مؤلفة هذا الكتاب هي ميلانا تيرلويفا الشيشانية الأصل. وكانت قد درست في جامعة غروزني قبل أن تجيء إلى باريس في منحة دراسية لإكمال شهاداتها في معهد العلوم السياسية. وهي الآن تنوي العودة إلى بلادها المدمرة للمساهمة في إعمارها عن طريق تأسيس جريدة مستقلة تدافع فيها عن شعبها ومستقبله.
وفي هذا الكتاب تتحدث ميلانا عن مأساة شعب الشيشان الذي أصبح واقعا بين فكي كماشة: كماشة بوتين والجيش الروسي المحتل من جهة، وكماشة المتطرفين المتعصبين من جهة أخرى. وبالتالي فالتعصب يجر التعصب والحقد يغذي الحقد المضاد. ونتيجة كل ذلك كانت تدمير العاصمة الجميلة لبلاد الشيشان: غروزني. كما وكانت نتيجته تلك التفجيرات الانتحارية التي قام بها المتطرفون في موسكو، أو بيسلان أو سواهما والتي ذهبت ضحيتها مئات النساء والأطفال والرجال.الكتاب عبارة عن مذكرات يومية تروي قصة المؤلفة وشعبها المعذب بين عامي 1994-2006. في عام 1994 وصلت الحرب الروسية إلى قريتها في جبال القوقاز «اوريخوفو» فاضطرت للهجرة إلى العاصمة غروزني.
ثم وصل الدمار بعدئذ إلى غروزني فاضطرت للهرب إلى مكان آخر. وأخيرا ابتسم لها الحظ وقدمت لها رابطة دراسات بلا حدود منحة إلى فرنسا. ولم تكد تصدق عينيها في البداية. لم تكد تصدق أنها ستخرج من جحيم الشيشان إلى نعيم باريس والحضارة الغربية بين عشية وضحاها. وكان ذلك بمثابة المعجزة. ولكن هذا ما حصل في الواقع.
تقول المؤلفة في فصل بعنوان: رحيلي إلى فرنسا. كنت في السنة الخامسة من دراساتي الفرنسية في الجامعة عندما اقتربت مني أستاذتي الأساسية «حبيبة» وقالت لي: ميلانا، عندي سؤال مهم بالنسبة لك. هل تريدين أن تذهبي إلى فرنسا لإكمال دراساتك هناك؟ فأجبتها: نعم أريد ولكن كيف يمكن أن أذهب إلى باريس وأنا فقيرة لا أملك النقود الكافية؟ فأجابتني: لن تصرفي شيئا من جيبك. هناك رابطة تتكفل بكل مصروفاتك منذ البداية وحتى النهاية.
ثم تردف المؤلفة قائلة: في الواقع إني لم أصدق ما سمعته في البداية. لم أصدق كيف يمكن لفتاة شيشانية مثلي أن تصل إلى عاصمة الغرب باريس! فأنا أنتمي إلى بلاد مسحوقة، منكوبة، مصابة بالويلات، ولا أكاد أصدق أني لا أزال على قيد الحياة. فكيف لي اذن بالسفر إلى الغرب البورجوازي الحضاري الذي يحلم به كل الناس هنا؟
ولكن هذا ما حصل بالضبط. فقد انتقلت فجأة من عاصمة مدمرة مليئة بالأنقاض إلى عاصمة غنية مليئة بالحضارة والعمران. ما أشد الفرق بين غروزني وباريس! وما أبعد المسافة بينهما! ولكن كيف يمكن أن أحصل على جواز سفر للخروج من البلاد وأنا شيشانية مضطهدة ومحتقرة من قبل الروس؟
لم يكن هناك حل إلا الرشوة. فمصلحة الجوازات في روسيا لن تعطيني جواز السفر مجانا. ولذلك جمعت العائلة كل ما تملك وأمّنت لي مبلغ أربعمئة دولار أعطيتها بالسر للموظف المسؤول عن إصدار الجوازات. وهكذا حصلت على جواز سفري خلال أربع وعشرين ساعة. كل شيء يشترى بالفلوس في بلاد الفساد، بلاد فلاديمير بوتين.
ثم تتحدث عن وصولها إلى باريس، وعن سكنها في المدينة الجامعية الدولية التي تضم طلابا من شتى أصقاع الأرض، وهي مدينة كاملة تضم بيوتا للطلبة بحسب جنسياتهم. فهناك البيت الفرنسي، والبيت الروسي، والبيت الأميركي، والبيت الألماني، والبيت المغربي، والبيت التونسي... تقريبا كل أمة من أمم الأرض لها بيت للطلبة هناك.
