عرف الكاتب البريطاني ادوارد مورغان فورستر (1879 ـ 1970) بتمرده الفكري ونزعته المعارضة. وقد طرح في هذه الرواية التي نشرت في عام 1924 أفكاراً وصفت من النقاد بأنها «تمكّنت أن تطرح بقوة مشكلة الوجود الإمبريالي البريطاني في الهند»، وقد أثارت سجالات حادة وناقدة عادت إلى الظهور عند رحيل المستعمرين الإنجليز عن الهند غداة استقلالها.

يرسم فورستر صورة إشكالية وملتبسة للمستعمرين البريطانيين في شبه القارة الهندية، فروايته تعالج تواريخ شخصية لكنها بذات الوقت تضمر رسالة «صراع حضارات».. العقل التصنيفي الغربي يظهر من خلال تقسيم الرواية إلى ثلاثة (مساجد، معابد، كهوف). تبدأ الرواية برسم أوضاع السكان في مدينة «شاندرابور»، حيث يعيش البريطانيون المستعمرون مع عائلاتهم في بحبوحة وحياة أرستقراطية انعزالية تترفع على السكان الأصليين

وتتجنب الاقتراب من الهندي «الغامض» وغير المفهوم. الإنجليزي المعافى ببشرته البيضاء يعيش حياة السيد والهندي الأسمر النحيل يعيش حياة الخادم أو التابع في أحسن تقدير. يشير ادوارد سعيد في كتابه الشهير «الثقافة والإمبريالية» إلى أن الرواية «تعبر عن مودة للمكان لكن هذه المودّة مغمورة بمشاعر الحيرة والإبهام».

يخفي هدوء المدينة جمراً يتوهج تحت الرماد بعد وصول سيدتين بريطانيتين هما السيدة المسنة الثرثارة مسز مور والصبية الجميلة الآنسة آديلا كويستد ( يترجم كمال أبو ديب الاسم إلى عادل ) ونظراً لقلة خبرتهما وحداثة وصولهما إلى المدينة فإنهما تتصرفان ببراءة وتلقائية غير معهودة عن الإنجليز،

وتبديان فضولاً لمعرفة حقيقة الهند واكتشاف هذا العالم الجديد بل وتذهبان إلى الارتباط بعلاقة ودودة مع مسلم هندي شاب هو الدكتور عزيز الذي يرافقهما في جولات سياحية في المدينة ويفاجأ مفاجأة سعيدة حين تخلع السيدة مور حذاءها لدخول المسجد وهي حركة مؤنسة أوحت بالاحترام وأسست لصداقة طالما حرّمها النظام الترميزي الذي قننته الأجهزة الوظيفية الرسمية.

تثير هذه الصداقة «المتهورة» قلق رواد النادي البريطاني وحفيظتهم التي تبلغ درجة الهلع، خاصة بعد قبول السيدتين «الحمقاوين» دعوة الدكتور عزيز إلى رحلة «خلوية» إلى مغارة واقعة خارج المدينة. لا تكترث السيدتان بتحذير الإنجليز لهما وتشرعان في رحلة تسير بلا مغامرات في البداية، لكن ما تلبث مفاجأة تقلب الأحداث إذ يخيل لكويستد سماع أصوات غريبة مخيفة مهددة عند تجولها في المغارة،

وما أن تجد الدكتور عزيز أمامها حتى تتهمه بأنه يريد استغلال خلو المكان لاغتصابها! يحاول الدكتور ما استطاع إقناعها أنها متوهمة، لكنها تصر على موقفها وتقدم شكوى ضده إلى سلطة المدينة التي تقدمه لمحاكمة تتوافق وأطروحات الإنجليز النمطية عن الهندي الاصلاني غير المتمدن.

