ساهم بتأليف هذا الكتاب كل من الباحثة بوني هينمان والكاتب ارثر مير، ولكن يبدو أن حصة الأسد في التأليف تعود إلى الباحثة المذكورة، وهي تتناول فيه قصة حياة رئيس الوزراء البريطاني منذ البداية وحتى اليوم. تقول الكاتبة بما معناه:
ولد توني بلير يوم السادس من مايو عام 1953 في ادنبرة عاصمة اسكتلندا بشمال بريطانيا. وهذا يعني أن عمره الآن خمسة وخمسين عاما. وهو لا يزال يحكم انجلترا منذ عشر سنوات، وهي أطول فترة في الحكم لرئيس وزراء بريطاني إذا ما استثنينا مرغريت ثاتشر. بل يبدو أنه سوف يتفوق عليها من هذه الناحية وإن كان سيترك الحكم كما هو متوقع في الربيع القادم. ولكن هل سيتركه حقا؟
وتوني بلير ينتمي إلى عائلة ميسورة ولم يعرف الفقر في حياته. فوالده كان محاميا مرموقا ومثقفا أيضا. ويبدو أن والده كان متعاطفا مع الشيوعيين الانجليز في بداية شبابه ولكنه غير رأيه وانتقل إلى حزب المحافظين وكان على وشك أن يصبح نائبا في البرلمان عندما أصيب فجأة بالسكتة القلبية ومات على الفور عام 1964. وبالتالي فقد أصبح الصغير توني يتيما وهو في العاشرة أو الحادية عشرة من عمره.
ولكن توني بلير أصيب هو الآخر بذبحة صدرية قبل فترة من الزمن. فهل يعني ذلك أنه ورث هذا المرض عن والده؟ وبعد أن أكمل دراساته الثانوية دخل توني بلير إلى كلية سانت جونز الشهيرة في جامعة أوكسفورد. وفي أثناء دراسته الجامعية انضم بلير إلى فرقة غنائية وراح يعزف على القيثارة ويغني...
وبعد أن تخرج من الجامعة انضم توني بلير إلى مكتب محاماة يديره شخص يدعى: ديري ارفين. وسوف يصبح لاحقا عضوا هاما في مجلس اللوردات. وفي هذا المكتب بالذات التقى بزوجته المقبلة: شيري بوث التي أصبحت فيما بعد شيري بلير. ثم تزوجها وأنجبت له ثلاثة أطفال وطفلة واحدة.
ثم تردف المؤلفة قائلة: وبعد أن نال شهادة المحاماة عام 1975 التحق توني بلير بحزب العمال البريطاني. ورشحه الحزب للانتخابات النيابية عام 1982 ولكنه فشل في الانتخابات ولم ينل إلا عشرة بالمئة من الأصوات. وعلى الرغم من ذلك فقد ترك انطباعا قويا لدى زعيم الحزب آنذاك: ميكائيل فوت. فقد أعجب هذا الأخير بقوة شخصيته وذكائه وجاذبيته وعرف أنه سيكون له مستقبل سياسي كبير.
وبالفعل فقد استطاع توني بلير أن ينجح في انتخابات عام 1983 ويصبح نائبا عن مدينة جورهام التي ترعرع فيها وكبر. ثم انضم إلى الجناح الإصلاحي أو اليساري في حزب العمال البريطاني. وبعد أن أصبح نائبا في البرلمان صعد توني بلير في سلم السلطة الانجليزية بسرعة مدهشة. ففي عام 1988 عينه الحزب في حكومة الظل كوزير مسؤول عن شؤون الطاقة والتوظيف. وعندئذ راح يتخذ مواقف سياسية أقل يسارية من ذي قبل.
وشاء القدر أن يموت زعيم الحزب فجأة عام 1994 وكان اسمه جون سميث.وعندئذ ظهر توني بلير وغوردون براون كخليفتين محتملين له. ولكيلا يفقدا حظهما عن طريق الصراع والتنافس الممزق فإنهما عقدا حلفا بينهما. يقضي هذا الحلف بأن يكون توني بلير رئيسا للوزراء إذا ما نجح حزب العمال في الانتخابات المقبلة، وأن يكون غوردون براون نائبا له وأهم وزير في حكومته. والواقع أنه هو الشخص الذي سيخلفه في الربيع المقبل عندما يتخلى بلير عن السلطة ويتقاعد.
ثم انتخب بلير عام 1994 رئيسا لحزب العمال البريطاني. وبعد انتخابه بفترة وجيزة أعلن بلير أنه سيغير ميثاق الحزب الذي يعود في بلورته الأولى إلى عام 1918. وهكذا تخلى الحزب عن توجهه الاشتراكي شبه الشيوعي والقائل بتأميم الشركات الانجليزية ووسائل الإنتاج.وأقنع بلير حزبه بأن هذا المبدأ الماركسي تجاوزه الزمن.
ودعا إلى تشكيل حزب عمال حديث ذي توجه ديمقراطي اشتراكي لا اشتراكي ماركسي. ودعي هذا الحزب بحزب العمال الجديد (نيو ليبور).ولحسن حظ بلير فإن رئيس وزراء انجلترا المحافظ آنذاك كان شخصا ضعيف المستوى وغير قادر على وراثة مارغريت تاتشر ذات الشخصية القوية. وقد ساهمت الصعوبات التي واجهها في سقوطه أثناء انتخابات عام 1997.
