هل كان المسلمون الذين خرجوا من الجزيرة العربية نحو بلاد ما بين النهرين غزاة فاتحين أم حاملي رسالة وجدوا التربة المناسبة لنشرها لغة وتاريخا وشعبا؟. هذا هو السؤال الذي يحاول الإجابة عنه كتاب: «دراسات في الحضارة العربية الإسلامية ».
ومؤلف هذا الكتاب الدكتور فؤاد المرعي، ناقد ومترجم وأستاذ جامعي سوري، أغنى المكتبة العربية بعدد كبير من مؤلفاته، منها: «المدخل إلى علم الأدب» و« المدخل إلى الآداب الأوروبية» و« مقدمة في نظرية الأدب» و«اللغة والتفكير» و« في تاريخ الأدب العربي الحديث» و «الجمال والجلال».
يشتمل الكتاب على ثلاث دراسات تدور حول موضوع واحد هو «الحضارة العربية الإسلامية» في الدراسة الأولى التي جاءت تحت عنوان: «في دراسات التراث» يبدي الباحث عددا من الملاحظات حول الكتب التي تناولت التراث فيرى أن تلك الكتب لم تقدم تحديدا شاملا لمصطلح «التراث» بل أغفلت جوانب منه بحسب فهم كاتبها الذاتي له، أو بحسب ما يتناسب والغاية التي كتب من أجلها بحثه.
كما أن معظم الدراسات التراثية تحوّل فيها التراث إلى تراث كلامي أبدعه أفراد أعلام الأمر الذي أفقد الدارس المعاصر النظرة الشمولية وسهّل وقوعه في خطأ إهمال أو إعلاء شأن من وجوه التراث على حساب غيره. وقد كادت تخلو هذه الدراسات من البحث في التراث الشعبي وأشكال التراث غير الكلامية كالعمارة والرسم والزخرفة.
وتحت عنوان «في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية» يرى الباحث أن مقولة حلول العرب المسلمين في بلاد غريبة عنهم بدينها وحضارتها ولغتها مقولة استشراقية في الأصل طرحها «غرونيباوم» ووجدت صداها لدى بعض المفكرين العرب مثل حسين مروة وأحمد أمين. وهي تهدف إلى إظهار العرب الفاتحين بمظهر القبائل البدائية الغازية التي دمرت حضارة بيزنطية ـ ساسانية كانت قائمة في الشرق.
كما تحصر إسهام العرب في الحضارة العربية ـ الإسلامية بعامة بنشر اللغة والدين الإسلامي، وإظهار الحضارة العربية الإسلامية وكأنها إرث بيزنطي ـ ساساني شوهه الإسلام، أو مجرد نقل من الخارج وترجمة للمعارف التي تكدست لدى البيزنطيين وغيرهم.
ويرى أن دوافع عدة تقف وراء تبني الباحثين العرب هذه المقولة التي روجها المستشرقون منها: عقدة النقص التي ترى في كل ما يصدر عن أوروبا على أنه مدروس دراسة علمية وافية، والرغبة في تضخيم عبقرية العرب الفاتحين العسكرية التي مكنتهم من القضاء على أكبر إمبراطوريتين في العصر القديم، والرغبة في تضخيم دور العرب الفاتحين في تعريب البلدان المفتوحة واستيعاب الحضارات الأخرى وتطويرها.
ويدعو الباحث إلى تصحيح هذه المقولة لأن وجه الحضارة في سوريا ومنطقة ما بين النهرين ومصر لم يكن قبل الفتح العربي الإسلامي بيزنطيا أو فارسيا ـ على حد تعبيره ـ بل كان وجها أقرب إلى عرب شبه الجزيرة منه إلى بيزنطة وفارس. وهذا ما يعلل في رأيه سرعة انتصار العرب المسلمين في معارك الفتح وسرعة تبني الإسلام في تلك المنطقة وتعريبها.
ثم يتطرق الباحث في هذه الدراسة إلى بنية المجتمع في الدولة العربية ـ الإسلامية التي كانت تتكون من العرب والموالي فيبتدئ بتحديد مصطلح «عرب» و«حضارة عربية» ويرى أن استخدام هذين المصطلحين للدلالة على العرب البدو والحضر، المقيمين في شبه الجزيرة العربية أو القادمين منها وحضارتهم، لا يكون صحيحا إلا في مرحلة ما قبل تعريب سوريا القديمة والعراق.
