عشق جوزيه فريش، منذ بدايات شبابه التحف القديمة فشرع بدراسة تاريخ الفن وأصبح وهو في العشرين من عمره مسؤولا عن جناح الصين في عدد من المتاحف الفرنسية. انتقل بعد ذلك للكتابة حيث قدّم أولا عدة روايات عن عوالم الصين وأجوائها من بينها «إمبراطورية الحرير» و«أنا، بودا»...

وقد بيع من هذه الروايات أكثر من مليون نسخة في العديد من البلدان. وللمؤلف كتابات أيضا في السياسة الداخلية الفرنسية مثل كتاب: «رحلة إلى مركز السلطة: الحياة اليومية في ماتينيون ـ مقر رئاسة وزراء فرنسا ـ أثناء فترة التعايش -بين فرانسوا ميتران وادوار بالادور»، وكتابات في الفن مثل «متاحف فرنسا»، وفي عالم الاتصالات: «حرب الصور». ويصف نفسه بأنه «مؤرّخ وراوي حكايات».

«ليس هناك طريقة أفضل لتصور مستقبل بلد ما من معرفة ماضيه»، هذه هي إحدى الجمل التي يكتبها مؤلف كتاب «الصين، 4500 سنة من التاريخ»، وهي جملة معبّرة عن مشروعه من هذا العمل. ذلك على خلفية اعتقاده أنه لا يمكن فهم ما يجري في الصين اليوم وما تشهده من نهوض إلا إذا أخذنا بالاعتبار ماضيها «المجيد».

إنها الحضارة الإنسانية الوحيدة القديمة التي عاشت أكثر من 4500 سنة دون أن تنقرض أبدا. هكذا تغدو العادات والتقاليد والإرث الثقافي لكل صيني ذات جذور تعود لآلاف السنين.الصين «عالم قائم بذاته»، هكذا يبدأ المؤلف حديثه عن هذه البلاد الشاسعة التي سكنها شعب «الهان» الكبير العدد منذ البداية. وهو عالم «معقّد لا يسمح باكتشافه إلا إذا امتلك الراغب في ذلك أدوات الفهم الضرورية».

و«الماضي يخدم في فهم الحاضر» كما تقول حكمة صينية قديمة وهذا ما أضاف له ماوتسي نونغ قوله: «يتوجب على الماضي أن يخدم الحاضر».ومن الخصوصيات التي يؤكد عليها المؤلف منذ البداية هو أن الصين التي يسكنها «موزاييك» متنوع من الشعوب قد استطاعت أن تصهر، رغم ذلك، كل التباينات في بوتقة ثقافية وسياسية واحدة، وهذا ما ساعد عليه واقع أن شعب «الهان» لا يزال يشكل، في إطار التنوع، ما يقارب 90 بالمئة من الصينيين حاليا.

وما يميّز الصين عن غيرها من الأمم والحضارات هي أنها كانت دائما مأهولة بأكبر عدد من السكان بين بلدان العالم. وهذا ما يعبّر عنه المؤلف بالقول أن الصين كانت دائما «عالما مليئا» بينما أن أوروبا، على سبيل المقارنة، كانت حتى مطلع القرن العشرين «قارّة فارغة».

ولا شك أن الديموغرافيا هي التي أعطت للصين منذ البدايات «وزنا» نوعيا خاصا. ويقول المؤلف: «ما هو مؤكّد، وهذا ما تثبته النتائج الحالية، هو أنه منذ حوالي 000 125 سنة استطاعت نساء شابات من شعب الهان المحافظة على حياة اثنين أو ثلاثة أطفال من أصل عشرة أطفال كانت كل واحدة منهن تنجبهم». وهذا ما يفسر، برأيه، واقع الزيادة السكانية الكبيرة في الصين.