وهكذا نجح بلير في قيادة حزب العمال الجديد إلى قمة السلطة في عشرة داوننغ ستريت بعد فترة غياب طويلة.وأصبح توني بلير رئيسا لوزراء بريطانيا وعمره ثلاثة وأربعون عاما فقط. وكان بذلك أصغر رئيس وزراء انجليزي منذ عهد لورد ليفربول عام 1812.
وقد تميزت ولايته الأولى الممتدة بين عامي 1997-2001 بمشاركة في حرب الكوسوفو ضد نظام ميلوسيفيتش. فقد ساهمت القوات البريطانية إلى جانب القوات الأوروبية والأميركية في سحق الديكتاتور الصربي ومنعه من تحقيق أهدافه في ذلك الإقليم ذي الأغلبية الإسلامية.
وأما أثناء ولايته الثانية الممتدة من عام 2001 إلى عام 2005 فقد أصبح توني بلير الحليف الأول للولايات المتحدة في حربها ضد ما يدعى بالإرهاب. لقد أصبح حليفا غير مشروط لبوش إلى درجة أن الآخرين أخذوا ينتقدونه بقسوة. وعلى الرغم من ذلك فقد نجح بلير في إعادة انتخابه للمرة الثالثة عام 2005. وكانت هذه هي أول مرة يحصل فيها حزب العمال البريطاني على أغلبية النواب للمرة الثالثة.
ولكن يبدو أن حرب العراق الفاشلة والكارثية أخذت تفعل مفعولها مؤخرا. فشعبية توني بلير هبطت كثيرا في الآونة الأخيرة والشعب الانجليزي لم يعد راضيا عن انخراطه العسكري في العراق. وعندئذ أصبح وضع بلير حرجا لأول مرة، ثم انتشرت إشاعات تقول بأنه تلقى مساعدات مالية من رجال أعمال كبار.
وعلى الرغم من أنها لم تذهب إلى جيبه الشخصي وإنما إلى ميزانية الحزب لخوض معاركه الانتخابية إلا أنها أثرت عليه. ولذلك أعلن أنه سيترك السلطة خلال عام لصالح نائبه الذي نفد انتظاره: غوردون براون. ولكن على الرغم من هذه الوعود فلا يبدو أنه راغب في ترك السلطة قبل عام 2008.
ولكن المراقبين يعتقدون أنه لا يمكن أن يبقى في السلطة بعد شهر سبتمبر من هذا العام 2007. فهو سيفقد منصبه كزعيم لحزب العمال في شهر مايو المقبل. وبالتالي فعندما ينتخب الحزب زعيما جديدا فإنه سيترك السلطة له مباشرة.والواقع أن 64 بالمئة من البريطانيين يعتقدون أن سياسته المتهورة في العراق أو تأييده غير المشروط لبوش هما سبب حصول التفجيرات الإرهابية التي هزت العاصمة البريطانية وأدت إلى سقوط ضحايا عديدة.
وبالتالي فقد أصبح من الصعب على توني بلير أن يبرر سياسته الخارجية التابعة كليا للولايات المتحدة. ثم تردف المؤلفة قائلة: في الواقع أن بلير ينطلق في سياسته هذه من عدة مبادئ صارمة لا يحيد عنها. فهو يعتقد أن الطريقة الوحيدة للتأثير على أميركا هو أن تنضم إليها لكي تؤثر عليها من الداخل لا أن تحاربها من الخارج.
فقوة أميركا ساحقة ولا يمكن التأثير عليها إذا ما عارضناها من الخارج. هذه هي المسلمة الأولى التي ينطلق منها رئيس وزراء بريطانيا.أما المسلمة الثانية التي تقود سياسته الخارجية فتتمثل فيما يلي: ان أي إضعاف لأميركا سوف يؤدي إلى تقوية الصين على حسابها. وعندئذ سوف يخسر الغرب لأول مرة قيادة العالم منذ أربعمئة سنة. وهذه احتمالية رهيبة ينبغي تحاشيها بأي شكل.
ولذلك يقول بلير لبقية زعماء أوروبا: انضموا إلى واشنطن من أجل التأثير عليها لا من أجل اتباعها بشكل أعمى. انضموا إليها من أجل تقوية جبهة الغرب في مواجهة بقية الجبهات والتكتلات العالمية وبخاصة الجبهة الآسيوية الصاعدة بقيادة العرق الأصفر الصيني.
فهل تريدون أن يخسر الغرب قيادة العالم؟ وعندئذ لن يكون الخاسر أميركا فقط وإنما أوروبا أيضا، فانتبهوا. وبالتالي فعلينا تدعيم جبهة الغرب الأوروبية - الأميركية حتى ولو كانت بقيادة أميركا حاليا.يضاف إلى ذلك أن توني بلير يعتقد بضرورة مواصلة المعركة ضد القاعدة والجماعات الأصولية المتطرفة. ففي رأيه أن المعركة الجارية حاليا معها في معركة الحضارة ضد الهمجية البربرية.
وبالتالي فلا طريق آخر إلى الحزم والعزم، ولكن بلير يدعو في ذات الوقت إلى إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية من أجل سحب ورقة كبيرة من أيدي القاعدة والمتطرفين في الشارع العربي الإسلامي المشحون شحنا ضد الغرب بسبب سياسته غير المتوازنة في الشرق الأوسط.
*الكتاب:توني بلير
*الناشر:تشيلسي هاوس ـ نيويورك، لندن 2006
*الصفحات: 120 صفحة من القطع الكبير
Tony Blair
Bonnie Hinman, Arthur Meier
Chelsea House Publications New York- London2006
p. 120

