مؤلف هذا الكتاب هو أسامة سرايا رئيس تحرير جريدة الأهرام ويضم الكتاب الذي صدر له حديثاً في القاهرة حصاد عمله من المقالات التي كتبها خلال توليه رئاسة تحرير الأهرام. وتعبر المقالات عن رؤية المؤلف لما حدث في مصر ومن حولها على مدى الأشهر الأربعة عشر الأخيرة وهي أحداث كثيرة متزاحمة ومتشابكة. وحسبما يشير المؤلف فإن المقالات قد تثير أوجهاً للاتفاق أو الاختلاف في إطار حرية التعبير ولكن الحرية التي نتنادى بها ليست في ألا نلتزم بشيء ولكنها القدرة على أن تختار ما تلزم نفسك به.
ودلالة العنوان الذي اختاره المؤلف لكتابه هو مصادفة كون عام 2005 العام الثلاثين بعد المئة الأولى في تاريخ الأهرام، الصحيفة اليومية والمؤسسة الثقافية التي أضاءت، حسبما يقول سرايا، الحياة المصرية والعربية في عصر التحولات الكبرى. وقد قسم المؤلف كتابه إلى ستة فصول تناول في الأول منها قضية انتخابات الرئاسة والبرلمان، وفي الثاني ذكرياته ومذكراته عن رحلاته التي قضاها على طائرة الرئيس المصري حسني مبارك، أما في الفصل الثالث فقد تناول عدداً من القضايا المصرية المحلية، أما الفصل الرابع فقد خصصه سرايا لقضية مصر في معركة الإرهاب، فيما تناول في الخامس قضايا العرب وفي الأخير مصر وقضايا العالم.
بعيداً عن قضية الانتخابات الرئاسية وضجيجها وهو كثير وفي إطار الدوران مع المؤلف فيما يمكن الاتفاق فيه ننقل بعضاً مما تطرق إليه سرايا بشأن الانتخابات البرلمانية. وفي انتقاد واضح وصريح للوعود الانتخابية التي يطلقها المرشحون من هنا وهناك يشير سرايا إلى أن الوعود في أي انتخابات تمثل حجر الزاوية .
كما أنه لا توجد عليها أية قيود ، غير أن الفارق الأساسي هنا، حسب رؤية المؤلف، بين حرية المرشح وحرية الناخب يكمن في أن حرية المرشح مطلقة حتى إذا كان زاده في وعود الخيال وحرية الثاني مقيدة بمعارفه وخبراته وحالته النفسية التي تؤثر في قدرته على المفاضلة بين وعود المرشحين خصوصاً إذا قرر هؤلاء مداعبة أحلام الناخبين والتوجه مباشرة نحو سقف طموحاتهم.
ويعلق المؤلف قائلاً إن كثيراً من الوعود الانتخابية في وقتنا الراهن بنيت على مسافة قصيرة بين الألم والأمل، فقد حاول البعض تضخيم مشكلات قائمة وتلفيق أوجاع لا وجود لها. ومن هذا المدخل يعرج المؤلف على برامج عدد من المرشحين منتقداً إياها بالتفصيل.ومن واقع رؤيته لما يدور على أرض الواقع ينقل لنا سرايا توصيفاً يكشف عن حالة من الصراعات وتصفية الحسابات ولغة خطاب وتحليلات تفتقر إلى الاستقرار أو الاستنباط أو القراءة الدقيقة لظروف المعركة الرئاسية الأخيرة.
وفي هجوم على أحزاب المعارضة، باعتبار الأهرام مؤسسة حكومية، ما يفترض انتماؤها بالتالي إلى الحزب الوطني الحاكم، يكشف سرايا عن الكثير مما يراه خبايا هذه الأحزاب، فهي في الوقت الذي تطالب فيه بحقوقها وتدافع عنها في إطار الممارسة الصحيحة للديمقراطية عليها أن تعطي أعضاءها الحق نفسه في اختيار قياداتها وحماية هذه الأحزاب من الانهيار وإذا ما فشلت هذه الأحزاب لا قدر الله فإنها سوف تؤثر بل تهدد التجربة الديمقراطية بأكملها.
غير أن سرايا يشير لنا إلى أن أبرز التحديات التي تواجه مصر الآن هي ضعف أحزاب المعارضة وعدم وجود طرف قوي يمكنه المنافسة. وبعيداً عن طائرة الرئيس وما تثيره تناول ما دار فيها من نقاشات يقدم لنا سرايا ما يمكن اعتباره مرآة لمصر الداخلية..
ففي مقالة له بعنوان «حدث في الدويقة» يجعلنا نلمس بشكل كبير معاناة القاهريين المعاصرين مع الآفة التي أكلت جمال عاصمتهم وظهرت من الجو كطفح ميكروبي على جلدها الجميل وهي العشوائيات. كما يصحبنا المؤلف على أزمة حزب الوفد والتي وصلت إلى مرحلة العنف واستخدام الأسلحة النارية .
وكانت أشبه ما يكون بمعركة عسكرية مسلحة. وإذا كانت مصر تبحث عن سبل تعزيز وضعها الاقتصادي وعلى كافة الصعد فإن المؤلف يعلن تأييده الصريح والواضح لاتجاه الدولة إلى البحث عن مصادر طاقة بديلة خاصة الطاقة النووية السلمية وهو الموقف المثير للجدل في ضوء الجوانب المرتبطة بطبيعة الطرح ومن يقف وراءه.
