مؤلف هذا الكتاب هو فواز طرابلسي وقد صدر له من قبل العديد من الكتب منها «الأعمال المجهولة لأحمد فارس الشدياق» بالاشتراك مع عزيز العظمة، وكتاب «صورة الفتى بالأحمر ـ يوميات في السلم والحرب»، فضلاً عن العديد من الترجمات منها «عشرة أيام هزت العالم»، لجون ريد، وكذلك كتاب إدوارد سعيد «خارج المكان».
وفي كتابه الجديد الذي يأتي في ذكرى مرور نحو ربع قرن على الغزو الإسرائيلي الأول للبنان يتأكد لنا صحة مقولة ما أشبه الليلة بالبارحة، حيث جاء الكتاب على وقع عمليات غزو إسرائيلي ثانٍ للبنان وهو ما كرر مشاهد ومجازر عكست الوحشية الإسرائيلية التي جرت في الغزو الأول، وفي ذات الوقت ضراوة المقاومة ونجاحها في إحباط أهداف العدوان.
من اليوم الرابع للغزو يبدأ المؤلف تناوله لموضوعه متطرقاً إلى ما يسميه شريعة بيجين حين راح يركز على حق أطفال إسرائيل في الذهاب إلى المدارس بأمان أسوة بأطفال لندن وباريس ونيويورك.. فالسلامة لأطفال الجليل.. أما لأطفال لبنان فلهم القنابل العنقودية والانشطارية والفسفورية، المدرسة لأطفال الجليل واللعب المفخخة والأقلام المسمومة لأطفال لبنان وفلسطين.
وفي كشف عن الطبيعة النازية للدولة الإسرائيلية يشير المؤلف إلى تصريح لضابط إسرائيلي في بعبدا المحتلة لمراسل التايمز اللندنية يقول فيه يجب أن يموت الفلسطينيون إنهم وباء. ويسأله الصحافي البريطاني إذا كان حديثه عن الفلسطينيين يشبه حديث هتلر عن اليهود فلا يتردد في الإجابة: نعم إنه يشبهه!
وينقلنا المؤلف إلى اليوم التاسع عشر حيث يتكرر أحد مشاهد ردود الفعل بشأن العدوان الإسرائيلي، فإذا كان شافيز بدا هو البطل في ردود الفعل على العدوان الأخير على لبنان، فقد احتل الكوبيون المشهد في فترة الغزو الأول، حيث حط وزير الخارجية الكوبي مالميركا في بيروت الغربية المحاصرة ليلتقي القيادات الوطنية اللبنانية والفلسطينية، وسط تقدير كبير للمبادرة الكوبية، حيث كان أول مسؤول غربي أو أجنبي يجازف بحياته لينقل إلى اللبنانيين تضامن شعبه وثورته وسط تساؤل عن الموقف السوفييتي الرادع للعربدة الأميركية الإسرائيلية.
من المفارقات أنه في هذا اليوم طال القصف الإسرائيلي السفارة السوفييتية فيما يقول المؤلف انه بدا وكأنه رد إسرائيلي على تصريح ليونيد بريجنيف الذي أدان فيه الهجوم الإسرائيلي على بيروت.
وسط كل ذلك خرج رونالد ريغان ليعلن بلا تعليق استقالة وزير خارجيته الكسندر هيج فيما بدا أن الأسباب مرتبطة بالخلافات على السياسة الخارجية، في ذات الوقت الذي راحت فيه إسرائيل تبدي أسفها وتمتدح هيج كحليف للدولة العبرية.. فيما العرب دعوا إلى اجتماع طارئ لوزراء الخارجية في تونس.
واستمراراً للمواقف الأميركية وفي عودة إلى الماضي وعلى شاكلة تأييدها للعدوان الأخير في يوليو الماضي فإن الولايات المتحدة استخدمت الفيتو في مجلس الأمن ضد مشروع قرار فرنسي بفصل القوات حول بيروت، في الوقت الذي تسود فيه أجواء الذعر لبنان وألوف السيارات المكتظة تتجه صوب بيروت الشرقية.
