كلما جرى الحديث عن حقوق الإنسان تذهب المخيلة إلى هؤلاء الذين يقبعون في السجون، أو يتعرضون للتعذيب، أو يمنعون من السفر، أو مطرودون من بلدانهم، وقلما يفكر البعض أن حقوق الإنسان المهدورة خارج السجن لا تقل عن داخله، فالذين لا يجدون عملا والذين يعيشون تحت ضغط نفسي جراء تهديدهم بالطرد من العمل،
والذين لا يحصلون على قسط جيد من التعليم، والذين يحرمون من حق التعبير والاختيار، والذين لا يجدون لقمة كريمة، وغيرهم والملايين ممن يعانون من مشكلات مماثلة، جميعهم يتساوون من حيث النتيجة مع المعتقلين أو الذين يتعرضون للتعذيب.
عبارة (حقوق الإنسان) فضفاضة بقدر هائل من التأويلات والتحليلات، فمن يراها مقيدة بميراث التقليد الجامد، ومن يراها تراوح مكانها بسبب سياسات معينة تجاه الشعوب. وفريق ثالث لا ينظر إليها إلا من زاوية الحريات المطلقة وعلى جميع المستويات بما فيها المعتقدات الدينية التي يكثر حولها الاختلاف في فهم الحق الإنساني في الحرية المطلقة أو الوصاية المقدسة ونادرا ما تكون هناك خيارات بديلة في بعض المواقع الجغرافية.
تحت هذا المستوى من الفهم الواسع وغير المحدد لحقوق الإنسان تقام عشرات الندوات وعلى امتداد الكرة الأرضية، وتطبع فيها ملايين الصفحات وتنشر من مكان لآخر فكرة الحوار والنقاش عبر منتديات جلها غير حكومي، وتخرج بتوصيات عامة في الختام ترسل إلى إحدى الجهات الأهلية المعنية بحقوق الإنسان، ولكنها للأسف سرعان ما تجد دربها إلى الحفظ في مكان ما، دونما تطبيق ولو بنسبة ضئيلة .
لقد نادت جميع الثورات بفكرة العدل والمساواة بين جميع أفراد المجتمع بغض النظر عن النوع أو العرق أو الدين، وهذه الفكرة الطوباوية أصبحت علامة تجارية لكل ثورة منذ الثورة الفرنسية حتى يومنا الراهن، ولأنها فكرة ـ مجرد فكرة ـ فقد كانت الثورات ترتكب خطأ جسيما عندما تطبق مبدأ العدالة الاجتماعية
وخاصة بالنسبة لمن لا ينتمون إلى نهجها الفكري، ولذلك كثرت الأخطاء وها نحن نرى حولنا عشرات الثورات التي تعثرت بسبب نصاعة الفكرة وقتامة التطبيق، وقلة الدراية السياسية والتي جرّت كوارث على بلدان الثورات المجيدة.
هناك مسافة شاسعة بين المدافعين عن حقوق الإنسان عبر منظمات المجتمع المدني وبين الحكومات المعنية، فرغم جدية تلك المنظمات وانهماكها في العمل لصالح الإنسانية تعمل الحكومات للصالح المحلي وتحديدا ما يطلق عليه ثوريا (المصلحة الوطنية) وكثيرا مالا تتفق المصالح الوطنية مع أهداف منظمات المجتمع المدني،
وهو ما يحد من فكرة العدالة الاجتماعية، فالحماس المتدفق لدى الأفكار الطوباوية يصطدم بجدار المصالح الوطنية فتكثر المعتقدات وترتفع الأسوار وتتسع لائحة الممنوعات، وبعد ذلك إن أي حديث عن حقوق الإنسان يصبح حلما يصعب تحقيقه.. لكن (منظمات المجتمع المدني) لن تتوقف، لأن سر وجودها هو في اختلافها عن الهيئات والمنظمات الحكومية.