مؤلفة هذا الكتاب الذي يشبه القاموس هي الباحثة الإنجليزية إيرين سكوبي الأستاذة في جامعة كامبردج، قسم الدراسات السويدية. وهي مختصة أساسا في الأدب السويدي ولكنها ملمّة أيضا بتاريخ السويد بشكل عام والحياة الاجتماعية والسياسية بشكل خاص. وكانت قد نالت عام 1986 جائزة سويدية رفيعة نظرا لإسهامها في التعريف بآداب البلاد وثقافتها.
وفي هذا الكتاب القاموسي المحيط يجد القارئ معلومات عامة عن كل مناحي الحياة السويدية: من اقتصاد، وسياسة، ودين، وتربية، وتعليم، واتحاد نقابات العمال، وحالة المرأة، الخ. كما ويغطّي الكتاب مواضيع أخرى هامة: كالسياسة الخارجية السويدية، وكالحياة الثقافية من مسرح، وسينما، وموسيقى، وفن تشكيلي، وأدب، وفكر، الخ. باختصار فإن القارئ يخرج بعد قراءته بمعلومات عامة وواسعة عن تاريخ السويد ماضيا وحاضرا.
منذ البداية تقدم المؤلفة لمحة تاريخية عامة عن السويد وتقول بما معناه: إن السويد هي إحدى البلدان الاسكندنافية التي تضم أيضا النرويج والدنمارك وفنلندا. وهي بلدان تقع في الشمال الأقصى من أوروبا وتتميز بشتائها الطويل وانخفاض درجة الحرارة فيها.
وتبلغ مساحة السويد أربعمئة وخمسين ألف كيلومترا مربعا: أي تقريبا نفس مساحة فرنسا مع فارق مئة ألف كيلومتر مربع فقط. ولكن عدد سكانها أقل بكثير، فهو لا يتجاوز التسعة ملايين شخص. ومدخول الفرد السنوي هناك مرتفع جدا حيث يبلغ أكثر من سبعة وعشرين ألف دولار، بالمقارنة فإن مدخول الإنسان الفرنسي لا يتجاوز الأربعة وعشرين ألف دولار سنويا، وكذلك الإنسان الإنجليزي.
أما الإنسان البرتغالي فلا يتجاوز الأحد عشر ألف دولار. أما إنسان العالم الثالث، السوري مثلا، فلا يتجاوز مدخوله السنوي الألف دولار. وبالتالي فراتب السويدي يبلغ سبعة وعشرين مرة راتب السوري!والسويد تعتبر من أرقى بلدان العالم من حيث النظام الاجتماعي والسياسي والخدمات المجانية للشعب، الخ.
وهي بلد ملكي ودستوري ذو نظام برلماني. فالملك لا يحكم. الحكم من اختصاص رئيس الوزراء والبرلمان. ومعظم أبناء السويد يسكنون المدن (85 بالمئة من عدد السكان)، والباقي في الأرياف (فقط 15 بالمئة). وأما الدين الغالب في السويد فهو المسيحية في مذهبها البروتستانتي اللوثري نسبة إلى مارتن لوثر مؤسس الإصلاح الديني في أوروبا إبان القرن السادس عشر.
والواقع أن هذا المذهب المضاد للمذهب البابوي الكاثوليكي منتشر جدا في بلدان الشمال الأوروبي كألمانيا، والدنمارك، والنرويج، الخ. ولكن الشعب السويدي متسامح جدا من الناحية الدينية ومحكوم من قبل النظام العلماني كبقية دول أوروبا المتطورة. ويبلغ عدد سكان العاصمة استكهولم حوالي المليوني نسمة، وهي من أجمل المدن في العالم.
ثم تردف المؤلفة قائلة: قبل أن تصبح السويد غنية بفضل الثورة الصناعية كانت بلدا فلاحيا فقيرا. وقد اضطر أكثر من مليون سويدي إلى الهجرة إلى الولايات المتحدة بين عامي 1850 ـ 1930 هربا من الفقر. ولكن السويد أصبحت فيما بعد بلدا مزدهرا يطيب العيش فيه ولا يحلو لأبنائه مغادرته أبدا، بل وتحولت إلى نموذج يحتذى. ولذلك راح الصحافيون يتحدثون عن النموذج السويدي المثالي في الحكم والتنظيم الاجتماعي. فلا يوجد فقير ولا محتاج هناك، والدولة مسؤولة عن تأمين الصحة، والتعليم، والسكن، وسوى ذلك لجميع سكانها.
