مؤلفة هذا الكتاب هي الباحثة ايلين لاندو المختصة بتاريخ فرنسا عموما وحياة نابليون بونابرت على وجه الخصوص. وهي تقدم هنا صورة عامة عن شخصية هذا الفاتح الكبير الذي شغل أوروبا والعالم كله بعد الثورة الفرنسية. ومنذ البداية تتحدث المؤلفة عن ولادة نابليون في جزيرة كورسيكا عام 1769، ثم عن سفره إلى فرنسا برفقة والده لإكمال دراساته، ثم عن دخوله إلى الكلية العسكرية في باريس، الخ.

وهكذا ترافق كل مراحل حياته وصعوده نحو المجد مرحلة بعد مرحلة حتى تصل إلى ختام هذه الحياة المليئة بالفتوحات والأمجاد. وتقول المؤلفة بأن الثورة الفرنسية التي اندلعت عام 1989 دخلت مرحلة الإرهاب الأكبر بدءا من عام 1792 وأصبحت تأكل أبناءها كما يقال. وهكذا راحت كل فئة تصفي الفئات الأخرى ما إن تصل إلى السلطة. فروبسبيير صفّى خصومه أو قطع رؤوسهم تحت المقصلة. ولكنه سرعان ما صُفّي هو الآخر وقطعت رأسه تحت نفس المقصلة أيضا. دخلت فرنسا عندئذ في حرب أهلية طاحنة لا تبقي ولا تذر. ثم جاء نابليون بونابرت لكي ينقذ الثورة الفرنسية عن طريق وضع حد للفوضى العارمة التي أنتجتها. ولكنه قبل أن يتوصل إلى ذلك كان شخصا ضائعا لا يعرف ماذا يفعل بحياته.

ثم تردف المؤلفة قائلة: لقد وصل نابليون إلى باريس عام 1795 وهو جنرال مسرح من الجيش ولكنه كان نكرة في باريس ولا أحد يعرفه، وكان يتسكع في الشوارع طيلة النهار بلا عمل ولا أمل. بل وفكر في الانتحار في بعض اللحظات كحل لمشكلته الشخصية. ويقال بأنه أشرف على الجوع في تلك الفترة وكان نحيلا ضامرا بسبب قلة التغذية.

ثم حصل على عمل متواضع في أحد المكاتب لكي يكسب رزقه. ولكن هذا الوضع البائس لم يدم طويلا، فعندما حاصرت القوى المعادية قيادة الثورة لجأوا إليه وطلبوا منه أن يستلم قيادة الفرقة العسكرية المكلفة بالدفاع عن النظام. وقبل بعد تردد. وهكذا نجح حيث فشل الآخرون، فقد استطاع القضاء على القوى الملكية المتمردة على الثورة الفرنسية بعد أن واجهها بكل شجاعة من حي إلى حي ومن شارع إلى شارع في العاصمة باريس. وبعد أن حقق هذا الانتصار عينوه قائدا لجيش الداخل وحاميا للثورة والنظام الجمهوري الوليد.

وبعدئذ أخذ نجم نابليون يلمع ويصعد في سماء الحياة الفرنسية. وتعرف عندئذ على امرأة تدعى جوزفين وأحبها كثيرا. ثم عينوه بعدئذ على رأس الحملة العسكرية المتوجهة لفتح إيطاليا. وهناك أبلى بلاء حسنا إلى درجة أن بعض المؤرخين قال عنه بأنه أكبر فاتح في التاريخ بعد الاسكندر المقدوني.

وأثبت نابليون عندئذ مهارته في قيادة المعارك إلى درجة أذهلت العدو قبل الصديق . فقد كان مخططا إستراتيجيا لا يشق له غبار. وعندما عاد من حملة إيطاليا وإكليل المجد يحيط به راح القادة ينحنون أمامه من عسكريين ومدنيين. وعلى الرغم من أنه كان قصير القامة إلا أن هيبته الشخصية كانت تطغى على الجميع. ويقال بأن كبار قادة الجيش الفرنسي كانوا يخفضون بصرهم عندما ينظر إليهم وجها لوجه. فلا أحد يتجرأ أن يرفع رأسه أمامه.

ثم تردف المؤلفة قائلة: وبعد عودته من إيطاليا ظافرا منتصرا خافت القيادة السياسية على نفسها منه. فقررت إبعاده إلى الخارج للتخلص منه والمحافظة على سلطتها وامتيازاتها، وأقنعته بقيادة حملة عسكرية كبيرة على مصر.

وكانت القيادة تعتقد أنه لن يعود منها سالما، وهكذا تصفو لها الأمور. وبالفعل فقد سار على رأس عشرات السفن الحربية لفتح مصر ليس من أجلها فقط وإنما من أجل قطع طريق الهند على انجلترا، العدو اللدود لفرنسا. وقد اصطحب نابليون معه في حملته الكبرى هذه عشرات العلماء والمهندسين وليس فقط آلاف الجنود والعسكريين. وقد وطأت قدمه لأول مرة أرض مصر في الاسكندرية يوم الثاني من يوليو عام 1798.