وسط كل ذلك وزراء الخارجية العرب يناقشون أربع أوراق عمل متضاربة ولا نتيجة وفؤاد محيي الدين نائب رئيس الجمهورية المصري يبلغ السفير الأميركي انزعاج حكومته مما يجري في لبنان.
ومن مذكرات المؤلف في 4 يوليو تتواصل المفارقات التي تثير الدهشة فوسط تطورات الحرب يخرج 100 ألف متظاهر في تل أبيب ضد الحرب في لبنان يطالبون باستقالة بيجن وشارون، ويعلق فواز طرابلسي على ذلك بالتعجب قائلاً: إسرائيل تشن عليك الحرب وإسرائيل تتظاهر ضد حربها والإسرائيلي يقتلك والإسرائيلي هو الذي يمشي في جنازتك، وتكاد أن تعجب بديمقراطية عدوك.. والعرب صامتون.. أقسى من الحصار.. أوجع من صراخ الأطفال ومن أنين الجرحى..
أفظع من مناظر الجثث والدمار.. وأقتل من قصف القنابل ... وأعلى دوياً، هذا الصمت العربي، وإذا نطق فكفراً، رسالة من حاكم عربي يحث فيها المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية على الانتحار ولا العار. ويقول المؤلف: الانتحار شارفناه، أما العار فعليكم جميعاً. وكفى تخريفاً عن مسؤولية الحكام والأنظمة، متسائلاً عن حركة التحرر الوطني العربية وأزمتها المدللة، ولماذا لا تتحرك الجماهير العربية؟
ومرة أخرى ما أشبه الليلة بالبارحة وفيما يشير إلى أن المنطقة لا تزال تبدو عصية رغم كل أجواء السقوط يشير المؤلف إلى أنه في اللوموند ديبلوماتيك كشف الصحافي الإسرائيلي آمون كبليوك عن مشروع نظام إقليمي جديد للمنطقة تحت المظلة الأميركية وفي خدمة استراتيجية التدخل السريع والمشروع حمله آرييل شارون في زيارة سرية إلى واشنطن تمهيداً لغزو لبنان وهو يشتمل على إسداء ضربة شاملة إلى سوريا على افتراض ان الغزو نفسه يكون قد قضى على منظمة التحرير وخريطة جديدة للمنطقة تحول هذه التغييرات: لبنان مسيحي، ضفة غربية إسرائيلية، وأردن فلسطيني!
وفي الخامس من أغسطس ومع دخول الغزو مراحل دامية يكون العنوان الرئيسي في «السفير» «بيروت تحترق ولا ترفع الأعلام البيضاء» وناجي العلي الخارج لتوه من تحت أنقاض مخيم عين الحلوة يرسم هذه اللوحة: حنظلة بالكوفية يقدم وردة للعروس بيروت التي تطل من خلف الدمار: صباح الخير يا بيروت.
لقد أصبحت بيروت في هذه الفترة بلا ماء، فعلى المعابر كانت تصادر زجاجات المياه والسوائل ولو كانت رضاعات الأطفال، ممنوع أن تتسرب قطرة ماء واحدة إلى هذه العاصمة المحترقة بالقنابل والظمأ، لأسبوع واحد أعادوا ضخ المياه بأمر من واشنطن وتل أبيب ثم عادوا فقطعوها لمزيد من القهر، الآبار تنضب، والمياه صارت مالحة.
بيروت بلا دواء كذلك فعلى المعابر منعوا سيارات الصليب الأحمر من نقل وحدات من الدم إلى بيروت الغربية معظم المستشفيات والمستوصفات أصيبت خلال القصف. وفي إطار الصورة بالغة الكآبة لما وصل إليه حال العاصمة يشير إلى أن بيروت تحولت إلى مدينة بلا كهرباء، وإن كان الناس اعتادوا ليالي الشموع وقناديل الغاز.