وإذا كانت مقالات الكاتب إنما تتسع بحجم هموم الوطن فإن سرايا يبشرنا بالعصر الجديد الذي تحياه مصر من حرية التعبير منتقداً في ذلك بعض حالات التجاوز من قبل البعض في سياق الإغراءات المهنية بتقديم موضوعات مثيرة توفر شيئاً من الانتشار في ظل المنافسة المتزايدة في السوق الصحافية المصرية. ويرى المؤلف أن هذه الرؤية تجد تطبيقها في التعديل الذي تم لبعض أحكام قانون العقوبات في جرائم النشر والذي يراه خطوة متقدمة في برنامج الإصلاح المصري.
ونعيش مع المؤلف أزمة القضاة والتي يقدم الرؤية الرسمية لها وتتمثل في محاولة البعض العبث قرب منصة القضاء حيث سعى هذا البعض إلى تحويل مشكلة عارضة في دوائر القضاة إلى أزمة تزداد حجماً مع الأيام وبذلوا جهوداً كبيرة لتسييسها تحقيقاً لأهداف لا علاقة لها بالقضاة. وبلسان الضمير الوطني يكتب المؤلف عن كارثة العبّارة في مقالة بهذا العنوان يحمل فيها على الفوضى التي كانت الأجهزة الرسمية طرفاً فيها ما أدى إلى كارثة بهذا الحجم.
ومن كارثة العبارة إلى كوارث القطارات حيث تحركت الدولة بعد حادث مفجع في مدينة قليوب المصرية تحركاً حقيقياً ومحموماً من أجل توفير الاعتمادات اللازمة لإنقاذ سكك حديد مصر، وتوافرت الأموال من أكثر من جهة منها عائد بيع شبكة المحمول الثالثة ولم يبق حسبما يذكر المؤلف، إلا أن تعلن الحكومة الجدول الزمني لتنفيذ عمليات التغيير الجذرية في أقدم وأكثر مرافق النقل أمناً للإنسان والبضائع.
وفي رحيل الفرسان يكتب لنا سرايا عن نجيب محفوظ الذي ترك لنا مرآة سوف نرى من خلالها حضارتنا وواقعنا وتركيبتنا الثقافية بكل نواقصها ومميزاتها لتكون عزاء للذين أسعدتهم الحياة في وجوده ولأولئك الذين لم يعيشوا عصره إذ لم يكتب الخلود لأحد، ولكن البقاء كتب للذين مروا في الحياة وقد تركوا بها ما يغير وجهها ويمنح الأحياء فيها زاداً للبحث عن الخير والحب والجمال.
أما عن الوضع في العراق فهو يرى عن حق أن الوضع هناك في حاجة إلى مهمة إنقاذ عربية قائلاً: إنه لا يخفى على أحد أن الوضع هناك قد أصبح معقداً جداً، فالسياسيون العراقيون مختلفون في كل شيء والولايات المتحدة عاجزة عن مواجهة الموقف ووضع حد للتدهور الأمني وحمّامات الدم المفتوحة هناك.
كما أن المجتمع الدولي ومنظمته الدولية غائبان عما يحدث في البلاد، والاتحاد الأوروبي لم يستطع بعد تنسيق جهوده وتوحيدها وتحركات لجنة دول الجوار تقليدية وليست لها تأثيرات جوهرية فيما يحدث داخل العراق، ووسط هذا المناخ الملبد بالغيوم يأتي التحرك العربي ليعطي بارقة أمل في إمكانية صياغة سياسة جديدة لإنقاذ العراق، ورغم تفاؤل المؤلف إلا أنه لم يوجد تحرك عربي أتى بنتيجة حتى الآن.
وفي تعقيب على تقرير ميليس بشأن اغتيال الحريري يحاول المؤلف تقديم رؤية بالغة الهدوء داعياً إلى تمييز الخيط الرفيع بين الجانبين السياسي والقانوني في القضية وإن كان المؤلف يشير إلى أن في استكمال التحقيق والمحاكمة فرصة أكبر للأنظمة لكي تتطهر وتلزم أجهزتها الأمنية باحترام القانون وهي أولويات لاحترام الدول وأنظمتها معاً.
ويرسم لنا المؤلف صورة قد تبدو مقلقة بعض الشيء لمستقبل الشرق الأوسط بعد شارون فرغم انتهاء شارون سياسياً يرى سرايا أن عصراً جديداً قد بدأ يحمل سمات عصره نفسها ويمكن أن نطلق عليه مرحلة شارونية جديدة ولكن بدون شارون فقد كانت السنوات الخمس الماضية في إسرائيل كافية ليعرف الجميع وأولهم شارون أن كل شيء قد تغير وأن علينا جميعاً أن نستعد للعالم الجديد.
أما عن فوز حماس فيذكر لنا المؤلف أنه أمر قد يضع القضية الفلسطينية برمتها في واحدة من اللحظات المفصلية الفارقة وستقف أمامها جميع الأطراف الفلسطينية وحتى العربية والإسرائيلية لتقرأ ما جرى في لحظة تتطلب المكاشفة والمصارحة بكل الحقائق لأن التاريخ سوف يحاسب الجميع ونحن لا نريد أن نتباكى منذ الآن على القضية الفلسطينية باعتبارها قضية الفرص الضائعة ولا أن نهدر أي فرصة تلوح في الأفق فالمرحلة الجديدة في إسرائيل بعد رحيل شارون، حسب رأى الكاتب، تقابلها مرحلة مماثلة على الجانب الفلسطيني.
مصطفى عبد الرازق
*الكتاب: ولما كان العام 131 .. كنا معك
*الناشر: مركز الأهرام
القاهرة 2006
*الصفحات:308 صفحات من القطع الكبير

