ما انفكّت شعوب العالم قاطبة تعاني من العنف في مختلف أشكاله وألوانه السياسية والاجتماعية والتعليمية، كما أنها ما زالت تفكّر في الكيفية التي يتسلل العنف إلى حياتها ويعيث فيها فساداً، حيث على مدار التاريخ الإنساني لم يسلم شعب من الممارسات العنيفة سواء عبر الحروب، أو من خلال الاستعباد والإكراه، ولكن إذا كان العنف لا يزال حاضراً بعد ملايين السنين من وجود الإنسان فوق الأرض، فمتى إذن يمكن للإنسان الساعي لتعميرها أن يتخلّص من معاناته، وهل ثمة مستقبل قريب تودّع فيه البشرية هذا الشكل اللا إنساني من الممارسة أو العلاقة ما بين الإنسان وأخيه الإنسان، أو ما بين قوم وقوم أو دين ودين؟ مع الأسف ما زال العنف يجدد نفسه بأشكال لا حصر لها، ولكنه من حيث الجوهر يبقى كما هو؛ الاعتماد على ثقافة القوة والسعي لإبادة الآخر بدعوى الاختلاف.

كتاب «ثقافة العنف في العالم العربي» للباحث والكاتب الصحافي المصري، يتتبع ظاهرة العنف في البلاد العربية ساعياً إلى تحديد حجمها وموقعها على الصعيد العربي، وخاصة بعد أن أدت ظروف تاريخية واجتماعية إلى توسيع نطاقها عبر تراكمات هجمات 11 سبتمبر 2001، ليؤكّد من ثمّ أن العنف في بلادنا ينطوي على أبعاد ثقافية واجتماعية بالإضافة إلى بعده السياسي.

في تقديمه للكتاب ينطلق المؤلّف من خضم الأحداث الإرهابية التي بدأت تتالى داخل العراق المحتل واختلاف زاوية النظر تجاهها والارتباك والاضطراب الكبيرين في الموقف العربي تجاه العنف الدامي فيه، ومدى خطورة هذا الارتباك الذي «يصل ذروته في توصيف عملية مسلحة بأنها «استشهادية» وأخرى بأنها إرهابية».

بمعنى أن زاوية الرؤية في هذا المقام ترتبط بالأيديولوجيا والأهواء السياسية وليس بمعايير محددة ومنضبطة. ويعتقد المؤلّف أن هذا الاختلاف إنما هو في أساسه خلل بنائي في الموقف العربي السائد تجاه العنف، وقد نتج عن شيوع ثقافة تحتفي بأيّ نوع من العنف ضد الآخر الأجنبي، حتى ولو كان عاملاً نيبالياً جاء العراق بحثاً عن لقمة العيش. وهذه الثقافة بتعبيره ما هي إلاّ «ثقافة عنف وموت وكراهية وانتقام أعمى، وبغض للإنسان وقمع لحقوق الفرد والمجتمع».

ومن جانب آخر سوف يعمل على تبيان أسباب هذا التنامي الخطير لثقافة العنف في المشهد السياسي العربي، ومن ذلك:

* فشل الدول العربية في مختلف القضايا الداخلية والخارجية.

* التفسير التآمري بأن العرب مستهدفون من قوى خارجية دأبها العمل لإضعافهم والتآمر عليهم، والسعي إلى تدمير الهوية، ليصبح أي عمل ضدّ هذه القوى موضع ترحيب مهما تكن همجيته بغض النظر عن نتائجه الحقيقية.

* الميل إلى الانتقام الأعمى أنتج خطاباً عنيفاً لا يجيد سوى الصراخ الانفعالي والتحريض المسوّق نفسه كحالة من حالات النضال الوطني.

* البحث الدائم عن مبررات لتسويق العنف نتيجة لانكسار أصاب روح الأمة.

* التخلّف الذي يمنع الإنسان من الشعور الخجل إزاء هذه الممارسات البغيضة.

وكلّ هذه الأسباب مجتمعة بتعبيره تجد مرتكزها الأساسي في العصر العباسي ومع قيام الخليفة المقتدر بالله بإحلال دم كلّ من يقول بأفكار المعتزلة، مما هيأ لثقافة تنتج موقفاً عدمياً يناقض أي عقيدة نبيلة، وبالتالي فإن ثقافة العنف ستواظب في الازدياد مع ازدياد التخلّف في طريقة التفكير والنظر إلى أنفسنا والعالم، فيكمن في الأذهان اعتقاد ساذج بأن القوة هي السلاح الأمثل، حتى ولو كان سلاح العصور الوسطى، وليس سلاح العلم والتقدّم التكنولوجي والإنجاز الاقتصادي.

