع نظارة ضيقة ذات إطار ذهبي، ويرتدي بدلة من ثلاث قطع ذات لون أخضر داكن.
أنهى قراءته، وألقى بالصحيفة إلى المقعد الأمامي، والتقط حقيبة أوراق سوداء نحيلة. وقال: «التاسعة والنصف غداً!». أومأ السائق موافقاً، كان في الثانية والخمسين من العمر، طويل الرأس، أشيب الشعر، أفطس الأنف، غليظ الشفتين، يرتدي سترة بنية وتحتها قميص رياضي».
*الكتاب: ثلج
*الناشر: نيويورك ريفيو أوف بوكس كلاسيكس ـ نيويورك 2007.
*الصفحات:304 صفحات من القطع المتوسط
Ice
7002.Y.N - scissalC bryN
403.p
