مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور دانييل بريوير الأستاذ في قسم الآداب الفرنسية بجامعة مينيسوتا في الولايات المتحدة الأميركية. وهو أحد كبار المختصين بتاريخ فرنسا وبخاصة فترة عصر التنوير: أي القرن الثامن عشر. وهو يتحدث في هذا الكتاب عن كيفية ظهور الفكر النقدي في فرنسا إبّان تلك الحقبة الشهيرة،
وما هي المصاعب والعراقيل التي واجهت فلاسفة التنوير الكبار، وكيف حاولوا مواجهتها أو التغلب عليها. يقول المؤلف بما معناه: يتفق المؤرخون على أن عصر التنوير هو الذي أدى إلى النقد الراديكالي والمراجعة الجذرية لكل العقائد الموروثة عن الماضي.
فحتى ذلك الوقت ما كان أحد يتجرأ على نقد التراث المسيحي أو دراسته دراسة علمية جادة. وما كان أحد يتجرأ على نقد الأحكام المسبقة الشائعة في المجتمع. صحيح أن ديكارت كان قد نقد الفكر السائد في عصره. ولكنه لم يتطرق إلى الدين أبدا. لقد نقد نظريات أرسطو وبطليموس عن تشكل الكون والظواهر الطبيعية ولكنه لم يتعرض للعقائد المسيحية على الإطلاق. وقد كان يخشى ذلك أشد الخشية خوفا على نفسه من المعاقبة الصارمة للكنيسة، أو خوفا من الاغتيال بكل بساطة.
أما فلاسفة التنوير فقد استخدموا منهجيته العقلانية لنقد التراث المسيحي ذاته. وهنا تكمن الطفرة النوعية الكبرى في تاريخ الفكر الأوروبي. هنا يكمن الفرق بين عصر ديكارت، أي القرن السابع عشر، وعصر فلاسفة التنوير، أي القرن الثامن عشر. فقد حصل تقدم في تاريخ الفكر بين كلا العصرين. وما كان مستحيلا سابقا أصبح ممكنا حاليا. ولكن هذا لا يعني أن العملية كانت سهلة أو مرت دون عقاب.
فالواقع أن فلاسفة التنوير دفعوا ثمن جرأتهم الفكرية والنقدية غاليا. فكبيرهم فولتير عاش ثلاثين عاما في الخارج وهو لا يستطيع أن يزور مسقط رأسه: باريس. وجان جاك روسو عاش أيضا بعيدا عن جنيف. بل وكان ملاحقا طيلة النصف الثاني من حياته لأنه نشر أفكاره عن الدين والسياسة. وقد ظل مهددا لفترة طويلة حتى مات.
وأما ديدرو الذي يركز عليه المؤلف دراسته فقد تعرض للسجن في أبشع معتقل فرنسي آنذاك. وأنزلوه إلى الطبقات السفلية المظلمة لكي يستجوبوه ويكسروا مقاومته. ولولا تدخل بعض الشخصيات المهمة لربما مات في السجن، وكل ذلك بسبب بعض الكتابات النقدية التي نشرها والتي أعلن فيها عدم إيمانه بالأصولية المسيحية،
وعبر فيها عن أفكاره العقلانية الجريئة التي تنقض العقائد الخرافية والمعجزات الواردة في كتب المسيحيين التقليديين. ثم يردف المؤلف قائلا:وبعد تجربة السجن هذه أصبح ديدرو أكثر حذرا، ولم يعد يعبر عن أفكاره بنفس الصراحة والوضوح. وإنما أصبح يستخدم فن الرمز والمسرح والقصة في كتاباته. وكثيرا ما كان يضع هذا الكلام المرموز المقنّع على ألسنة الآخرين لكيلا يتحمل مسؤوليته.
وبالتالي فقد راح يتبع أسلوبا جديدا أو فنا مختلفا في الكتابة الفلسفية لكي ينجو بجلده من سيف الرقابة المسلّط فوق رأسه. بل وراح يمتنع عن نشر مؤلفاته الأكثر جرأة. فقد أخفاها في أدراج مكتبه وأوصى بألا تنشر إلا بعد موته. وبالتالي فنصف مؤلفات هذا الفيلسوف الكبير لم تكن معروفة في حياته. ولهذا السبب فإنه لم ينل الشهرة التي يستحقها إلا بعد وفاته بزمن طويل نسبيا وبعد أن أصبح نشر جميع كتبه ممكنا.
