مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور «مالك شبل» الذي ولد في الجزائر ويعيش في فرنسا. ويأتي الكتاب الذي هو بين أيدينا تتويجا لقائمة من الكتب التي سبقته وبوجه خاص: موسوعة الحب في الإسلام (1990)؛ تشكل الهوية السياسية (1997)، الشخص الإنساني في الإسلام (2002)، بيان من أجل إسلام الأنوار (2004)، الخ.
يبدأ شبل بالقول ان موضوع كتابه يتلخص في أن التاريخ الإسلامي ما زال يحتفظ بتجارب حية مجددة «فتحت الطريق نحو آفاق جديدة ووضعت علائم أساسية في الحياة العربية»، ولكن من «ينظر اليوم إلى هذه التجارب»، ومن «يبتعث أفكار العلماء واللاهوتيين والفلاسفة الذين ارتبطوا بواقع عصرهم» وزودوه بعقلانية مستنيرة؟
فمنذ إغلاق باب الاجتهاد وسقوط بغداد وانقراض الحضارة الأندلسية، يعيش العرب ـ المسلمون أزمة تاريخية مستمرة لا تجد حلها «إلا بالعودة إلى التراث الفكري النيّر» واستخدام العقل في حل مسائل الواقع القائم» كما فعل سلفهم في العصور السابقة.
إن الكاتب وهو يشدّد على العلاقة بين العقل والإسلام، الأمر الذي يفسر الفتوحات المعرفية والارتقاء الحضاري المشهود للعرب والمسلمين؛ إنما يتطرق إلى المعتزلة كحركة فلسفية عقلانية فتحت الباب أمام المناظرات بين القرن الثامن والتاسع الهجري. ولقد كان لهذه الحركة تأثير واضح على «الآداب والسياسة والأخلاق»، وبينت بالرغم من وجود حركات أخرى معاكسة لها أن الديار الإسلامية كانت مفتوحة على الآراء المختلفة وعلى حرية الرأي واحتلال العلماء المتنورين مكانا أساسيا في المدينة الإسلامية.
وإذا كانت حركة المعتزلة قد بدأت بالأفول بعد الخليفة المأمون والمعتصم تحت ضغط المعارضة لها من قبل رجال الدين، فلقد ظل تأثيرها قائما حسب بعض المؤرخين المسلمين في القرن العاشر في «سوريا ومصر والمغرب والأندلس».
في الفصل الثالث يتعرض الكاتب إلى المتكلمين أي «حركة اللاهوتيين المسلمين» التي «تشكل العمود الفقري للفقه الإسلامي وبعده الشريعة». ويحتل أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري الذي أسس علم الكلام، المقام الأول في هذه الحركة.
وفي حركة الأفكار التي شهدها الإسلام، فإن الغزالي قد «رمز في القرن الحادي عشر الميلادي إلى إحياء الفكر الإسلامي، والمصالحة بين (تيارين أساسيين وهما السنة والصوفية... التفكير القديم وما هو عقلاني في الإسلام)». لقد قام الغزالي «بمصالحة المسلمين مع أنفسهم» في حين أن ابن رشد قام من بعده «بمصالحة المسلمين مع الثقافة العقلانية الإغريقية».
في الفصل الرابع يطرح الكاتب حركة فكرية جديدة في الإسلام، وهي «إخوان الصفا» التي كانت تعبيراً عن محاولة «إعادة التفكير على العالم».لقد بدأت حركة إخوان الصفا في وقت كانت تخبو فيه حركة المعتزلة وتنتشر فيه المدارس الفقهية المعروفة: المالكية والجعفرية والحنبلية، والشافعية، والحنفية. إنه الوقت الذي لم يعد ملائما للمناظرات الفلسفية مع إقفال باب الاجتهاد والذي أصبح مكرسا لما يقوله «المدوّنون» في مختلف الميادين.
وليست دائرة معارف إخوان الصفا المحاولة الأولى في الإسلام، فقبلهم قام علماء بجمع علوم زمنهم في مؤلف ذي طابع موسوعي مثل أبي موسى جابر بن حيان في القرن الثامن. كما أن مؤلّف أبي بكر الرازي الملقب بجالينوس العرب «أو طبيب المسلمين» والذي ترجم إلى اللاتينية في القرن السادس عشر، قد شكل موسوعة طبية في زمنه استفاد منها إخوان الصفا. إلا أن الجديد هو التناول المنهجي أو المبسط (باستثناء بعض الكلمات التقنية) لمختلف العلوم واجتماع عدد من الأخصائيين لتحريرها سواء أكان ذلك في الرياضيات أم الطب أم الفلسفة أم الميتافيزيقيا أم العلوم الطبيعية أو التصوف أو التربية أو الزراعة أو الأخلاق أو التكنولوجيا...
هذا إن دل على شيء فعلى اتساع المعارف وانتشارها وعلى حب الذهنية العربية المتحضرة للإحاطة بمختلف العلوم والكدّ من أجل الحصول عليها وتعميمها باحترام العقائد الدينية.
