ينتمي الروائي الاسكتلندي وليام بويد إلى الجيل نفسه الذي ينتمي إليه مارتن اميس وجوليان بارنز وإيان ماكوين، ولكن بعض النقاد يعتقدون أن بويد قدتعرض للإهمال مقارنة بمجايليه هؤلاء، ويرجع ذلك في المقام الأول إلى أنه هو نفسه يؤثر الابتعاد عن ضوء الحياة العامة، وعلى الرغم من أنه فاز بجوائز بارزة وأدرجت أعماله في القوائم القصيرة للفوز بأبرز الجوائز البريطانية إلا أنه لم يحظ قط بالقدر الذي ناله مجايلوه هؤلاء من الشهرة العريضة.

يبدو أن هذه الوضعية توشك على التغير ليس بفضل فوزه بجائزة رواية العام، مؤخراً، ضمن جوائز كوستا بوك الخمس الشهيرة، وإنما بفعل هذه الرواية نفسها التي حظت باهتمام كبير من النقاد، ومن المتوقع أن تحظى بالمزيد من الاهتمام من القراء أيضا ربما مع اطلالها المنتظر على الشاشة الفضية.

في مستهل رواية «قلق» نجد أنفسنا في باريس عام 1939 في جنازة الأخ الأصغر لإيفا دلكتروسكايا الذي مات عن 28 عاماً، وهي تلحظ وسط أقاربها رجلاً غريباً يلفه الغموض، هو لوكاس رومر، الذي يتبين أنه له صلة غامضة بالأخ القتيل.

سرعان ما يقوم رومر بتجنيد إيفا للعمل جاسوسة لصالح المخابرات البريطانية، حيث ترسل إلى بريطانيا للتدريب على دقائق عالم الجاسوسية ومنعطفاته الخطرة، ومن ثم يتم إرسالها إلى نيويورك، حيث تصبح اللاعبة الرئيسية في عملية معقدة تقوم بها المخابرات البريطانية للتلاعب بالإعلام الأميركي ولاجتذاب الرأي العام الأميركي للتحمس لمشاركة أميركا في الحرب العالمية الثانية.

في نيويورك، تدرك أيفا ما الذي تعنيه حياة الجاسوسية، وأي خطر يدور في آفاقها، وتوقعات الموت والخيانة والحب.بعد ثلاثة عقود من الزمن، ستكون إيفا قد أعادت ابتكار هويتها، لتصبح أرملة انجليزية محترمة تقيم في قرية كوتسولد الجميلة، ولن يعرف أحد، بمن في ذلك ابنتها روث، هويتها الحقيقة.

ولكن المرء إذا قدر له مرة أن يكون جاسوساً فإنه يظل كذلك إلى الأبد، وهكذا فإن سالي جيلمارتن، أو بالأحرى إيفا، تمتلئ حياتها بأسرار أكثر من اللازم فلا يمكنها أن تثق بأحد. ولابد لها في نهاية المطاف من أن تواجه أشباح ماضيها.

ولكنها هذه المرة لا تستطيع القيام بهذه المواجهة وحدها، وإنما هي بحاجة إلى مساعدة من ابنتها روث، وهكذا فإنها تجندها لخوض المخاطرة الأخيرة، التي يتعين عليهما أن تعثرا في إطارها على الرجل الذي خان الأم، قبل أن يفوت الأوان.

ومن المحقق أن المشهد من منظور روث لا يمكن إلا أن يبعث على الشعور بالصدمة إلى أبعد الحدود، فها هو ماضي أمها ينهض من الرماد ليتحول إلى حاضر يهددهما بخطر داهم.وهي في هذا الصدد تقر بأن: «التفجير الذي أحدثته أمي باعترافها هزني بقوة بالغة إلى حد أنني تعاملت معه في البداية على أنه لا يعدو أن يكون وليد خيال جامح، وفي تردد تركت الحقيقة تقرض نفسها على وتملأ ذهني تدريجياً وببطء».