في الموقف العربي من العنف ضدّ الآخر. يختزل المؤلّف هذا المعنى في مقولة «أزمة الفكر وفكر الأزمة» فيصطحب القارئ في جولة سياسية تحليلية في البلدان العربية، راصداً الاتجاهات السياسية ومحللاً أبعادها، ليؤكّد مقولة، وهي أن الذهنية العربية لديها استعداد كامن في قبول وتأييد العنف، وإن لم يكن هذا الاستعداد عاماً، إلاّ أنه بطبيعة الحال ليس استثناءً أيضاً،

والمثال الذي يورده على ذلك، نموذج صدام حسين الذي بطش بالملايين في العراق وإيران والكويت، قد تغاضى العامة والمثقفون عن بطشه، بل إنه لقي تأييداً واسعاً إلى درجة اعتباره زعيم الأمة: «وقف آلاف المثقفين والسياسيين العرب مع صدام، وتواطأوا على جرائمه بدعوى أنه يواجه أعداء الأمة، فكان خطابه الغوغائي هو الجاذب لكثير من هؤلاء».

ويعزو المؤلّف هذا التطرف في المواقف إلى تهافت الفكر السياسي العربي بمختلف توجهاته الفكرية: الليبرالي، اليساري، ومن ثمّ القومي. ويسعى إلى تأكيد ذلك بمزيد من التفاصيل الداعمة لرأيه في أسباب تنامي ظاهرة العنف، وتديين الصراع بيننا وبين الغرب، وخصوصاً أميركا. في الفصل الثاني المعنون بـ «الموقف العربي من العنف تجاه الآخر الأجنبي»، يتّجه المؤلّف لتبيان خطورة استخدام مفهومي «الجهاد» و«الاستشهاد» على الأمة نتيجة إساءة تفسيرهما وإساءة استخدامهما، وليبيّن في الوقت نفسه ضرر آراء العلماء وفتاويهم، فيناقش كلاً من المفكر الإسلامي طارق البشري، والشيخ القرضاوي، ليستنتج أن خطاب القرضاوي والبشري لا يستطيع إدانة العنف ضدّ المدنيين، كما أنهما لم يقوما بدور مهم في ترشيد الميل المتزايد إلى العنف في المجتمعات العربية بكلّ ما ينطوي عليه من انفعال وعشوائية وبما يرتبط به من تعطيل العقل والنأي عن الحكمة: «فالأكثر منطقية هو أن يفزع الشيخ القرضاوي من استسهال مطالبة شبابنا بقتل أنفسهم، وأن ينصحهم بأن يجاهدوا في طلب العلم». لأن الأمم تكسب معاركها بالعلم، وليس بالقنابل الموقوتة والأحزمة الناسفة.

هذا بالإضافة إلى أن تبرير العنف ضدّ الآخر له آثار وخيمة وينطوي على مخاطر كبيرة، ومن ذلك الوقوع في الفخ الذي نصبه الأكثر تطرفاً بين العرب والمسلمين، وهو الادعاء بأن العنف ضد الآخر الأجنبي، يهدف إلى تحقيق مصالح الأمة، بينما هدفهم النهائي هو السلطة بدليل الهجمات الإرهابية على أكثر من بلد عربي كالسعودية ومصر وغيرهما.

ومن ذلك أيضاً، سهولة خلق وترويج أفكار زائفة، إذ روّج أنصار العنف عقب الحرب على العراق، ان العرب والمسلمين خرجوا مهزومين أمام أميركا تأكيداً لمفهوم الفسطاطين الذي طرحه ابن لادن. ولكن الحاصل أن العرب لم يهزموا وكذلك الشعب العراقي الذي لا يعتبر نفسه مهزوماً.