ثم تتحدث المؤلفة عن دراساتها في باريس وعن عودتها إلى البلاد بعد سنتين من الغياب. وتقول بما معناه: لقد عدت إلى بلادي لكي أرى أهلي بعد غياب طويل وفوجئت بأن النظام الروسي لم يتغير. فلكي ندخل إلى العاصمة ينبغي علينا أن ندسّ بعض الدولارات في جواز السفر وإلا عاقبونا وأخروا عودتنا إلى أهلنا. وفوجئت بأن الأنقاض لا تزال هي هي وأن أحاديثهم عن إعادة بناء العاصمة ليست إلا أكاذيب ووعود لا تتحقق.
والواقع أن النظام القمعي لا يزال مسيطرا على بلاد الشيشان. إنه نظام ستاليني لا يرحم. فكثيرا ما يكبسون على المنازل في الليل ويقبضون على الشخص المطلوب وبعدئذ يختفي إلى الأبد. وهناك خونة يتعاونون مع المخابرات الروسية ويقدمون لهم المعلومات عن أبناء وطنهم الشيشانيين.
وللأسف فإن بوتين استغل حادثة 11 سبتمبر أفضل استغلال. فقبلها كان الغرب يكرهه ويحاسبه على أفعاله الإجرامية في الشيشان. ولكنه بعدها أصبح يتسامح معه، ويبدو أن بوتين نجح في تحويل قضية الشيشان إلى مسألة إرهابية في حين أنها قضية تحرر وطني لشعب محتل من قبل الروس ومقموع على مدار التاريخ. وبما أن الجناح المتطرف في الحركة الوطنية الشيشانية كان أصوليا متزمتا فإن الغرب صدقه. ولكن هذا النجاح لا يشكل إلا جزءًا صغيرا من الشعب الشيشاني الطيب البعيد عن التعصب والتزمت. ومع ذلك فإن الغرب أصبح يربط بين الإنسان الشيشاني والحركات الإرهابية!
ثم تردف المؤلفة قائلة: لقد أدت بعض التفجيرات والاغتيالات التي قام بها المتعصبون إلى وصم الشعب الشيشاني كله بالإرهاب ونسيان قضيته الأساسية التي هي قضية شعب مضطهد. وللأسف فإن احتجاز الرهائن في مسرح موسكو من قبل قائد المتطرفين الشيشان شامل باساييف أساءت لنا كثيرا.
أما العملية الثانية التي دمرت سمعتنا في الخارج وأصابت قضيتنا بطعنة قاتلة فكانت احتجاز الأطفال الصغار في مدرسة بإقليم بيسلان. ومعلوم أن العملية انتهت بمقتل مئات الأطفال وأمهاتهم. وقد رأى العالم كله ذلك على شاشات التلفزيون. واستفاد نظام بوتين من كل ذلك لتشويه سمعتنا أكثر فأكثر، وللتغطية على جرائمه.
ثم تردف المؤلفة قائلة: لم أكد أصدق عيني وأنا أرى مجزرة الأطفال على شاشات التلفزيون. لم أكد أصدق أن الشيشانيين يمكن أن يرتكبوا جريمة منكرة من هذا النوع. ولكن يبدو أن بربرية الروس التي سحقتنا وعذبتنا نجحت في تحويلنا إلى برابرة بدورنا. لقد أصبحنا أكلة أطفال مثلهم. فبعد أن دمروا بلادنا وقصفوا عاصمتنا وحولوها إلى أنقاض جن جنوننا وتحولنا إلى وحوش كاسرة. ولم نعد ندري ماذا نفعل.
هذه هي الحقيقة، وأنا لا أحاول تبرئة أحد. فالتيار الأصولي الجهادي عندنا ارتكب أعمالاً إجرامية مثل بوتين، ولا ينبغي بأي شكل أن ندافع عنه أو عن أفكاره المتطرفة التي أساءت إلى قضية الشيشان النبيلة.
ولكن الإجرام يؤدي إلى الإجرام والبربرية تغذي البربرية. وهنا تكمن مأساتنا الكبرى التي لا تزال متواصلة منذ أن كان الروس قد غزونا في عقر دارنا في نهاية القرن الثامن عشر عام 1785. ومعلوم أن الشيخ منصور هو الذي قاد المقاومة آنذاك ضد جيش الإمبراطورة الشهيرة كاترين الثانية. وعندئذ قام الجنرالات الروس بعملية استئصال لنا كما يفعل بوتين حاليا. وكانت النتيجة أن هبط عدد شعب الشيشان من سبعمئة ألف نسمة إلى ستين ألفا فقط إبان حرب القوقاز الشهيرة.
*الكتاب:الرقص على الأنقاض
*الناشر:هاشيت ـ باريس 2006
*الصفحات :213 صفحة من القطع المتوسط
Danser sur les ruines
Milana Terloeva
Hachette-Paris 2006
p.213

