مؤلف هذا الكتاب هو أستاذ في جامعة كنساس بالولايات المتحدة الأميركية لمادة العلوم السياسية. وهو أحد الأخصائيين الأميركيين المعروفين بالشؤون العسكرية. له العديد من المؤلفات من بينها: «البنتاغون والرئاسة.. العلاقات بين المدنيين العسكريين من فرانكلين د. روزفلت حتى جورج دبليو بوش» و«العلاقات بين المدنيين والعسكريين الروس».
اشتهر الجيش الأحمر السوفييتي أنه أحد أكثر جيوش العالم انضباطا وصرامة في تطبيق القواعد العسكرية بناءً على قاعدة «نفّذ ثم اعترض». ولم يتخلّف في الكثير من المرّات بالضرب بيد من حديد على كل ما كان يمس السلطة السوفييتية المركزية، والدروس معروفة في بودابست عام 1956 وفي براغ عام 1968.
لكن ذلك الجيش القوي الجبّار عرف في نهاية فترة الحرب الباردة مظاهر الضعف بل أصبح هو «الحلقة الأضعف في بنية الاتحاد السوفييتي». ويؤكد المؤلف أن الجيش الروسي كان عامة منذ بدايات الثورة البلشفية ثم في ظل حكم جوزيف ستالين ومن خلفوه تابعا بدرجة كبيرة للقيادات الحزبية «الشيوعية» التي كانت تمتلك السلطة الحقيقية في البلاد.
وكان العسكريون السوفييت دائما أيضا مصدر قلق كبير بالنسبة للغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية. هذا ولم يكن قيام الحلف الأطلسي بعيدا عن إرادة الرد على «التهديد السوفييتي» الذي كان يثقل على أوروبا الغربية فيما وراء «الستار الحديدي». كما كان ردا على قيام حلف وارسو الذي ضم الاتحاد السوفييتي وبلدان أوروبا الشرقية والوسطى الشيوعية «سابقا».
ويتم التأكيد في هذا السياق على أن العسكريين الروس ورغم ما تحلّوا به من «طاعة» للقادة السياسيين كان لهم أيضا موقعهم في هيكلية النظام الشيوعي. لكن فترة رئاسة ميخائيل غورباتشوف كانت المنعطف الكبير في علاقة الكرملين بقيادات الجيش العليا.
ذلك أن برنامج البرسترويكا ـ الإصلاح ـ الذي بدأ بتنفيذه قلل كثيرا من دور العسكريين السوفييت. بل إن برنامج غورباتشوف قلّص كثيرا من الاعتمادات المالية المرصودة لميزانية الدفاع كما حدّ من موجة التسليح التي كان الاتحاد السوفييتي في العهود السابقة قد وضعها في أولويات اهتماماته.
وتتم الإشارة هنا إلى أن تلك الإجراءات قد أدّت في نهاية المطاف إلى توترات كبيرة وليس في الاتحاد السوفييتي وحده وإنما في عموم بلدان حلف وارسو. تجدر الإشارة هنا إلى أن قضية الصواريخ الكوبية، أي الصواريخ التي كان السوفييت قد نصبوها في كوبا، عام 1962 كانت قد أدّت إلى إعادة النظر في مسألة تسليح الجيش الأحمر السوفييتي باتجاه تعزيزه.
ويتم التركيز في شروحات هذا الكتاب على الحالة الاقتصادية الصعبة التي كان الاتحاد السوفييتي يعاني منها قبل وصول غورباتشوف إلى السلطة في أواسط سنوات الثمانينات المنصرمة. وكانت المؤشرات الاقتصادية تدل في جميع القطاعات تقريبا على أنها سلبية.
وقد عانت القوات المسلحة السوفييتية، مثل غيرها من تلك الحالة، مع ذلك بقيت نسبة الميزانية الدفاعية في الاتحاد السوفييتي (السابق) أكبر بثلاثة أضعاف تقريبا مما هو في الولايات المتحدة بالقياس إلى إجمالي الإنتاج الداخلي الوطني. ولعل أهم ميزات هذا الكتاب أنه ربما يكون العمل الأول الذي يقوم بعملية تقييم شاملة للعلاقات بين القيادات العسكرية السوفييتية والرئاسة في الاتحاد السوفييتي،
ثم في روسيا، أثناء فترة حكم كل من ميخائيل غورباتشوف وبوريس يلتسين وفلاديمير بوتين. وهو يقدم في جميع الحالات، وفي الخطوط العريضة، قوة عسكرية كانت متخلفة عن عصرها وقد «عفا عليها الزمن». وإنها كانت تعاني بصورة مستمرة تقريبا من إحباط كبير في معنوياتها إذ أنها عاشت حالة نضال مستمرة من أجل التحرر من «مقولات» فترة الحرب الباردة التي ظلّت مستحكمة في رؤوس القيادات العسكرية كما في رؤوس أغلبية أفراد القوات المسلحة.
هذا فضلا عن أن «هبوط» معنوياتها يعود أيضا إلى الانكفاءات العسكرية التي عرفتها في أفغانستان أولا حيث اضطر الجنود السوفييت للتقهقر ومغادرة البلاد أمام فصائل المقاومة المدعومة من الغرب، ولكن عرفتها أيضا في الجمهورية الشيشانية. ويضاف إلى كل ما سبق استشراء حالة من الفساد والجريمة في أوساط القوات المسلّحة.