ويبدو أن المدينة استسلمت له دون مقاومة تقريبا وحتى دون طلقة واحدة. وكانت مدينة الاسكندرية قد أصبحت بائسة لا تعد أكثر من ستة آلاف نسمة. لم تعد كما كانت سابقا عاصمة الدنيا والمشرق كله والعلم والحضارة والفلسفة. كانت قد أصبحت في عصر الانحطاط والتردي الكامل.

ومن هناك سار نابليون بجيشه إلى القاهرة لفتحها، ولم يتخذ الطريق المحاذي للبحر لكيلا يراه الأسطول الانجليزي الذي يلاحقه وإنما راح يغذ السير في الصحراء البعيدة عن النيل والبحر. وعندئذ فوجئ جنوده بحرارة الجو إلى درجة أنهم اعتقدوا بدخول نار جهنم. ومات منهم عدد لا يستهان به أثناء الطريق، ولكن عندما اقتربوا من القاهرة وظهر لهم النيل كالبحر الواسع راحوا يرمون بأنفسهم فيه.

وعندما ظهرت الجيزة والاهرامات لم يصدق الفرنسيون أعينهم. وسألوا ما هذا؟ فقال لهم نابليون: هذه هي اهرامات مصر، إحدى عجائب الدنيا السبع، إنها قبور الفراعنة. واستغربوا كيف يمكن لهذه الجبال أن تكون قبورا. ثم صرخ نابليون بعبارته الشهيرة: أيها الجنود من أعالي هذه الاهرامات تنظر إليكم القرون المتطاولة. أربعون قرنا تحدق بكم الآن!

وتردف المؤلفة قائلة: ثم كانت المواجهة الحاسمة مع جيش المماليك واستطاع نابليون هنا أيضا أن ينتصر وأن يدخل القاهرة فاتحا وعمره لا يتجاوز الثلاثين عاما. وبعدئذ بسنوات طويلة قال بونابرت بأن إقامته في مصر كانت أجمل لحظات حياته. قال ذلك وهو يتحسر بعد أن أصبح أسيرا، سجينا، في جزيرة سانت هيلانة الشهيرة.

نقول ذلك على الرغم من أنه لم يبق في مصر إلا سنة ونصف. بعدئذ عاد إلى باريس لإكمال مهمته، أي للاستيلاء على السلطة كليا وفتح أوروبا. وقد استطاع تحييد كل خصومه من السياسيين الباريسيين وتنصيب نفسه إمبراطورا على الفرنسيين عام 1804. وعندئذ راح ينشئ فرنسا الجديدة بكل مؤسساتها وقوانينها.

فهو الذي أسس بنك فرنسا لأول مرة في التاريخ، وهو الذي قسم البلاد إلى محافظات مختلفة لكي تسهل إدارتها وتنظيم أمورها، وهو الذي شق الشوارع العريضة كشارع الجيش الكبير، وهو الذي بنى قوس النصر الشهير الذي يقع على رأس أجمل شارع في العالم أي الشانزليزيه، وهو الذي سنّ القوانين المدنية الجديدة تحت اسم قانون نابليون.

وفي ذات الوقت راح يقوم بالحملات العسكرية الكبرى على أوروبا لكي يخضع بلدانها الواحدة بعد الأخرى، وحقق عندئذ انتصارات مذهلة ضد النمساويين والألمان والانجليز والروس، الخ. واحتل إسبانيا أيضا. وفي لحظة من اللحظات كان يسيطر على كل أوروبا تقريبا.

وهكذا نشر أفكار الثورة الفرنسية في كل أنحاء القارة، وهز العروش الملكية المتخلفة والأنظمة الإقطاعية المستبدة. وقد رحب به فلاسفة الألمان وعلى رأسهم هيغل على الرغم من أنه كان يغزو بلاده! ولكنه رأى فيه الأمل الوحيد لإسقاط النظام الإقطاعي القديم وإحلال النظام الحديث الحر محله. وقد شبهه هيغل مرة بأنه يجسّد روح العالم أو جوهر الحرية في شخصه. ولكن الأنظمة الرجعية تآمرت عليه وتحالفت واستطاعت في نهاية المطاف أن تقضي عليه. ولكن الأفكار التي حملها لم تمت بموته وإنما سرعان ما عادت إلى الساحة وانتصرت في نهاية المطاف.

* الكتاب:نابليون بونابرت

*الناشر:كتب القرن الواحد والعشرين ـ لندن ـ نيويورك 2006

*الصفحات :112 صفحة من القطع الكبير

Napoléon Bonaparte

Elaine Landau

Twenty First Century Books London - New York 2006

P.11