ولد الروائي كارلوس ليسكانو في مونتفيديو عاصمة الأرغواي سنة 1949 وحين بلغ من العمر 23 سنة سُجن لأسباب سياسية من قبل الحكم العسكري بتهمة انضمامه لحركة التوباماروس اليسارية والتي كانت تسعى لقلب نظام الحكم العسكري. مكث في السجن 13 سنة عُذب خلالها عدة أشهر.
وخلال فترة سجنه تُوفيت والدته وانتحر والده وكانا عاملين بسيطين. لم يُسمح له بالكتابة وهو في السجن فتحايل على ذلك ودون بعضا من أفكاره خبأها وهرّبها في قيثارة رفيق له في سجنه وحين أطلق سراحه وجد القيثارة تنتظره في بيت شقيقته الوحيدة وهي تحوي مخطوطات لسبعة كتب أهمها روايته الخالدة (عربة المجانين).
نشر عدة أعمال آخرها مجموعه قصصية سنة 2005 أما أعماله المسرحية فقد عُرضت في فرنسا. وحين أفرج عنه في 14 مارس سنة 1985 وكان عمره آنذاك 36 سنة هاجر بعدها إلى السويد ومكث هناك 10 سنوات. وفي روايته (عربة المجانين) تمكن من نشر صدى تجربته في السجن بطريقة روائية مشوقة.
... جروني من فراشي، حافي القدمين، عاريا، إلا من سروالي، غطوا رأسي بجراب سميك وكبّلوا يديَّ وراء ظهري ثم أوقفوني على الرصيف قبل أن يرموا بي في مؤخرة شاحنة صغيرة وينطلقوا بي. ها قد مرت أيام عديدة وأنا في ثكنة للجيش، مقنّعا حتى الكتفين وسروالي وألبستي الداخلية وحذائي مبللة تماما.
أنا في الثالثة والعشرين من عمري لا أعلم في أي يوم نحن ولا كم الساعة، أعرف أننا في ساعة متأخرة من الليل، أًعدتُ للتو من قاعة التعذيب، حيث تسمع صرخات العديد من المعَذَّبين الذين يتوالون على قاعة التعذيب طوال الليل.. وهناك تبدأ فصول الجحيم..!
هكذا بدأت فصول الرواية، وحين يعود ليسكانو لتذّكر طفولته وعائلته الفقيرة يقول: كنا نسكن ثلاثتنا، أبي وأمي وأنا في حجرة واحدة، وفي ليلة أيقظني أبي وهو ما لا يحدث عادة. كان الجو باردا، رأيت أمي مرتدية ثيابها، سألتني: أتود أن يكون لك أخ صغير، ولكنني أدركت أن أمي لم تكن معنية بمعرفة رأيي بذلك وإنما كانت تعلمني بالخبر. قّلّما اهتم بي أبي فهو أرعن، أرعن في كل ما يفعله. كان قويا وأرعن، ولكنه فيما بعد قال لي: أمي وأختي الصغيرة بخير.
وأنا في السجن جاء أبي، كانت عيناه محمرتين، أخبرني أن أمي ماتت، وأضاف أنه في الواقع هو من كان عليه أن يموت، وأنه لم يعد يريد العيش بدونها. ستدفن ولن أكون حاضرا. أردت أن أغرق في الليل لأتمكن من التفكير بأمي.. لن أراها أبدا.. لن يعود بإمكاني أن أتشاجر معها أو أضاحكها. ساءت حال أبي كثيرا وأفرط في الشراب، لم يعد يأتي لرؤيتي.
أًخبرت فيما بعد أنه انتحر، كنت أعلم بأنه سيفعل ذلك، ما كنت أتساءل عنه هو متى وأين؟ كثيرا ما ردد: لم أعد أريد العيش من دون أمك... وفي عتمة الليل أدرت وجهي إلى الحائط وتتالى شريط الذكريات، طوال الليل. أكره أبي لأنه انتحر، لأنه لم يفكر بي وفي حاجتي إليه.
انتحاره كان شهادة حب لأمي بعد أن انهار عالمه من دون المرأة التي عاش معها 28 سنة فضلا عن أن ابنه سجين وابنته في بوينس آيرس. في سنة 1985 بعد أن خرجت من السجن ذهبت وشاهدت المكان الذي انتحر فيه والدي، أدركت حجم العزلة الهائلة التي أحاطت به في ذلك اليوم. الآن من دون والديَّ أبدأ الحياة في عالم آخر. أبدو وحيدا في هذا الكوكب. لقد وهبا الحياة لابن نذر نفسه للكتب.