ويتم التمييز بين «صين الداخل» التي يسكنها شعب «الهان»، أي الأغلبية العظمى لسكان الصين، و«صين الخارج» التي تسكنها الأقلّيات الاثنية الأخرى. وتطلبت زيادة عدد السكان الشروع بعمليات «تنظيم» لحياة الناس وحماية سبل الدفاع عنهم، باختصار إقامة الدولة الصينية الأولى التي يصفها المؤلف بالقول: «كانت الدولة الأولى، التوتاليتارية والمانحة بنفس الوقت، تقوم بمهمة أساسية هي تجنب الفوضى ومنعها من اجتياح المجتمع».

هكذا كان الصينيون أول من اخترع القانون «المطبّق على الجميع» والإدارة «بوجود مؤسسات جماعية يخضع الأفراد لها» والتجنيد الإجباري كل طفل ذكر لعائلة فلاّحين عليه أن يصبح جنديا، بل وحتى دفع الضرائب. لقد أطلق الصينيون على بلادهم تسمية «إمبراطورية الوسط»، وذلك على أساس أنها «وسط العالم».

وكان سور الصين العظيم الذي بُدئ ببنائه منذ نهاية الألف الثاني قبل الميلاد فإنه كان يرمز إلى علاقة الصين «بلاد الوسط» مع «العالم الخارجي» أو «عالم المحيط». كما أن هذا السور الذي يبلغ طوله 6000 كيلومتر يرمز إلى أنه ليس للصين أية أطماع توسعية خارجية فـ «ما تملكه من مساحة يكفيها».

وللصينيين مفهوم «دائري» للزمن أي أنه يدور ولا يعبر، دون أن يعود، مرّة واحدة إلى الأبد حسب المفهوم القائل بوجود مفهوم زمن «خطّي». وإذا كان الموت «نهاية النهايات» عند الغربيين فإن الأموات «مدعوون» للبعث من جديد حسب الديانة البوذية الغالبة في الصين وحيث الجميع يخضعون لمبدأ «الطاد» الذي يعني «الطريق» في الصينية وهو يمثل «مبدأ النظام الذي يسير العالم والإنسان والكون ـ الكوسموس».

ويعتبر الصينيون أن أفضل طريقة لصيانة الجسد هي «العيش بتناغم مع الطبيعة»، وذلك عبر «احترامها» و«معرفة تأملها والإصغاء لها». ومثل هذه العلاقة طبعت بطابعها الذهنية الصينية منذ العصور القديمة. والصينيون يحترمون جدا أيضا «كل ما هو مكتوب»، وبالتالي يرون: «إن كل ما هو مهم تنبغي كتابته». وهناك «لغة مكتوبة» و«لغة شفهية» في الصين. أما أول إنتاج بـ «اللغة المكتوبة» فيعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد.

بكل الأحوال حرص الصينيون على تحقيق «وحدتهم اللغوية»، كما اعتبروا أن الكتابة هي أيضا فن. «فن الخط» الذي يتداخل مع الرسم والشعر، لغة واحدة ولكن «عدة أساليب» في الكتابة والخط وإنما دائما «من أعلى إلى أسفل». هنا يشير المؤلف إلى أن الصينيين هم الذين اخترعوا المطبعة وليس غوتنبرغ».

ويتم تحديد القول أن الـ «ين» والـ «يانغ» موجودان في صميم الفكر الصيني، وهما لا يعنيان «الخير» و«الشر» كما يقال عادة، فالـ «ين» يضم مفاهيم «الظلام والبرودة والسلبية» والـ «اليانغ» مفاهيم «النور والحرارة والنشاط»، ومن خلالهما معا يبرز المعتقد «الطاوي». والصينيون يعتقدون أن «لكل شيء ضده، ولكن هذا الضد هو أيضا الآخر المتمم». ثم إن الصين في المحصلة هي «بلاد الطقوس» بامتياز.