ويقال إنه عندما كان يكتب مؤلفاته كان يطل من النافذة على الخارج لكي يرى فيما إذا كان البوليس قادما لاعتقاله أم لا. وهكذا عاش في جو من القلق والخوف كبقية فلاسفة التنوير. بل إن مشروعه الكبير المتمثل بالموسوعة العلمية والفلسفية الشهيرة اضطر إلى التوقف عدة مرات بسبب اعتراض اليسوعيين، أي الإخوان المسيحيين عليه.
فقد طلبوا من السلطات إصدار قانون بمنع نشر هذا المشروع الفكري الذي يدمر التراث المسيحي أو يوجه له انتقادات لاذعة. وهي انتقادات صريحة أحيانا وملغزة أو مضمرة أحيانا أخرى. والواقع أن رجال الدين المسيحيين كانوا غاضبين عليه غضبا شديدا. بل وكانوا يعتبرونه مارقا زنديقا أو ماديا ملحدا. ويقال إن أخاه ـ وهو رجل دين ـ كان يرفض أن يسلّم عليه أو يضع يده في يده لكيلا ينجّسه.
فإذا كان أخوه الشقيق يرفض السلام عليه فما بالك بالآخرين؟ وعلى الرغم من كل هذه العراقيل فإن مشروع الموسوعة الفلسفية لقي نجاحا منقطع النظير في ذلك العصر. وأصبح ديدرو يشكل قوة ثقافية يحسب لها الحساب، واستطاع أن يقيم علاقات مع بعض الشخصيات الأرستقراطية الكبيرة لكي تحميه،
ولولا ذلك لما تجرأ على مواصلة المشروع مدة عشرين سنة متواصلة على الرغم من كل العراقيل والصعاب والتهديدات. يضاف إلى ذلك أنه كان يستخدم عدة حيل أسلوبية لتمرير أفكاره الأكثر خطورة وجرأة. فقد كان يضعها على لسان الآخرين، أو يعبر عنها بشكل رمزي ملغز لا بشكل صريح واضح.
ويمكن القول إن مقدمة الموسوعة كانت تمثل المانيفست الفكري الأعظم لكل عصر التنوير، وقد ساعده في كتابتها صديق عمره ومعاونه الأساسي: دالامبير. وفيها يقولان ما معناه: ان المنهجية العقلانية التجريبية هي وحدها القادرة على إيصالنا إلى المعرفة الصحيحة والدقيقة بظواهر العالم والكون. وبالتالي فينبغي أن نتخلى عن كل الأفكار القديمة والخرافات البالية التي ورثناها عن الماضي ونتبنى الأفكار الجديدة.
ثم أردف المانيفست يقول بما معناه: إن عصرنا هو عصر العلم والفلسفة، إنه عصر جون لوك ورينيه ديكارت وغاليليو وبقية العلماء الذي غيروا من تصورنا للعالم والكون. ولم تنتشر المعرفة العلمية في عصر كما انتشرت في عصرنا، وبالتالي فينبغي أن نقدم للناس هذه المعرفة في قاموس كبير أو موسوعة ضخمة لكي تشمل كل الاختصاصات والمجالات: من فيزيائية، ورياضية، وسياسية، وفلسفية، ودينية، وتكنولوجية، وسواها.
كل المعرفة البشرية ينبغي أن تصل إلى الفرنسيين من خلال هذه الموسوعة التي سيشارك فيها عشرات وربما مئات من مفكري عصرنا.على هذا النحو دشن ديدرو عصرا معرفيا جديدا في تاريخ فرنسا، ويمكن القول ان نهضة الفرنسيين أو تنوير عقولهم ناتج عن ذلك المشروع الفلسفي الكبير.
*الكتاب:خطاب التنوير في فرنسا إبان القرن الثامن عشر
ديدرو وفن التفلسف
*الناشر:مطبوعات جامعة كامبردج 2006
*الصفحات :319 صفحة من القطع الكبير
The discourse of enlightenment in eighteenth century, France: Diderot and the art of philosophizing
Daniel Brewer
Cambridge University Press2006
p.319

