مؤلف كتاب «الكشف عن وجوه القراءات السبع» وعللها وحججها هو العلامة «أبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي» الذي ولد بمدينة «القيروان» سنة 355 هجرية وقد درس منذ طفولته على علماء هذه المدينة وشيوخها وكانت القيروان محجة العلماء وطلاب العلم ثم كانت الرحلة التي أغنت تلك المعرفة.
وقد شد الرحال إلى مصر ولم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره، وهو في «مصر» أو «القيروان» كان يلقى الشيوخ ويأخذ عنهم، ويستدرك ويستكمل على هؤلاء أو هؤلاء، ولا يقصر ولا يكل، وهكذا كان إماماً بالعلم وفاضلاً في الخلق متبحراً في فنون العربية والحفظ والأدب. ذكر الذهبي: أنه كان من أوعية العلم مع الدين والسكينة والفهم، وهو شيخ الأندلس وعالمها، وكان من أهل التبحر في العلوم، وظل هكذا حتى توفي ستة 437 هجرية وقد ناهز الثانية والثمانين.
و قد كان كما ذكره علماء عصره ودارسوه أنه كان واضح الأسلوب في كل ما ترك من آثار، ففي مقدمة «كتاب التبصرة» يقول: جمعت في هذا الكتاب من أصول ما فرق في الكتب وقرب البعيد فهمه على الطالب، واعتدت حذف التطويل والإتيان بتمام المعاني مع الاختصار، ليكون تبصرة للطالب وتذكرة للعالم.
ومن يقرأ قائمة مؤلفات العلامة «مكي» سيرى بأنها تضم كتباً كثيرة في علوم القرآن حتى وصلت إلى قرابة سبعة وستين كتاباً لعل كتاب «التبصرة في القراءات» يعتبر من أهمها فقد جاء في خمسة عشر جزءاً، ثم يأتي بعده كتابنا هذا «الكشف عن وجوه القراءات السبع» في عشرين جزءاً ثم تأتي كتب علوم اللغة في اثني عشر كتاباً، ثم في الفقه وعلم الكلام في واحد وعشرين كتاباً، ليصل مجموع ما ألفه العلامة إلى مئة كتاب، أما كتابه «الكشف عن وجوه القراءات السبع» فهو من أواخر كتب العلامة «مكي».
وقد ألمح في بداية الكتاب إلى أنه كان قد ألف بالمشرق كتاباً مختصراً في القراءات السبع ليعيد ذلك من جديد في هذا الكتاب الضخم، حيث يذكر وجوه القراءات وأقاويل النحويين وأهل اللغة في ذلك إلى أن يقول: وها أنذا أبدأ بذلك أذكر علل ما في أبواب الأصول، دون أن أعيد ذكر ما في كل باب من الاختلاف، وترتيب الكلام في علل الأصول على السؤال والجواب، ثم إذا صرنا إلى فرش الحروف ذكرنا كل حرف ومن قرأ به وعلته، وحجة كل فريق، ثم أذكر اختياري في كل حرف وآية على علة اختياري لذلك.
كما فعل من تقدمنا من المقرئين فالتأليف عنده تنظيم للمادة، وحصر للمتشابهات والنظائر وعناية تامة بمعالجة المسائل مجموعة، وتبويب لموضوعات البحث والمسائل بعد المقدمة، يبدأ المؤلف «باب علل الاستعاذة» قائلاً: إن سأل سائل فقال: لأي شيء جيء بالاستعاذة في أول الكلام؟ فالجواب: إن الاستعاذة دعاء إلى الله عز وجل ذكره واستجارة به من الشيطان، وامتثال لما أمر به نبيه عليه السلام إذ قال له في كتابه: فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم.
ثم ينطلق إلى علل الاستعاذة والبسملة ومنها قوله: فما علة من اسقط التسمية بين كل سورتين ولم يثبت التسمية إلا في أول قراءته ؟ فالجواب: أنه لما كانت «بسم الله الرحمن الرحيم» ليست بآية من كل سورة فيجوز إسقاطها لئلا يظن ظان أنها آية من أول كل سورة، فالقرآن كالسورة الواحدة .
ثم يناقش سورة الحمد فيقول: «مالك يوم الدين» قرأ عاصم والكسائي بألف، وروي عن الكسائي أنه خيّر في ذلك وقرأ الباقون «ملك» بغير ألف وحجة من قرأه بألف إجماعهم على قوله «قل اللهم مالك الملك» ولم يقل «ملك» وأيضاً فإن «مالك» معناه المختص بالملك ومعناه سيد ورب فيقول: هم ملك الناس، أي ربهم وسيدهم ولا يحسن هذا المعنى في يوم الدين. لو قلت هو سيد يوم الدين لم يتمكن المعنى.
وإذا قلت: مالك يوم الدين تمكن المعنى لأن معناه هو المختص بملك يوم الدين. وحجة من قرأ «ملك» بغير ألف إجماعهم على «الملك القدوس» و«وملك الناس» و«والملك الحق». وهكذا يأخذنا هذا العلامة إلى تفصيلات مدهشة في مناحي المعرفة لنزداد معرفة ويقيناً.