وقد حصل ذلك بفضل النظام الاشتراكي الديمقراطي الذي سادها في الخمسينات والستينات من القرن الماضي. كما يعود إلى السياسة الحكيمة التي اتبعتها السويد بدءاً من بداية القرن العشرين بل وحتى قبل ذلك. نقول هذا على الرغم من أن السويد كانت بلدا محاربا شديد المراس طيلة القرون السابقة وبخاصة في القرن السابع عشر حيث حصلت حروب المذاهب المسيحية.
ولكن السويد غيرت عقليتها وسياستها بدءاً من القرن العشرين. وقد اتفقت البلدان الاسكندنافية الثلاثة، أي السويد والنرويج والدانمارك، عام 1912 على اتباع سياسة السلام والحياد. ولهذا السبب فإن السويد لم تشارك في الحرب العالمية الأولى، بل وحتى في الحرب العالمية الثانية حاولت أن تبقى على الحياد إلى أقصى حد ممكن. نقول ذلك على الرغم من أن الدول الإسكندنافية الأخرى اضطرت للانخراط فيها جزئيا غصبا عنها.
أما السويد فاكتفت بتقديم المساعدة المادية والأسلحة لفنلندا عندما غزاها الاتحاد السوفييتي. والشيء المدهش هو أن السويد كانت بلدا إقطاعيا متخلفا في القرن التاسع عشر، ولكنها أصبحت بلدا ديمقراطيا حديثا في القرن العشرين. وقد حصل هذا الانتقال الديمقراطي بشكل سلمي ودون إراقة دماء. نقول هذا على الرغم من أن السويد كانت مقسومة إلى طبقتين متمايزتين تماما: طبقة الإقطاع الأرستقراطي صاحب الامتيازات، وطبقة الفلاحين الفقراء وعموم الشعب.
ولكن الطبقة الأولى قبلت بالمساواة وفقدان امتيازاتها دون أي مقاومة تقريبا. وهكذا لم تحتج السويد إلى أعمال عنف لتغيير الواقع الظالم كما حصل في فرنسا إبان الثورة الفرنسية.
ومعلوم أن الأرستقراطية الفرنسية لم تقبل بفقدان امتيازاتها بسهولة، وإنما قاومت ذلك بضراوة فكان أن حصلت الثورة الكبرى وامتلأت شوارع باريس بالجثث والدم. فهل الشعب السويدي حضاري أكثر من غيره؟ ربما.مهما يكن من أمر فإن النظام الاشتراكي الديمقراطي ابتدأ في البلاد في فترة ما بين الحربين العالميتين. ولكنه لم يترسخ فعليا إلا بعد الحرب العالمية الثانية.
ويمكن القول بأن رئيس الحكومة ألبير هانسون هو الذي رسخ أركان النظام الاشتراكي الديمقراطي في البلاد. ومعلوم أنه حكمها لفترة طويلة جدا تتجاوز الأربعين سنة! وكان ذلك بين عامي 1932-1976.ولكن اشتراكيته لم تكن ماركسية أو شيوعية، وإنما كانت قائمة على احترام النظام الرأسمالي واقتصاد السوق الحرة، ولكن مع تدخل الدولة لحماية الطبقات الشعبية.
وهنا تكمن عبقرية النموذج السويدي في الحكم. فهو رأسمالي مثل بقية الأنظمة في أوروبا الغربية، ولكنه اشتراكي في ذات الوقت وعادل من الناحية الاجتماعية، ولذلك ضرب به المثل من حيث النجاح والفعالية والعدالة الاجتماعية.
ومن أعظم الشخصيات السويدية أولوف بالمه الذي حكم البلاد في السبعينات من القرن الماضي بل وحتى مقتله عام 1986. وقد اشتهر بنزعته الإنسانية ومعارضته للسياسة الأميركية وبخاصة حرب فيتنام. وكان من أكبر أعداء الاستعمار ومن أشد المناصرين للشعوب المظلومة المضطهدة. فهل لهذا السبب قتلوه يا ترى؟ يحق لنا أن نطرح هذا السؤال.
ولا تزال السويد حتى الآن تواصل سياستها الإنسانية والسلمية تجاه القضايا العالمية الكبرى. ولهذا السبب يعتبرها الكثيرون بمثابة أرقى بلد في العالم وأكثرها تطورا من الناحية السياسية والأخلاقية.
*الكتاب: قاموس تاريخي للسويد
* الناشر:سكيركرو بريس
لندن 2006
*الصفحات: 317 صفحة من القطع الكبير
Historical dictionary of Sweden
Irene Scobbie
Scarecrow Press- London2006
p. 317