لكن ما فعلته الأم، سالي أو إيفا أيا كان الاسم الذي تفضله، كان يستهدف مشاركة روث لها في خطتها لتسوية حساب قديم مع لوكاس رومر وكشف سر يبعث على الصدمة من أسرار الماضي.شأن أفضل روايات الجاسوسية، فإن المباهج الحقيقية بالنسبة لقارئ «قلق» تكمن في الطريقة التي يصور بها بويد أعماق الشخصية الإنسانية وفي الوقت نفسه في متابعة الأحداث المفعمة بالقلق والإثارة التي تتوالى بإيقاع لاهث.

وعبر هذا العمل يعيد بويد بقوة واقتدار تأكيد تمكنه من مهارات الإبداع الروائي، ويؤكد بحسب منظور الكثير من النقاد ارتفاعه إلى مستوى يمكن أن يضعه موضع المقارنة مع أفضل أعمال هذا النوع من الروايات التي انجزها جراهام جرين وجون لو كاريه وغيرهما.

ربما لهذا السبب، على وجه الدقة، نجد أن مقدمي عروض الكتب في أبرز الصحف العالمية يتحمسون لهذه الرواية بشكل استثنائي، ويلقون الضوء عليها.وهكذا فإن صحيفة «واشنطن بوست» تقدم هذه الرواية لقرائها قائلة: «ليس هناك كاتب اليوم يقدم للقراء متعة وشعوراً بالرضا يفوقان ما يقدمه بويد».

وبالمثل تشير «نيويورك تايمز» إلى أن: «بويد كتب رواية تجسس حافلة بالاثارة، ولكن ما هو أكثر من ذلك أنه نجح في استحضار مناخ الجاسوسية في زمن الحرب باقتدار».وتقول صحيفة «بوسطن جلوب» إن: «مايميز بويد في إبداعه لهذا العمل هو انه أياً كانت أعمال الحركة والإثارة التي يرتبها لأبطاله فإنه في الوقت نفسه لا يغفل الجوانب الإنسانية في شخصياتهم».

وتشير صحيفة «سان فرانسيسكو كرونايكل» إلى أن: «بويد أبدع حكاية رائعة هنا، وقصة إيفا دلكتروسكايا تقدم لنا صورة مذهلة لامرأة انخرطت في حدث قدر له أن يغير العالم ـ وحياتها ـ للأبد».غير أن هذا كله لا يعني أننا أمام إجماع من النقاد على الإشادة بهذه الرواية، فهناك من لا يتردد في إبراز عيوب فنية لا موضع للتشكيك في وضوحها.

ومن المهم هنا أن نشير إلى أن هذه الانتقادات تأتي من جانب مطبوعات متخصصة في عروض الكتب، وهو ما يعطي ثقلاً استثنائياً لهذه الانتقادات.تقول مجلة «بوكلست» الالكترونية المتخصصة: «إذا كان يمكن لرواية تجسس أن توصف بأنها دافئة ومريحة فإنه يمكن إطلاق هذا الوصف علي هذه الرواية. ولكن السرد على شيء من الارتباك، وإن كان الروائي يعوض ذلك بأجواء الإثارة التي يستحضرها بالكثير من الحنكة والخبرة».

وتبادر مجلة «لايبرري جورنال» بدورها إلى الإشارة إلى أن: «بعض القراء قد يثير ضيقهم التكتيكات الاسلوبية التي يتبناها المؤلف. والبعض الآخر قد تمتقهم هذه اللمحة من الحيل القذرة في زمن الحرب».

ويشير موقع «بوكس مليون «الالكتروني المتخصص إلى إنه على الرغم من المعمار المتألق لرواية بويد، إلا أن قصة روث تبدو أقل ارضاء للقارئ من قصة إيفا، وربما كان مرجع ذلك إلى أنه من الطبيعي أن قصة التجسس تستقطب اهتمام القارئ في نهاية المطاف، أيا كانت البراعة التي كتبت بها الاجزاء المعاصرة من الرواية.

أياً كان الأمر، فإننا نظل مع وليام بويد تحت آفاق ابداع روائي يستحق المزيد من الاهتمام والمتابعة، خاصة وأنه، على العكس من مجايليه، لم تتم ترجمة أي من أعماله إلى اللغة العربية أو التعريف بها بصورة مقبولة، حتى الآن.

* الكتاب: قلق

* الناشر:بلومزبري ـ لندن 2006

* الصفحات: 304 صفحات من القطع المتوسط

Restless

William Boyd

Bloomsbury- London 2006

Bloo