قيس الزبيدي مخرج وسيناريست وباحث سينمائي عراقي معروف، تغرّب باكراً، في ستينات القرن الماضي، عن وطنه العراق، وعاش متنقلاً بين عواصم المنافي الأوروبية والعربية، وخصوصاً برلين، وبيروت، ودمشق حيث يقيم الآن.

درس التصوير والمونتاج في ألمانيا فنال شهادة دبلوم في المونتاج عام 1964م، وشهادة دبلوم في التصوير العام 1969م، ومنذ تلك السنوات وهو يبحث ويعمل في الحقل السينمائي كمخرج، ومونتير، وسيناريست، ومصور، وناقد، وباحث. في مجال الإخراج أنجز عدة أفلام منها «اليازرلي»، و«سجل شعب»، و «بعيداً عن الوطن»، و«الزيارة»، و«الحصار المضاد»، و«وطن الأسلاك الشائكة»، و«نداء الأرض»... وسواها من الأفلام الروائية الطويلة أو التسجيلية الوثائقية التي تركزت معظمها على أبعاد القضية الفلسطينية، وسلطت الضوء على معاناة الشعب الفلسطيني، فقد تفاعل الزبيدي مع قضية هذا الشعب وراح يروي عذاباته، ويوثق، سواء بالصورة أو الكلمة، لمحطات النفي والتشريد والتهجير والاحتلال الذي تعرض له هذا الشعب. صدرت له كتب عديدة منها «فلسطين في السينما»، و«بنية المسلسل الدرامي التلفزيوني» وغيرهما.

في كتابه الجديد «المرئي والمسموع في السينما» الصادر أخيراً عن وزارة الثقافة (دمشق ـ 2006) ضمن سلسلة «الفن السابع» التي تشرف عليها المؤسسة العامة للسينما السورية، يضيء الزبيدي جوانب مختلفة من العملية السينمائية، بدءاً من الفكرة وصولاً إلى الشاشة مروراً بمختلف المراحل التي تتطلبها صناعة الفيلم السينمائي، فهو يضمن هذا الكتاب حصيلة سنوات طويلة في مجال البحث السينمائي، استطاع خلالها الكاتب أن ينجز مجموعة من الأفلام نال الكثير منها جوائز في مهرجانات عالمية.

وعلى عكس معظم السينمائيين، فإن اهتمام الزبيدي بالسينما لم يقتصر على الجانب العملي فحسب، فهو لا يكتفي بالإخراج أو بكتابة السيناريو أو بالتصوير أو بالمونتاج بل يعمل كذلك في الجانب النقدي ـ النظري، إذ «تفاعلت لديه، باستمرار، الممارسة بالنظرية، والنظرية بالممارسة».

إن من يقرأ هذا الكتاب، يكتشف دون عناء، تلك الثقافة السينمائية الواسعة التي يملكها الزبيدي، والتي يحاول توظيفها في كل تجربة سينمائية جديدة له، والمقالات والأبحاث المدرجة ضمن هذا الكتاب يعود تاريخ كتابتها إلى فترات زمنية مختلفة تبدأ من نهاية الستينات، وتنتهي عند تاريخ طباعة الكتاب قبل عدة أشهر، أي أنها تغطي نحو خمسة عقود من العمل الدؤوب في رحاب الفن السابع، على أن هذه الحصيلة لا تمثل جميع إسهامات الزبيدي النظرية في مجال السينما، وإنما هي مختارات منتقاة بعناية جاءت لتعبر عن عنوان الكتاب «المرئي والمسموع في السينما»، بهدف «نقل محبة ثقافة السينما لمن تصل إليه»، تلك المحبة التي يكنها الزبيدي لفن قضى عمره بين حلباته.

يقوم الزبيدي بتبويب هذا الكتاب إلى سبعة فصول، ويناقش في كل فصل موضوعاً سينمائياً مستقلاً، فهو يخصص الفصل الأول للحديث عن أفلام سينمائية تعتبر من الكلاسيكيات في السينما العالمية، وقد تركت تأثيراً على مؤلف الكتاب، ولئن اعتمد الزبيدي في اختيار هذه الأفلام على ذائقته الفردية، فان هذه الذائقة مشبعة أكاديمياً، ومفعمة بالجماليات البصرية.

وهي تنطلق من قاعدة «الحب الصادق لفن السينما»، وفي هذا الفصل سنعثر على قراءات لأفلام مثل «أسلوب من الحب» للإنجليزي جون شليسنكر، و«قنال» لأندريه فايدا، ويقف الباحث عند ثلاث تجارب سينمائية برزت في السينما الهنغارية وهي فيلم «اليائسون» للمخرج ميكلوش يانتشو، و«عشرون ساعة» للمخرج زولتان فابري، و«عشرة آلاف شمس» للمخرج فيرنيك كوسا.

وفي السينما الإيطالية يختار رائعة فيدريكو فيلليني «أمار كورد»، و«الصحراء الحمراء» لأنطونيوني، ويقدم الباحث اضاءات سريعة حول السينما الفرنسية والفيتنامية والجزائرية والكوبية عبر اختيار نماذج من الأفلام التي شكلت علامات مضيئة في تاريخ السينما في هذه الدول.

