هذه المقابلة مع الروائي وكاتب السيناريو الاسكتلندي وليام بويد أجراها توبي كليمنتس، المحرر الثقافي بصحيفة «ديلي تلغراف» اللندنية بمناسبة فوزه بجائزة رواية العام التي تعد أبرز الجوائز الخمس المندرجة في جوائز كوستا بوك التي كانت تعرف تقليدياً باسم جوائز وايتبريد.
وذلك عن روايته التاسعة «قلق»، حيث يلقي الضوء فيها على ما يعنيه مفهوم الاغتراب بالنسبة له، وكيف أن الشخصيات اللامنتمية هي في جوهرها سكان عالمه الروائي، ويشير إلى تأثير السنوات الطويلة من عمره التي أمضاها في مناطق مختلفة من إفريقيا على أعماله والسر في ولعه بأجواء الحروب والجاسوسية، التي تنعكس في العديد من أعماله الروائية والمقدمة للشاشة الصغيرة أيضاً. وفيما يلي نص المقابلة
في ضوء رواية الجاسوسية المتألقة التي أنجزها وليام بويد كان هناك شيء من الملاءمة على نحو رائع في اختياره لمقهى ريش غي ميدان غامبيتا في بلدة برغراك بفرنسا مكاناً للقائنا، فالمقهى مكان لا يلفت الأنظار، والميدان نفسه مترب وعادي، ومن ثم فنحن حيال نوعية الأماكن التي يمكن أن يترك فيها «ميكروفيش» بأمان في نسخة مطوية من صحيفة «لوموند» لكي تلتقطه اليد التي يراد توصيله إليها في رواية جاسوسية حافلة بالأحداث.
المفاجأة الحقيقية كانت لدى العودة إلى الدار وتشغيل الشريط الذي سجلت عليه المقابلة، فبدلاً من توالي العبارات حول الرواية الانجليزية أو الخواطر العميقة حول شعر ييتس، كان الشريط حافلاً بضجيج الدراجات النارية العابرة وثرثرة الجالسين على الموائد المجاورة وأجراس كنيسة مطلة على الميدان، أما كلمات الحوار فهي تكاد تكون غير مسموعة بالمرة، وفي منعطف من الشريط تتابع صوت بومة بعيدة متردداً عبر الشريط على امتداد خمس دقائق كاملة.
و بويد نفسه يوحي بالغموض، وللوهلة الأولى يوحي مرآه وقد جلس إلى المائدة التي يبدو أنها مائدته المفضلة وأمامه صحيفة وقائمة مأكولات المقهى ومشروباتها ـ يوحي بأنه من نوعية الانجليز الذين لا يتحمسون كثيراً للقاء مواطنيهم في الخارج، فشعره مسترسل، وهو يرتدي قميص أوكسفورد أزرق اللون وسترة من قماش التشينو، وينتعل حذاء جلدياً ليناً.
لكن وليام بويد ليس انجليزيا، وإنما هو اسكتلندي، ولد في أكرا في غانا، وأمضى الأعوام العشرين الأولى من حياته في غربي إفريقيا، متنقلاً من مدرسة غوردونستون الداخلية في اسكتلندا وإليها. وبهذا المعنى فإنه ينتمي إلى الجيل الأخير ممن نشأوا في الخارج، ولكنهم على الرغم من ذلك بمقدورهم النظر إلى أنفسهم باعتبارهم بريطانيين.
وهو يقول عن هذه التجربة: «لقد شكلتني ولونتني بطرق لا أرغب بصفة خاصة في تحليلها. لقد اقتلعت من جذوري، من دون أن يكون ذلك بالمعنى السيئ، بحيث أنني كنت عادة المغترب الذي يطل من الخارج إلى الداخل، وربما كان ذلك أمراً مفيداً بالنسبة للروائي».هذا الإحساس بالانفصال ـ بوجود مسافة تتيح التحليل بموضوعية ـ هو الذي يقدم جانباً كبيراً من الطاقة والتألق اللذين يكمنان وراء روايات بويد التسع ومجموعتيه من القصص القصيرة وسيناريوهاته الثلاثة عشر.
شخصياته تتألف في المقام الأول من اللامنتمين، المغامرين الذين يهربون من شيء ما أو الذين تسجنهم البيئة الغريبة عنهم بشكل من الأشكال. وتتيح هذه الشخصيات لبويد المجال للتلاعب بألوان سوء التفاهم وسوء الاستيعاب التي توجد بين الضيف والمضيف.وهو يقول: «كل الحكمة التي تلقيتها حول طبيعة الصراع تبين أنها زائفة تماماً، ولذا فقد أردت كتابة رواية حرب لأضع نظرياتي موضع الاختبار».