لأن العوامل المهيئة لتعريب بلاد الشام وما بين النهرين كانت قد بدأت فعلها قبل الفتح الإسلامي بمئات السنين وأن الفتح جاء عاملا مباشرا وحاسما في إنجاز تعريب هذه المنطقة، لذلك يصبح لزاما عليناـ على حد قوله ـ إدخال سكان سوريا القديمة والعراق ومصر منذ النصف الثاني من القرن السابع في مصطلح «عرب» وأن نوسع حدود هذا المصطلح توسيعا ينسجم وعملية اتحاد سكان المنطقة الأصليين بالعرب المسلمين الفاتحين وينسجم وإسهام حضارتهم في بناء الحضارة العربية الإسلامية.
ويخلص الباحث إلى القول بعد مناقشته المستفيضة لمصطلحي «عرب» و«موال» إلى أن الفاتحين المسلمين إذا كانوا في موجة الفتح الأولى متعلمين استعانوا بخبرات السكان المحليين في تنظيم إدارات الدولة ومؤسساتها وفي بناء المدن وقصور الخلفاء والأمراء الأمويين،
فإن الفاتحين المسلمين في موجة الفتح الثانية كانوا على عكسهم، معلمين نقلوا إلى البلدان المفتوحة تقاليد حضارية وزراعات وصناعات لم تكن موجودة فيها، وأسهموا بخبراتهم إسهاما عظيما في إنشاء مدن المغرب والأندلس وحضارتها. وما ذلك ـ كما يرى الباحث ـ إلا لأن حضارة بلاد الشام والعراق ومصر كانت قد أصبحت جزءا مكونا في الحضارة العربية الإسلامية.
وأن التأثير الحضاري لهؤلاء الفاتحين كان عميقا إلى حد أنه على الرغم من إخفاق المستوطنين منهم في تعريب بعض مناطق المغرب (إسبانيا وصقلية) وترسيخ الإسلام فيها، فقد نجحوا في ترسيخ الحضارة العربية الإسلامية في تلك المناطق وكان لذلك أثره البعيد جدا في تطور البشرية.
في الدراسة الثالثة والأخيرة حول هذا الموضوع وتحت عنوان:«المثاقفة وتوجهات الحضارة العربية ـ الإسلامية » يرد الباحث على المقولة التي تربط عملية التفاعل الثقافي في الدولة العربية الإسلامية بعصر الترجمة وهو ما يذهب إليه كل من عبد الرحمن بدوي وإحسان عباس وحسين مروة.
ويرى أن الوضع الجديد لسكان بلاد الشام والعراق ومصر بعد الفتح الإسلامي فتح آفاقا جديدة لتطور وعي الفاتحين، كما فتح آفاقا جديدة لتطور الوعي الاجتماعي والحضاري في هذه البلدان. ومن دون إدراك هذه الحقيقة ـ كما يعتقد الباحث ـ لا يمكن فهم أسباب النهوض الحضاري الشامل الذي شهدته الدولة العربية الإسلامية والذي كان في معظمه بجهود السكان المستعربين.
فالطابع الديني لدولة الخلافة العربية ـ الإسلامية لم يقف عائقا، بل ساعد على اندماج رعاياها في تركيبة اجتماعية واحدة حملت في ذاتها التاريخ الحضاري للفاتحين وسكان المناطق المفتوحة. كما سمحت المعتقدات الإسلامية باحتواء المنجزات المتنوعة للحضارة الإنسانية آنذاك وتقبّل وجود الأديان الأخرى التي تعترف بها في مجتمع الدولة العربية الإسلامية.
وقد ساعد هذا ـ على حد قول الباحث ـ إلى جانب عوامل أخرى (القرابة العرقية واللغوية والتواصل الحضاري التاريخي) في تسريع اعتراف الفاتحين بالتقاليد الحضارية والموروث الفكري لسكان المنطقة المذكورة من ناحية، وساعد من ناحية ثانية في تسريع إسهام أولئك السكان المسلمين منهم وغير المسلمين، بموروثهم الحضاري والفكري في بناء الحضارة العربية ـ الإسلامية.
*الكتاب:دراسات في الحضارة العربية الإسلامية
* تأليف: د. فؤادالمرعي
* الناشر: نون للنشر والطباعة والتوزيع ـ حلب 2006
* الصفحات: 107 صفحات من القطع المتوسط
نذير جعفر