أما في الفصل الثالث المعنون بـ «ازدواجية الموقف العربي تجاه العنف ضدّ الآخر» فإنه يستهله بمسألة التسامح، إذ يرى أن النمط الغالب في موقف العربي والمسلم لا يعرف التسامح، ولا يعرف هذا التسامح طريقاً إليه عندما يختلف مع غيره إلاّ فيما قل وندر، ويعزو ذلك إلى ثقافة موروثة لا تقبل التعدد والاختلاف، وغياب التقاليد الديمقراطية في العصر الحديث، هذا بالإضافة إلى دور الاستعمار في إعاقة التحوّل الثقافي من الأحادية إلى التعددية، وسيفصّل في هذا الجانب مطوّلاً، وعلى نحو مقنع من خلال العودة إلى التاريخ القريب والواقع السياسي الحديث: سلوك الاستعمار في الهند ومصر، أزمة العراق والحكم الاستبدادي الشمولي وأمته مع أميركا، هذا بالإضافة إلى تحليله لازدواجية الموقف العربي تجاه العنف والنقاشات التي تدور في وسائل الإعلام المختلفة حول هذه المسألة وتباين وجهات النظر فيها، إلاّ أن الأزمة تكمن في ردّة الفعل على ازدواجية المعايير لدى أميركا والدول الغربية، وخصوصاً استثناء إسرائيل من كلّ ما يتعلّق بالشرعية الدولية بدءاً من إرهاب الدولة الذي تمارسه ووصولاً إلى احتكارها السلاح النووي وغيره من أسلحة الدمار الشامل، وهذا بدوره سيقودنا إلى «أثر الموقف العربي من العنف على قضية فلسطين» الفصل الرابع والأخير من هذا الكتاب الإشكالي والجريء في أطروحاته، إذ يتعرّض لمسألة الاستشهاديين الفلسطينيين الذين يفجّرون أنفسهم لقتل عدد من الإسرائيليين، ليتأسف على زمن المقاومة الفلسطينية التي «حصرت نفسها وسجنت قضيتها في نوع واحد من العمليات المسلّحة، وهي العمليات الانتحارية التي أضفت عليها قدسية بالغة لمجرد تسميتها بـ «الاستشهادية».

وعلى الصعيد العربي، سوف يشير المؤلّف إلى أن العرب صفّقوا وطربوا لهذا النوع من العمليات، بينما قليل منهم فطنوا إلى أن ضرر هذا النوع من العمليات يفوق نفعه، وخصوصاً بعد أحداث 11 سبتمبر التي ألّبت العالم ضد هذا الشكل من المقاومة، وإلى ذلك فإنه سوف يؤكّد بأن المقاومة لم تدرك خطر هذا النوع من العمليات بعد 11 سبتمبر بسبب الأخطاء المتراكمة، وبسبب الشعبية الواسعة التي حظيت بها، بعد أن أصبحت جهاداً مقدّساً لمجرد وصفها بأنها استشهادية.

الأمر الذي أتاح لإسرائيل شنّ حملة دعائية منظمة للربط بين إرهاب تنظيم القاعدة، ومقاومة الفصائل الفلسطينية، وبنجاح حكومة شارون في إيجاد خلط لا سابق له ما بين المقاومة والإرهاب، مما مكّن الصهاينة من رفع سقف إرهاب الدولة الذي مارسته بشكل منتظم لإنهاء المقاومة وإضعاف قدرتها على العمل المسلح، في الوقت الذي حظيت فيه المسألة الفلسطينية بتأييد دولي، وتنطبق عليها قرارات الشرعية الدولية، وثبوت حقّ الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال عسكرياً ومدنياً، ولكن ليس على طريقة ابن لادن الجهادية والتي لم تنتبه حركتا «حماس» و «الجهاد» إلى مخاطرها المتزايدة على الصعيد العالمي، وفي هذا الصدد يقول: ولأن النضال من أجل التحرر الوطني هو عمل سياسي في المقام الأول، فقد بدأت قضية فلسطين تفقد طابعها الأساسي كحركة تطوّر وطني في نظرة قسم يعتدّ به في العالم إليها، ففي غياب السياسة تحوّل العمل الفلسطيني المسلح إلى موقف انتقامي ردّاً على الاعتداءات الإسرائيلية، إذ أدرك شارون أن هذا التحوّل يمثل مكسباً آخر لإسرائيل، فمضى باتجاه تصعيد هذه الاعتداءات، وجعل التصفية الجسدية أو الاغتيال سياسة رسمية معلنة لحكومته.

*الكتاب: ثقافة العنف في العالم العربي

* تأليف:د. وحيد عبدالمجيد

*الناشر:الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة 2006

*الصفحات: 200 صفحة من القطع المتوسط