في الفصل الخامس يحدثنا الكاتب عن «روح قرطبة» مشيرا بذلك إلى أن ابن رشد «المؤلف الأكبر بين اللاهوت والفلسفة والفقه وعلوم العالم»، كان مثقفا كبيرا شملت مكتبته على معظم التأليف الإغريقية المنقولة إلى اللغة العربية وعلى المؤلفات الهندية ـ الفارسية، وعلى تفاسير متعددة للقرآن الكريم، وعلى مدونات الأحاديث النبوية، وعلى الشعر العربي ما قبل الإسلام.
ذلك أن ابن رشد ينتمي إلى وسط نخبة ثقافية عربية ـ إسلامية. فلقد ولد في أسرة قضاة، وأصبح بدوره «قاضي القضاة»، ولكن الفلسفة والطب استحوذا على اهتماماته بوجه أساسي.
هذه الروح المعرفية المنيرة التي تتسم بالتسامح والتبادل والتواصل بين مختلف الأفكار والثقافات وبين مختلف الأفراد والجماعات ـ مسلمة كانت أم مسيحية أم يهودية ـ والتي يشكل المشروع المعرفي ـ العمراني قاسما مشتركا لها؛ هي ما يسميه الكاتب ب«روح قرطبة».
وغالبا ما ينسى حتى اليوم أن الحضارة العربية ـ الإسلامية كانت الحلقة الأساسية والواصلة بين «العالم القديم والعالم الجديد»، بين «اليونان القديمة والنهضة الأوروبية»، بين «اللاهوت والعقل والعلم»، وأن العلماء العرب ـ الأندلسيين قد عملوا على استكمال المعارف الإنسانية في عصرهم داخل جو من «النزعة الإنسانية الإسلامية» حسب تعبير المفكر الشهير «روجيه آرنالديز».
والواقع أنه إذا نظرنا إلى مؤلفات ابن رشد في جميع الميادين لاستطعنا أن نقول أنه يشكل «المجمع الفكري» في عصره قبيل أن يأتي ابن خلدون وإرث الروح الأندلسية، والذي تشكل «مقدمته» المعروفة موسوعة جديدة من المعارف في عصره، مبتكرا بذلك علما جديدا هو علم التاريخ وفاتحا الأبواب أمام علوم حديثة كعلم السياسة وعلم الاجتماع وعلم الاقتصاد.
في الفصل الثامن المتعلق بالعلم والعلماء، يشير الكاتب إلى ازدهار العلوم النقلية والعلوم الوضعية. والمتبحرون في هذه العلوم الأخيرة شغفوا بها لا من أجل شرح ما أعطته حضارات أخرى وإنما من أجل دفع فتوحات العقل البشري إلى الأمام.
وإذا كان المركز الحضاري بغداد، قد أنتج في المرحلة الممتدة ما بين القرن التاسع والعاشر أكثر مما أنتج فترة التاريخ الإنساني، فإن روح قرطبة قامت هي بدورها بفتح الأبواب أمام الاكتشافات العلمية. هكذا فإلى جانب العقل الفلسفي تولد العقل الاختباري في جميع ميادين الحياة.
وتحققت دورة مفتوحة لمختلف المعارف في الديار الإسلامية انتقالا لها وتواصلا فيما بينها دونما رقابة أو حدود تمنعها من انتشارها. وبالتعبير الحديث يمكن القول بوجود مجال مدني فكري ـ علمي مفتوح شكل حاضنة المشروع العمراني العربي ـ الإسلامي قبل أن تقفله وتسيطر عليه سياجات وسلطة النزعة العقائدية المحافظة.
لقد شكل ذلك كله حداثة في التاريخ الإسلامي، الحداثة التي انبعثت وساهم فيها الجميع: الأرستقراطية والبورجوازية المتنورة المتنافسة على تدعيم العلم والمعرفة وطلب الكتب وتشجيع إنتاجها واقتنائها. كما أن هذه الحداثة قد تمت بفضل الفلاسفة والعلماء بل واللاهوتيين الذين انكبوا على مشاكل عصرهم واستكمال المعرفة الإنسانية.
وهي لم تكن مقصورة على أسرة روحية أو فقهية أو فلسفية بين المسلمين لأن الأكثريات والأقليات في الديار الإسلامية نهضت بها الأمر الذي يدل بوضوح على أن الإسلام «بقبوله التنوع» داخله كان حاضنة لفتوحات المعرفة والتقدم الإنساني كما يشير الكاتب.
هل يستطيع العرب أن يخلقوا حداثتهم اليوم؟ نعم، إذ تجاوزوا صدمة سقوط بغداد عام 1258 وصدمة انهيار الأندلس عام 1493 وصدمة الانحطاط الطويل طوال خمسة قرون، وأخيرا صدمة الاستعمار العربي قبيل وبعد الحرب العالمية الأولى. إنه لا بد من الدخول في مراحل جديدة من الإصلاح والتجديد والتحديث. وفي هذا فإن «روح قرطبة» تظل احد المعالم الرئيسية للعرب اليوم.
* الكتاب:الإسلام والعقل
* الناشر: تيمبوس ـ باريس 2007
* الصفحات:238 صفحة من القطع المتوسط
L'islam et la raison, le combat des idées
Malek Chebel
Tempus - Paris 2006
p.23