وعن تجربة السجن يتحدث ليسكانو بصورة مؤثرة جدا.. إذا وصلت الوجبة في موعدها نأكلها في موعدها.. إذا وصلت متأخرة نأكلها متأخرة.. إذا لم تصل في موعدها ولا متأخرة لا نأكل. هذا هو ما تبقى لنا من حرية، بقية لا تساوي شيئا. بالنسبة للسجين العيش هو مقاومة ليوم إضافي. تتملكنا غريزة الحيوان في الأدغال.
.. ما التعذيب؟.. أهو الجَلد أم الدولاب أم الخازوق؟!.. في الأسابيع الأخيرة قبل وصولي إلى هنا كان القمع يجري في الهواء الطلق في مونتفيديو، ويمكن تلمسه، كان الجيش والقوات البحرية، والقوات الجوية في دوريات ليل نهار، مسَّلحين، متوعدين، يثيرون الرعب والترويع. وكان العنف مُفرطا يمكن قراءة ذلك في الصحافة وسماعه في الإذاعة.
أثناء الليل تُسمع صرخات الرجال والنساء ويُسمع نباح الكلاب التي يُحرضها العسكر على المعَذَّبين لترويعهم. ويخوض السجين معركتين غير متكافئتين واحدة منها ضد الجلاّدين وهم كُثر، فهو ـ أي السجين ـ لا يعتمد على جسده في الدفاع عن نفسه، فهو بلا يدين ولا يرى وبالكاد يتنفس ويعمل الوقت والتعب والألم والضعف الجسدي ضده.
في هذا الجانب ليس للسجين أي شيء يربحه، ويخسر كل شيء.. ومع القوة الجسدية والذهنية والحظ والحنق والكراهية قد يتعادل الطرفان. ولكن ماذا في المرة القادمة؟.. يُصبح الجلاّد سيئ المزاج ويتعب، يتصبب عرقا ويتوسخ وتخور عزيمته فيبدأ بالشرب ويفقد السيطرة ويضرب من أجل الضرب، بلا مهنية، يقضي لياليه إما في التعذيب أو في الشارع لتوقيف الناس وينشغل عن بيته وعائلته.
أما معركة السجين الثانية فمع نفسه، يتكلم أو لا يتكلم!.. وفي الحالتين فهو خاسر. لا مكان للتعادل هنا، شقاء إنساني على الدوام.. شقاء المعَّذب وشقاء الجلادين. فالروائح الكريهة والبول على الثياب واللعاب وفضلات الطعام على اللحية والشعر الكث الذي لم يُغسل منذ أسابيع والجلد الذي يبدأ بالتهدل لغياب الشمس وانعدام النظافة أشياء تثير التقزز والنفور.
لا أحد يطيق وجود شخص في حالٍ كهذه إلى جانبه، ولكن لا بد أن يطيق المرء ذاته. لأن كرامته تتوقف على مقاومته، لأن ما يريده جلاّده هو أن يتقزز السجين من نفسه وأن يكون مجردا من المقاومة إلى درجة الاعتقاد بأنه لا يساوي شيئا. وأعتقد أن كل جلاّد يطور مهارته، وله في ذلك تقنياته، يتعلم استعمال الأدوات، والماء، والكهرباء، والدبوس، ويتعلم كما نعلم استخدام أية أداة على مادته التي هي جسد المعَّذبين.
لقد كنت واحدا من أولئك الآلاف من الشباب الأميركيين اللاتينيين الذين اعتقدوا بأنه لا يمكن استئصال الجوع والبؤس والاستغلال إلا بعنف مضاد.. وسأظل مؤمنا بأن ثمة أوقاتا يحق للمرء فيها أن يقاوم ويتمرد بعنف ضد العنف والبؤس وانعدام الحرية، ولن أكف أبدا عن الإيمان بالكائن البشري.. بالجانب المشرق منه.
القادر على أعمال من التضامن والتضحية تفوق الوصف. وهذا يجعله يتحمل الألم، ألم حتى الموت، وفكرة الموت كحل لوضعنا الذي لا يطاق دائمة الحضور في ذهن كل واحد منا. فالألم الجسدي هو بوابة الولوج إلى معرفة الذات. وهذا هو الدرس الذي تعلمته وتعلمناه في تلك الزنزانات وأنا في انتظاري لعربة المجانين، العربة التي ستقلني ذات يوم في الرحلة العبثية نحو الحرية.. وسأكتب.. كان السجن.. وكان التعذيب.. وكان القتلى بالآلاف.
كريم السماوي

