سعت الدول الغربية الكبرى مطلع الهجمة الاستعمارية في القرن الثامن عشر إلى نشر أسلوب الحياة الذي جاءت به من آلاف الأميال إلى مناطق تعتقد أنها أقل تطورا، أو أنها لا تفهم الحياة بالطريقة الغربية. الطريقة الغربية قامت على تدمير الثقافات المحلية وإحلال ثقافة الآخر ـ القوي المستعمر ( بكسر الميم ) مكانها،
ووصلت في مناطق أخرى إلى مسح الهوية الوطنية بالكامل كما حدث في الاستعمار الفرنسي لبعض دول أفريقيا أو الاستعمار البريطاني لدول جنوب شرق آسيا. فاختفت الأسماء المحلية وظهرت أسماء تتماشى مع المستعمر وانزوت الأزياء وتراجعت العادات الاجتماعية لتحل محلها طقوس هجينة لا علاقة لها بالمكان.
هذا النمط من التدمير للكيانات الثقافية لم يكن مجرد خطة عسكرية لنشر الجيش في دول متخلفة فقيرة، لقد كان بالدرجة الأولى مصالح اقتصادية وسياسية وليس نقل حضارة الغرب إلى الشرق أو إلى الجنوب، فلطالما كان هناك إحساس مطلق بالشمال الغني والجنوب الفقير،
وهو ما ينطبق على الكرة الأرضية في الخمسمئة سنة الأخيرة، لأن التفوق الغربي ذهب باتجاه العيش السعيد في الداخل وزيادة التوسع في الخارج، وأحيانا يصبح التوسع ضرورة داخلية كما الحال مع إرسال نابليون إلى مصر للتخلص من سطوته الداخلية وصعود نجمه بعد الحروب التي خاضها في أوروبا.
إلا أن الشعور بضغط القوى الاستعمارية على بعضها البعض دفع إلى نشوب حروب وخطط استراتيجية للحيلولة دون تسيّد العالم، وهذا ما فعلته فرنسا عندما احتلت مصر لتقطع طريق بريطانيا إلى الهند، وكان لاقتسام النفوذ في العالم المتخلف الدور الأكبر في ظهور الدول الصغيرة الفقيرة وفاقدة الهوية.
كانت الفلسفة الاستعمارية البريطانية تقوم على مبدأين لفرض السيطرة، الأول إفساد الشعوب الصغيرة، والثاني تجويع الشعوب الكبيرة وبذلك أتيح لها السيطرة على الهند طيلة 400 سنة، بينما قامت الفلسفة الاستعمارية الفرنسية على الفرنسة وتدمير الهوية الثقافية للجزائر أو السنغال أو لبنان أو ساحل العاج، وتدريس تاريخ فرنسا ولغتها وكل ما يتصل بها اجتماعيا ووطنيا.
إلا أن تلك المرحلة التقليدية للاستعمار مضت تاركة آثارها السلبية على الثقافات الوطنية، لتحل محلها ثقافة طاردة مثل الثقافة الأميركية التي جاءت اليوم على أنقاض تراجع النفوذ العالمي ليس عسكريا فقط، بل أسلوب العيش وطرق التفكير، وليس غريبا أن العالم اليوم يتناول الهمبرغر كوجبة ثقافية دون النظر إلى بدائل أخرى محلية أو غيرها طالما هي شديدة الانتشار،
ومع نصف قرن من السيطرة الأميركية على كثير من مناطق العالم عبر الإعلام المرئي والثياب الاستعراضية والطعام الجاهز، انتقلت أجيال شابة إلى الصف الأميركي ليس اختياريا، بل لأنه لا توجد بدائل أخرى، وإن وجدت لا يعرفون طريقا إليها.وهكذا يطرح السؤال هل كانت أميركا بحاجة إلى حملات عسكرية لتوسيع نفوذها في العالم؟ على الأرجح أن مرور نصف قرن آخر كفيل بتدمير ما صمد من ثقافات أصيلة.. ولكنها للأسف ثقافات صغيرة ولا أحد يحميها.