ومن واقع ما كان يقدم من تصريحات خلال تلك الفترة يتساءل المؤلف عما كان يجري إعداده لبلاده فمن الولايات المتحدة يعلن شمعون بيريز أن الحل الأقرب إلى التحقيق في لبنان هو تقسيمه وإعادته مصغراً إلى حدود ما قبل الحرب العالمية الأولى. ويتساؤل طرابلسي: إذا كان هذا هو هديل الحمائم الإسرائيلية، فكيف تفعل مخالب الصقور؟
ثم ينتقل بنا بعد ذلك إلى مشاهد الرحيل للمقاتلين الفلسطينيين فهم ينسلخون عن هذا الجمع وذاك ويغادرون.. لم يكن لهم وطن، ابتنوا لهم هنا شبه وطن وما استوطنوه وما ملكوه ولكن شبه لهم.. وهاهم يغادرون يحملون وطنهم معهم في دموع النساء، في الجراح والندوب، في الجيوب، وفي الكوفيات والبنادق. لقد استوطنوا الشجاعة وستكون الشجاعة وطنهم إلى أن يصير لهم وطن.
ومن توديع المقاتلين إلى مقعد أمام التلفزيون وسط جمع من الرفاق لمشاهدة وقائع جلسة انتخاب رئيس الجمهورية الجديد في الفياضية. الجو متوتر والمراهنات على أشدها. يكتمل النصاب أم لا يكتمل، وإذا اكتمل فهل ينال الـ 47 صوتاً الضرورية لفوزه أم لا؟ وعلى عجل يعلن رئيس المجلس فوز بشير الجميل رئيساً للجمهورية.
وفي محاولة لإحصاء الضحايا يرصد المؤلف في يومياته ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية عن مصدر صحي مقرب من الأمم المتحدة مفاده ان 6775 شخصاً قتلوا و30 ألفاً جرحوا في المنطقة الغربية من بيروت خلال الهجمة الإسرائيلية التي بدأت في 6 يونيو، فيما أبسط التقديرات تتحدث عن 12 ألف قتيل، والأكثرية الساحقة من الضحايا مدنيين (80%).
ويعرج المؤلف بعد ذلك في يومياته على مجزرة صبرا وشاتيلا حيث أشارت أول التقديرات إلى مقتل 300 قتيل، من النساء والشيوخ والأطفال.. المجرمون استخدموا الفؤوس، بقروا البطون ومثلوا بالجثث بعد القتل جمعوا الرجال في المدينة الرياضية ونقلوا المئات إلى جهات مجهولة. يتم اغتيال البشير ويصفه شارون بأنه قتل لأنه كان يريد السلام مع إسرائيل.
الأكثر مدعاة للسخرية حسبما يشير المؤلف أن شارون راح يعتبر ان مجزرة 16 و 17 سبتمبر ـ صبرا وشاتيلا ـ تؤكد ضرورة بقاء الجيش الإسرائيلي في بيروت وأنه لولا وجوده لكانت المجزرة أعم وأوسع.
ويعلق المؤلف قائلاً أنه يريد أن يقتلك ويريد عرفانك بالجميل لأن المجزرة لم تكن أشمل، وهذا الذئب الإسرائيلي يرضع بنهم من جراح الحرب الأهلية.
وتتداعى الأحداث وتصل قوات المارينز وتنتشر في المطار ومحيط القصر الجمهوري وريغان يعلن أن المارينز باقون في لبنان إلى حين خروج كل القوات الأجنبية ويبرئ الولايات المتحدة من المسؤولية عن مجزرة المخيمات. ومع إسدال الستار على الحرب يقوم المؤلف بجولة في شوارع بيروت التي عادت إليها الجلبة.. البوتيكات تنمو كالفطر، بوتيكات على عدد ما سقط من شهداء، بوتيك لكل شهيد. ترى ما العلاقة بين الموت والتجارة؟
مصطفى عبدالرازق
* الكتاب: عن أمل لا شفاء منه
*الناشر:رياض الريس للكتب والنشر ـ بيروت 2007
* الصفحات:109 صفحات من القطع المتوسط