تتقدم الآنسة كويستد بشجاعة للاعتراف بخطئها بعد مراجعة نفسها وأن الاتهام كان نتيجة اختلال عصبي فيها فتضطر المحكمة إلى إطلاق سراح عزيز الذي لم يعد كما كان، فقد اضطربت حياته ووضع تحت المراقبة الحكومية وبات موضع شبهة من أهله ومجتمعة كما تضطرب حياة كويستد التي تحمل كل آيات الاحتقار لأهلها بعد انتهاء صداقتها مع عزيز.

ترتبك وشيجة أخرى (من وشائج الغرب مع الشرق) في الرواية هي صداقة عزيز مع البروفيسور فلدنغ الذكي والحساس الذي كان بوسعه أن يكون بطلاً في عمل فورستر لولا أنه «يعجز عن صياغة اعتراضاته على مظالم الحكم البريطاني في مصطلحات فلسفية وسياسية ويكتفي بتقديم اعتراضات محلية على إساءات محلية»،

كما يحلل ادوارد سعيد. لقد حدث انقلاب كبير فبعد حماس عزيز الشديد للعيش بسعادة مع المستعمر والأخذ من معارفهم وعلومهم وأخلاقهم وحضارتهم هاهو يهرب من المدينة لبدء حياة جديدة مع أهل قريته ويتحول إلى داعية ممانعة رافعاً شعار «فليسقط الإنجليز..

وأننا نحن الهنود يمكن أن نتحارب فيما بيننا وان نكره بعضنا حتى الموت»، لكن الإنجليز هم القوم الذين يجب أن نكرههم أكثر من أي شيء في العالم. إنها الجملة الأخيرة في الرواية التي يقولها لصديقه القديم فلدنغ وهما على جوادين منطلقين في جهتين مختلفتين.

يؤكد فورستر على المسلمين الذين يبدو الهندوسيون بالمقارنة معهم هامشيون وغير قابلين للمعالجة الروائية فقد كان الإسلام أقرب للثقافة الغربية، ويحتل مكانة وسطية بالنسبة للإنجليز والهندوس في شاندرا بور. ان فورستر أقرب بقليل إلى الإسلام منه إلى الهندوسية، غير أن غياب التعاطف النهائي مع الديانتين واضح تماماً كما يقول سعيد.

تجاهلت المؤسسات الثقافية البريطانية الرواية طويلاً بسبب موقفها غير الموالي للدوائر المهيمنة بنزعتها الاستعمارية، إلى أن اهتدى المخرج البريطاني دافيد لين إليها وحولها إلى فيلم؟ من المعروف أن لين هو مخرج فيلم «لورانس العرب» الذي يصنف بأنه واحد من أهم مئة فيلم في القرن العشرين،

وإذا كان موقفه غائماً من الاستعمار في لورانس العرب الذي عومل «كبطل» كولونيالي فإن رؤيته الناقدة ظاهرة بقوة في فيلمه الملحمي «طريق الهند».يشار إلى أن فورستر أكثر رقة من كبلنغ الذي سبقه في القول «الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا» لأنه يشتبه في نسب عدم الالتقاء إلى سلوك الغريب وعدم مصافحة اليد الشرقية لا إلى مصير قدري محتوم.

تطرح الناقدة بنيتا باري رأياً آخر هو: أن فورستر انتوى أن يظل الشرخ بين الهند وبريطانيا قائماً لكنه سمح بحركات عبور تقطعه بينهما ذهاباً وإياباً «وأن الرواية» هي التعبير الانتصاري للخيال البريطاني في اكتناهه للهند «لكنّ ناقداً ثالثاً يذهب إلى أن نظرة فورستر إلى الهنود كأمة تناضل من أجل السيادة ضد بريطانيا نظرة غير جادة وغير جديرة بالاحترام سياسياً.

يبقى أن هند فورستر ـ مثل إفريقيا كونراد ـ عصية على الإدراك ومفرطة في الضخامة. يلخص ادوارد سعيد نقطة ارتكاز الرواية بأنها المواجهة المدعمة بين الهند والمستعمرين الإنجليز الذين هم أجساد جيدة التطور وعقول حسنة التطور وقلوب غير متطورة».