وبصدور رواية بويد الثالثة بعنوان «نجوم وقضبان» كان تجواله قد مضى به إلى جامعتي جلاسجو ونيس ثم إلى الحصول على درجة الدكتوراه من جامعة أوكسفورد، حيث أمضى ثماني سنوات في شق طريقه نحو التقدم البطيء في مسار الحياة الأكاديمية، حيث أدى الأعمال التي كان زملاؤه يحجمون عن حمل أعبائها. وعندما عرضت عليه وظيفة محاضر دائم بإحدى الكليات، وهو ما يعني عدداً أكبر من الساعات في التدريس أدرك أن عليه الاختيار بين التدريس والكتابة، وبحلول ذلك الوقت كان قد أنجز أيضاً سيناريو فيلمه الأول «الجيد والسيئ في الألعاب».
وهو يقول: «كنت أعرف دائماً أنني بحاجة إلى القيام بشيء آخر غير كتابة الروايات، ولكن هناك معضلة تتعلق بكتابة سيناريوهات الأفلام، فأنت تكتبها، ولكن هل تشق طريقها إلى الشاشة؟ وقد أتاحت القناة الرابعة في تلفزيون البي. بي. سي. لي ولكثير من الكتاب الآخرين الفرصة، وهكذا خرجت أفلامي إلى النور، وبدأت مسيرتي من هناك».
ويصف ذلك بأنه «أمر جيد للغاية أن يوجد مثل هذا الشيء الآخر في حياتك» وعادة ما يعمل على ستة أو سبعة مشروعات في وقت واحد، ويبدو بوضوح أنه يستمتع بالجانب الجماعي من إطلاق الأفلام والناس الذين يلتقي بهم من خلال هذه الصناعة. ولكنه يقر بأن الأفلام هي شيء مختلف تمام الاختلاف عن الروايات. ويقول في هذا الصدد: «إنك لا تخرج لشهود أوبرا (فالستاف) لفيردي ثم تعود إلى الدار وتقرأ مسرحية شكسبير (زوجات وندسور المرحات) وتقول لنفسك: يا إلهي! ما أكثر المادة التي تركها خارج نطاق العمل!».
وهو لا يستطيع حسم مسألة ما إذا كانت روايته «قلق» يمكن أن تكون نواة فيلم جيد. وهي قصة أم تكشف في سلسلة من الرسائل إلى ابنتها أنها ليست على الإطلاق ما تبدو عليه، فهي ليست سالي جيلمارتن، كما هو مفترض، وإنما هي إيفا دليكتروسكايا، المهاجرة الروسية التي جندتها المخابرات البريطانية قبيل الحرب العالمية الثانية، وهي عمل درامي حافل بالتوتر والإثارة، متقن الحبكة إلى أبعد الحدود.
وهو يقول: «بعد روايتي (أي قلب إنساني) أردت أن أكتب شيئاً محكماً، وكانت فكرة جعل امرأتين في قلب الرواية شيئاً مثيراً للاهتمام من حيث الخيال الروائي».وكان بويد قد أصبح خلال الأبحاث التي أجراها لإنجاز روايته «أي قلب إنساني» مهتما أشد الاهتمام بسيكولوجية التجسس، وبالدوافع التي حفزت بورجيس وفيلبي وبلونت وماكلين على وجه التحديد.
ولديه العديد من النظريات حول ما يمكن أن يكون قد دفع هؤلاء الرجال إلى الاقدام على التجسس لحساب الاتحاد السوفييتي، ولكن بطلة رواية «قلق» لا تعدو أن تكون ترساً صغيراً في الماكينة التي ازدهرت قبل الهجوم الذي شنه اليابانيون على القاعدة الأميركية في بيرل هاربر، بقصد اجتذاب الأميركيين للمشاركة في الحرب العالمية الثانية، وقد تمثل هذا في بث خرائط مزورة والترويج لتقارير مناهضة للألمان في الصحف الأجنبية والقيام بما يعرف بالحيل القذرة والتلاعب بالإعلام.
وكما هي الحال بالنسبة للكثيرين ممن هم في مثل عمره ـ وهو الآن في الرابعة والخمسين من العمر ـ فإنه أصبح مولعاً بالحياة السياسية في مرحلة ما بعد الحرب والعلاقة الخاصة بين بريطانيا وأميركا، وهو يتحدث بعاطفة حقيقة عن الإذلال الذي تعرض له ونستون تشرشل على يد روزفلت وستالين. ولكن وراء كل هذا الحماس فيما يتعلق بوصف مهنة الجاسوسية فإن هناك شيئاً أكثر تجذراً فيما يتعلق برواية «قلق» يدور حول رواياته الأولى.
منى مدكور