وعن الفترة القديمة التي تمتد من فترة ما قبل التاريخ حتى قيام الإمبراطورية الصينية الأولى في حوالي عام 5000 قبل الميلاد واستمرت حتى عام 221 قبل الميلاد، يؤكد المؤلف اكتشاف العديد من الشواهد الأثرية في وادي نهر واي - شانسكي حاليا- ومن جنوب الصين.

هذه الشواهد تدل على وجود مجتمع إنساني منظّم قام بزراعة الحبوب وتربية المواشي. وأدّت الزراعة إلى انتقال حياة المعنيين بها من رحّل إلى حضريين. وهؤلاء توصلوا إلى صناعة آنية من السيراميك مكرّسة لحفظ الأغذية. وفي حوالي عام 5000 قبل الميلاد ظهرت في الوديان الوسطى والدنيا للنهر الأزرق زراعة الأرز التي كانت تشكل عنصر التغذية الأساسي لسكان المناطق الجنوبية من الصين.

وبعد توحيد الصين في أول إمبراطورية إثر توحيد جميع البنى السياسية وإخضاعها لسلطة رجل واحد، هو الإمبراطور برزت سلالة «الهان» التي حكمت حتى عام 200 ميلادي. وقد عرفت الثقافة ازدهارا كبيرا في ظل هذه السلالة. كما عرفت صناعة الحرير التي كانت بمثابة «سر من أسرار الدولة» أوج أزدهارها. وقد وجد علماء الآثار قطعا من الحرير في قبور أباطرة الصين أثناء تلك الفترة.

لكن الصين عرفت بعد ذلك ما يسميه المؤلف بـ «العصور الوسطى الصينية» والتي استمرت ما بين عام 220 ميلادي إلى عام 589. وقد عرفت البلاد أثناء هذه الفترة حالة الانقسام والنزاعات من جديد بين القوى المعارضة للنظام الإمبريالي والقوى المؤيدة له. وكان لذلك نتائج سياسية وفلسفية واجتماعية واقتصادية هامة إلى جانب التغلغل الكبير للعقيدة البوذية إلى الصين لتصبح الصين هي بلد البوذية الأول رغم أن الهند كانت مهد تلك العقيدة.

وما بين عام 581 ميلادي وعام 1912 عرفت الصين تناوب عدة سلالات منذ سلالة «سوي» و«تانغ» اللتين أقامتا إمبراطورية صينية مزدهرة استمرت أكثر من ثلاثة قرون، وحتى وقوع الصين تحت قبضة المغول القادمين من سهوب ماندوشيا الذين حكموا ما بين 1644 و1911، ومرورا بإمبراطورية سلالة «سونغ» وبفترة أولى من حكم المغول أنهاها إمبراطور صيني من سلالة «مينغ».

وفي عام 1912، وتحديدا في اليوم الأول من شهر يناير من تلك السنة، قامت الجمهورية الصينية الأولى بزعامة «صون يات صن» وتبنّت علما جديدا مؤلّفا من خمسة ألوان متراصّة أفقيا هي الأحمر والأصفر والأزرق والأبيض والأسود، على أساس أنها تمثل «شعوب» الصين الأساسية من صينيين ومندوشيين ومغول وتيبيتيين ومسلمين.

تلك الجمهورية الصينية انتهت عام 1949 بوصول الصين الشيوعية بقيادة ماوتسي تونغ، وذلك بعد عقود من الفوضى والحرب الأهلية الطاحنة بين الشيوعيين والقوميين. وكان من المطلوب أولا بناء الدولة إذ لم تستطع الجمهورية فعليا أن تحل محل الإمبراطورية. أما سادة البلاد الجدد، ورغم تأكيدهم تبنّي إيديولوجية تتماشى مع الواقع الريفي للمجتمع الصيني، فإنهم نسخوا الموديل السوفييتي.

*الكتاب:الصين، 4500 سنة من التاريخ

*الناشر: اكسو ـ باريس 2006

*الصفحات: 381 صفحة من القطع المتوسط

La Chine, 4500 ans d'histoire

José Frèches

XO- Paris 2006

P.381