عندما تحب إنساناً هل تحتاج إلى أن تعرف كل شيء عنه؟ هذا هو السؤال الصعب الذي تطرحه رواية «فيما بعد» للروائية البريطانية راشيل سيفريت، حيث نلتقي مع الممرضة أليس والرسام ومصمم الديكور جوزيف اللذين يقعان سريعاً أحدهما في حب الآخر. وكل منهما لايزال في شبابه ويعلق آمالاً كباراً على الآخر، لكن الحب لا يعني بالضرورة التحرر من العبء الانفعالي المتراكم عبر السنين، هذا العبء الذي يترابط بقوة مع الجانب المظلم من حياة البشر الذي نسميه بالأسرار.
الواقع أنه عندما تتضمن قصة ما سراً، فإنها تحمل افتراضاً ضمنياً قوامه أنه ما إن يتم الإفصاح عن هذا السر فإن مشكلات الشخصيات ستحل، وسرعان ما يشعر القارئ بالرضا والاغتباط.لكن هل الأمور كذلك حقا؟ هل هي على هذا القدر من البساطة؟
لأول وهلة يبدو أن اكتشاف الحقيقة يمكننا من تحديد من سينال المكافأة ومن سيحل بساحته العقاب، ثم بعد ذلك نشق جميعاً الطريق نحو نهاية سعيدة. ربما كان هذا هو ما يحدث في بعض الروايات الرومانسية وتحت سماء السيكولوجية الشعبية، حيث يفترض ان مواجهة المحن التي أهيل الرماد عليها طويلاً ستفسح المجال لإغلاق ساحة المتاعب.
ولكن في رواية راشيل سيفريت الجديدة فإن الحب الذي نرى أن ملامحه قد رسمت بعناية بحيث يتم ابعاد الاغراق في النزعة العاطفية عنه ليس من القوة بما فيه الكفاية بحيث يصمد في مواجهة المعرفة التي لا تلقى الترحيب، فالندم قد يكون شيئاً يتعين على المرء التعايش معه إلى ما لا نهاية، وهناك بعض الأفعال التي قد يكون من المستحيل على المرء تنحيتها جانباً والابتعاد عنها لمواصلة المسيرة.
إننا نعلم أن سيفريت قد استقطبت الأنظار في روايتها الأولى «غرفة مظلمة» بالكتابة عن الألمان الذين يؤرقهم ذنبهم التاريخي، ولكنها في روايتها الجديدة هذه تقدم تنويعاً بريطانيا على هذه الموضوعة.إن أليس، وهي ممرضة في أوائل الثلاثينات من عمرها لم تلتق بأبيها قط، وعلى الرغم من محاولتها التماسك إلا أنها تتوق إلى لقائه وردم الهوة القائمة بينها وبين ماضيها الذي لا تعرف عنه شيئاً.
في الوقت نفسه، فإن الرجلين الأقرب إليها يحاولان إسدال ستار الغموض على جوانب من ماضيهما. هناك، أولاً، جدها، الذي ترمل مؤخراً، وأصبح عليه أن يعتمد على نفسه، وأن يعيش وحيداً، بعد أن رحلت زوجته التي كانت ترعاه، تاركة إياه ليعيش في مواجهة ماضية،
عندما كان في الخمسينات من القرن العشرين طيارا في سلاح الجو البريطاني، يعيش لحظات لاتزال تؤرقه بعد أن يرى أعمدة الدخان وهي ترتفع من الغابات عالياً بعد قصفه للقرى الكينية التي يعلم تماماً أن مقاتلي الماو ماو لا يقيمون فيها حتى لا يعرضوا المدنيين من النساء والأطفال والكهول للخطر.
وقد حرص الجد على ألا يفضي بشيء من أسراره الدموية المروعة هذه لعائلته والمقربين منه وفي مقدمتهم حفيدته أليس، ولكنه يكشف لغريب نسبياً عنه، هو جوزيف الذي أحبته أليس، كيف ان مشاهد الدخان المتصاعد من القرى الكينية لا تفتأ تطارده حتى اليوم بكل ما يواكبها من حقائق الألم والموت التي نقشها على صفحة الحياة الكينية.
ومن ناحية أخرى فإن جوزيف، على الرغم من أن أليس تفضي إليه بدخيلة نفسها ومشاعرها حيال غياب أبيها عن حياتها، إلا أنه يحجم تماماً عن أن يحدثها بأي شيء يذكر عن حياته عندما كان يخدم في صفوف القوات البريطانية في ايرلندا، وهي الخدمة التي تلطخت يداه خلالها بالدم، على نحو ما نعرف منذ الصفحة الأولى من الكتاب، وهو ما يحرض على أن يحجبه عن أليس.