وكانت الهزيمة العسكرية في أفغانستان قد زادت إلى حد كبير من الأزمة الاقتصادية للاتحاد السوفييتي عبر واقع أنها تكلّف عدة مئات من ملايين الدولارات كل سنة. وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن الوجود السوفييتي في أفغانستان كان قد شكّل عائقا حقيقيا في تعزيز العلاقات وفي توسيع النفوذ الروسي في منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص.
ثم إن الأوضاع الصعبة التي واجهها السوفييت في أفغانستان جعلتهم يترددون كثيرا في القيام بأية مغامرة عسكرية أخرى مثل اجتياح بولندا مثلا خلال فترة 1980-1981 ، أي عندما قامت نقابة «التضامن» التي شكّلت العصب الأساسي لإنهاء النظام الشيوعي في تلك البلاد وإيصال ليش فاليسا، عامل الميكانيك، إلى رئاسة الجمهورية، وبدا بوضوح أن البدء بتدخل خارجي أصعب بكثير من وضع حد نهائي له.
ويرى مؤلف هذا الكتاب في التحليلات التي يقدمها أن ميخائيل غورباتشوف قد «أهمل» عمليا العسكريين من أجل أن ينقذ روسيا من الانهيار الداخلي ولكن بوريس يلتسين الذي خلفه فيما يشبه الثورة الشعبية تخلّى عن ذلك النهج لأنه كان يسعى إلى إيجاد بعض الدعم لدى العسكريين من أجل تثبيت ركائز نظامه.
أمّا فلاديمير بوتين، الرئيس الروسي الحالي، فإنه اتخذ نهجا «وسطا» بصيغة ما، إذ شدد الرقابة على الجيش وخاصة على القيادات العليا وسعى بنفس الوقت إلى تحقيق أكبر درجة ممكنة من أجل تحديث القوات المسلّحة.هكذا كان ميخائيل غورباتشوف قد أعلن أمام الأمم المتحدة في شهر يناير من عام 1988 أنه سيقوم بتقليص عدد القوات المسلحة نصف مليون جندي.
بل وأعلن بنفس المناسبة، بغية تطمين الغرب، أنه سيقوم بسحب أعداد كبيرة من القوات السوفييتية التي كانت متواجدة في عدد من بلدان أوروبا الشرقية والوسطى. هذا إلى جانب الإعلان عن تقليص مهم في الميزانيات العسكرية السوفييتية. بل وحتى تقليص برامج التسليح الإستراتيجية.
باختصار بدا بوضوح أن غورباشوف يريد العمل من أجل تبنّي سياسات عسكرية جديدة تتماشى مع روح العصر وتخفف الضغط عن الميزانية الاقتصادية التي كانت تعاني من نقاط ضعف كبيرة. وتتم الإشارة في هذا السياق إلى عدة مؤشرات عن تبدلات حقيقية كان المركّب الصناعي العسكري السوفييتي قد بدأ يعرفها. بل إن التغييرات طالت أيضا «العقيدة العسكرية» السوفييتية نفسها.
لقد تمّ التخلي عمليا عن مفهوم إمكانية القيام بحرب نووية والانتصار فيها من أجل التأكيد على المهمة الدفاعية للجيش الأحمر. وكان ميخائيل غورباتشوف نفسه قد أشار في المؤتمر السابع والعشرين للحزب الشيوعي السوفييتي أن المزاحمة بين الشرق والغرب ينبغي أن تقوم على خلفية سياسية وليس على أساس زيادة الثورة العسكرية.
ويشرح مؤلف هذا الكتاب كيف أن القادة العسكريين السوفييت الذين كانوا يدينون بالولاء دائما للحزب الشيوعي السوفييتي نقلوا ولاءهم «بسهولة» في عام 1991 نحو المنصب الرئاسي. وذلك من منطق أنهم «أدوات» بيد السلطة وإذا كانت هناك بعض الاستثناءات فإنه يتم تقديمها على أنها تؤكّد القاعدة ولا تنفيها.
إن مؤلّف هذا الكتاب يبيّن الآليات التي حكمت العلاقة بين العسكريين والكرملين، وحيث كان «الولاء» والبحث عن تأمين «المصالح» هو الخط الناظم لتلك العلاقة. بكل الحالات يحاول المؤلف أن يثبت، بالاعتماد على شرح الطريقة التي تصرفت فيها القيادات العسكرية حيال قرارات الرؤساء الروس المتعاقبين، أنه على الرغم من استمرار أهمية البنية البيروقراطية العسكرية الروسية، إلى هذه الدرجة أو تلك،
فإن العوامل الشخصية لعبت دورا أكبر بكثير مما كان عليه الأمر في الماضي «السوفييتي».وفي المحصلة العامة يصل المؤلف إلى القول انه لا بد للعلاقات «المشوشة» دائما بين الرئيس الروسي وقيادات الجيش العليا من أن تتطور كثيرا إذا أصبحت الفدرالية الروسية «أمة ديمقراطية حقيقية».
*الكتاب:الكرملين والقيادات العليا أثر
*الناشر:جامعة كنساس2006
*الصفحات: 242 صفحة من القطع المتوسط
The Kremlin and the high command
Dale R. Herspring
University Press of Kansas Kansas 2006
p.242