في الفصل الثاني ينتقل الباحث للحديث عن كتب سينمائية مهمة، فيبدأ بكتاب «علم جمال السينما» للناقد الفرنسي المعروف هنري آجيل، والذي ترجمه الناقد السينمائي اللبناني إبراهيم العريس مطلع الثمانينات، وكتاب «فن الفيلم... سيناريو، إخراج، مونتاج» لمصطفى حسنين، والذي صدر في القاهرة مطلع الخمسينات، ويختار كتابين للناقد الأردني المعروف عدنان مدانات وهما «بحثاً عن السينما»، و«تحولات السينما العربية المعاصرة.. قضايا وأفلام»، وكتاب «محطات الانتظار» لمحمد توفيق، و«قصة السينما» في العالم لآرثر رايت وترجمة سعد الدين توفيق وسواها من الكتب.

ويخصص الباحث الفصل الثالث لمقالات كتبها في مناسبات مختلفة وهي تتمحور حول جدلية الشكل والمضمون في العمل السينمائي، وبنية اللغة السينمائية، والبطل الدرامي الجديد والمونتاج عند ايزنشتاين، في حين يناقش في الفصل الرابع العلاقة بين الرواية والسينما، ويتناول هنا تجربته الشخصية في فيلم «اليازرلي» الذي أنجزه مطلع السبعينات لصالح مؤسسة السينما السورية عن قصة قصيرة للروائي السوري حنا مينه تحت عنوان «على الأكياس».

كما يبحث في إشكالية تحويل الرواية إلى فيلم متخذا من روايات الكاتب الفلسطيني الراحل غسان كنفاني أمثلة لإغناء هذه الموضوعة، فالمعروف أن معظم أعمال كنفاني قد تحولت إلى السينما، فقد تحولت قصته «برقوق نيسان» إلى فيلم حمل عنوان «زهرة البرقوق» وأخرجه العراقي ياسين البكري، بينما تحولت روايته «ما تبقى لكم» إلى فيلم تحت عنوان «السكين» الذي تولى إخراجه السوري خالد حمادة، في حين تحولت روايته «عائد إلى حيفا» إلى فيلم حمل العنوان ذاته بتوقيع المخرج العراقي قاسم حول، أما المخرج المصري المعروف توفيق صالح فقد قام بأفلمة رواية كنفاني «رجال في الشمس» إلى شريط سينمائي حمل عنوان «المخدوعون» وثمة أعمال أخرى كثيرة لكنفاني وجدت طريقها إلى السينما، ما دفع الزبيدي كي يختاره كنموذج.

وبعد أن يشرح الباحث مفهومه للفيلم التسجيلي ودور هذا الفيلم في توثيق الذاكرة وأرشفة اللحظات والمنعطفات المهمة في تاريخ الأفراد والشعوب والدول، يفرد فصلاً مستقلاً للخوض في نظرية السينما، ثم يختم الكتاب بفصل يحوي دراسات عن السيناريو، والمونتاج، والصوت وهذه من العناصر السينمائية الأساسية.

الكتاب، بهذا المعنى، يأتي بمثابة جولة بانورامية يقوم بها الزبيدي في حقل الفن السابع الواسع والغني، وهو يفيد مشاهدي السينما، وكذلك طلاب السينما والنقاد السينمائيين، ورغم مقدرة الباحث على توظيف المصطلحات والمفاهيم والمقولات السينمائية النقدية في كتابه، لكنه يتخفف، قدر الإمكان، من اللغة الأكاديمية الصارمة التي قد تستعصي على القارئ العادي، فهو يصوغ مواضيع كتابه بلغة سلسة سهلة يسهل استيعابها من قبل غير المتخصصين، ويدرج في نهاية الكتاب ثبتاً بالمراجع التي استند إليها وهو ما يوفر قائمة مهمة من المراجع التي يستطيع أن يعود إليها نقاد السينما وعشاقها.

وبالنظر إلى افتقار المكتبة السينمائية العربية إلى كتب سينمائية، فان هذا الكتاب يعد إضافة مهمة لتلك المكتبة، فهو يحوي رأي باحث قضى زمناً طويلاً في مضمار السينما، وهذه الخبرة الطويلة أكسبت رأي الزبيدي أهمية خاصة، ففي الأحكام التي يطلقها، وفي التقييمات التي يقدمها، لا ينطلق من أهواء ذاتية شخصية بل يستند إلى خبرات نظرية واسعة وطويلة، ويتكئ على تجارب عملية، فضلاً عن الدراسة الأكاديمية، وهذه العوامل كلها تمنح الثقة للقارئ، وتخلق لديه القناعة بأن ما يكتبه الزبيدي يستند إلى أرضية صلبة من الثقافة السينمائية، وبذلك لا نبالغ حين نقول ان هذا الكتاب يعتبر مرجعاً مهماً للمتخصصين في مجال السينما، وللقارئ العادي في آن واحد.

ابراهيم حاج عبدي

*الكتاب:المرئي والمسموع في السينما

*الناشر:وزارة الثقافة السورية دمشق 2006

*الصفحات: 264 صفحة من القطع المتوسط