هذا النسيج الروائي الدقيق تقدمه لنا المؤلفة عبر نثر تخلي عن كل ما هو زائد وغير ضروري فيه ولا يخدم النص. وربما كان هذا طبيعياً تماماً ومنطقيا، فهي تكتب عن العنف، القتل، الموت، الذنب، وتكتب أيضاً عن الحب والانفعال المؤرق، وبالتالي كان عليها أن تستعين بهذه النوعية من النثر البعيد تماماً عن النثر التقليدي، وهي أيضاً ترفض الاستعانة بالحيل والتقنيات الأدبية المتألقة، فما يعنيها هو أن تجسد لنا هذه المشاعر الإنسانية الحادة والمتفجرة من أقرب طريق.
وربما كان من الطبيعي أن تحظى «فيما بعد» بالاهتمام بل وبالإشادة من العديد من النقاد، حيث تكتب لوسي هيوز هاليت في «الصنداي تايمز» مشيرة إلى أننا هنا نجد أنفسنا حيال رواية هادئة تمضي فيها الشخصيات وقتاً في الحديث عن أعمال الغد قدر الوقت الذي تقضيه في تأمل فوضى الأمس، والتي لا تقدم لنا فيها ثمار عظمة الخيال الأدبي وإنما تقدم لنا المادة المعقدة التي تشكل منها حياة البشر المجردة من الزخارف والزينة.
وتكتب فرانشيسكا سيغال في «الأوبزرفر» مشيرة إلى أن هذه الرواية ربما تفتقر إلى التركيب والعمق اللذين يعلق المرء الآمال عليهما، إلا أنها مع ذلك تطرح الأسئلة الأكثر اهمية في حياة البشر، وذلك على الرغم من أن بعض هذه الأسئلة يظل بلا إجابات في نهاية المطاف.
غير أن ذلك لا يعني أننا لن نجد من النقاد من يكيل للمؤلفة الانتقادات ويوضح ان الرواية لا تنقصها العيوب التي لا يستهان بها والتي لا ينبغي أن تغيب عن عيوننا.ها هو ليسلي ماكدويل يكتب مقالاً مطولاً في صحيفة «الإندبندنت» عن الرواية مشيراً إلى أن العلاقات الانسانية التي تشكل صميم نسيج هذا العمل تعاني من ثلاثة عيوب محددة، هي كالتالي:
أولاً: إن مبادرة الروائية إلى الكشف لنا عن طبيعة الماضي المروع الذي تطارد أشباحه الدموية جوزيف لا يمكن إلا أن يكون شيئاً بعيداً عن التوفيق بكل المعايير. حيث انه يقضي على كل إحساس بالكشف عن الخبايا بالنسبة لنا، لأن الاسئلة التي ترغب سيفريت في أن تطرحها الرواية ليس جوهرها التساؤل «ماذا حدث؟» أو «كيف حدث؟»، وإنما جوهرها «هل سيكون بمقدور جوزيف إبلاغ أليس بماضيه؟» أو «هل تحتاج أليس إلى أن تعرف ماضي جوزيف؟».
ثانياً: كل الشخصيات تتحدث بالطريقة المقتضبة والموجزة التي تحرص المؤلفة على اعتمادها، الأمر الذي يبرز خاصية أسلوبية محددة في الرواية توحي بمحو الموضوع وعواقب التجارب القائمة على الشعور بالصدمة، وهكذا فإن الأسلوب المستخدم في الرواية يؤدي إلى إحداث تأثير إبعادي في نفس القارئ.
ثالثا: إن افتقار العلاقة بين جوزيف وأليس إلى أي شحنة عاطفية حميمة يجعلنا في نهاية المطاف لانهتم بهما اهتماماً حقيقياً.أياً كان الأمر، فإن هذه الرواية، على الرغم من عيوبها، وربما بسببها أيضا، تظل جديرة بالاهتمام والمتابعة.
هكذا تكلم جوزيف
عندما يغادر جوزيف، كان يكتفي بالقول إنه سيراها عما قريب، وقد أحبت أليس ذلك أيضاً، الطريقة التي لم يكن بها يطلب أو يتظاهر، وكيف أنهما أفلحتا في ألا تفرضا الأمر أو تتجنبا المسألة. حدثت أليس نفسها بأن الأمر مثير للإعجاب على وجه التقريب، أن تسمح لنفسها بكل هذا القدر من حرية الحركة،
لابد أن الأمر قد اقتضى الكثير من التسامح.. ربما لم يتح لها جوزيف أي خيار. ولكن أليس على الرغم من ذلك لم تستطع فهم جلية الأمر. كيف استطاعت أخته إيف تنحية نفسها جانباً على ذلك النحو، وكل أسئلتها، وكل المخاوف التي من المحقق أنها قد ساورتها.
مقتطف من رواية « فيما بعد»
*الكتاب: فيما بعد
*الناشر: هاينمان ـ لندن 2007
*الصفحات:336 صفحة من القطع المتوسط
Afterwards
Rachel Seiffert
Heineman-London 2007
p.336
