شهد القرن السابع عشر قبل الميلاد لحضارة الآشوريين عصرا ذهبيا للأدب، ويدين معظم الأكاديميين في العصور الحديثة لهذا العهد الذهبي من الأدب البابلي الذي دون على الألواح الحجرية والطينية تاريخ حضارتهم وأدبهم. وقد التزمت تلك الألواح الصمت دهرا من الزمن، حتى نجح الكولونيل رولينسون من فك رموز أبجديتها في عام 1850.

ومن ضمن أهم النصوص التي عثر عليها مكتوبة على عدد من الألواح الحجرية، الملحمة الأكادية «أتراهاسيس» التي يقول الباحثون بأنها كتبت عام 1700 قبل الميلاد في عهد حفيد حمورابي، آمي صادوقا الذي حكم خلال الفترة من 1646 إلى 1626 ق م، وقد وجدت تلك الأجزاء في مكتبة آشور بنيبعل.

وأبطال هذه الملحمة ينقسمون إلى ثلاث مراتب. في المرتبة الأولى كبار الآلهة وهم: الإله إنليل حامي الأرض، والإله آنو حاكم السماء، والإله إنليل حامي المياه العذبة والمحيطات، والآلهة الأم، أما في المرتبة الثانية فتأتي الآلهة الأقل شأنا وقوة منها آداد إله الرعد والوزير الإله نسكو وإله الوباء نامتار، وفي المرتبة الثالثة الإنسان ومنهم الملك أتراهاسيس الذي عاش آلاف السنين.

ويتناول الجزء الأول من الملحمة قصة الخلق أما الجزء الثاني فيحكي قصة الفيضان. وجدير بالذكر أن ملحمة جلجامش قد اقتبست قصة الفيضان من هذه الملحمة، وإن تم إجراء بعض التعديلات على صعيد تغيير بعض العبارات الأدبية وعلى صعيد تجريد الآلهة من أية مشاعر ومتطلبات إنسانية.

تبدأ قصة الملحمة قبل ظهور بطلها الملك أرتاهاسيس، والجزء الأول يروي بأنه كان على الآلهة من المرتبة الثانية أن تقوم بشق قنوات الحياة وإزالة الركام، فقد حفرت مسار نهر دجلة ثم نهر الفرات. وبعد مضي 600,3 عام من العمل، بدأت الآلهة بالتذمر من صعوبة العمل، وقررت إعلان العصيان وقامت بحرق المعدات والتجمع حول معبد رئيس الآلهة إنليل.

يحذر الوزير نسكو رئيسه إنليل من الغضب العارم في الخارج، ويشير عليه بدعوة كبار الآلهة آنو وإنكي. يقترح آنو اعتقال قائد العصيان، وحينما يذهب الوزير إلى عامة الآلهة طالبا قائدهم، يجيبون بالقول: كل آلهة منا أعلنت الحرب.

وحينما يدرك كبار الآلهة مشاق العمل الموكل لأتباعهم، يقررون التضحية بواحد من المتمردين وذلك بغية قيامهم بتكوين الإنسان، من خلال مزج جسد ودماء الآلهة المضحى بها بالطين.

وعليه قام إنكي بالتعاون مع آلهة الرحم بأخذ الصلصال إلى «غرفة القدر»، وهناك وبممارسة بعض الشعائر يتم تقسيم الصلصال إلى 14 قطعة. سبع منها توضع جهة اليسار وسبع منها جهة اليمين. وهكذا أصبحت القطع جهة اليمين رجالا والقطعة جهة اليسار نساء.

أما الجزء الثاني من الملحمة، فيبدأ بنجاح هذا الحل بالنسبة للآلهة، حيث قام الإنسان بالعمل وتوفير القوت والشراب للآلهة. ولكن بعد مضي 1200 عاما ازداد عدد البشرية بصورة أدت إلى إقلاق نوم الآلهة إنليل بسبب الضجيج العارم.

عندها لجأ إنليل إلى كبار الآلهة بحثا عن حل لهذه المشكلة، واقترحوا عليه أن يأمر أحد الآلهة بنشر الوباء بين البشر. وبعد أن عم الوباء، لجأ الملك الحكيم أتراهاسيس إلى إلهه إنكي طالبا مساعدته. ونصحه الآخير بأن يوجه الناس عبادتهم وأضحياتهم إلى إله الوباء نامتار. شعر نامتار بالحرج أمام هذا الاهتمام الكبير به وعليه أوقف الوباء.

وبعد مضى 1200 عاما أخرى تضاعف عدد السكان إلى درجة أقضت مضجع الآلهة إنليل مجددا. حينها أمر بأن يعم الجفاف لإنقاص عددهم وطلب من آداد إله الرعد حجب أمطاره. مرة أخرى لجآ أتراهاسيس إلى إنكي الذي نصحه بالحل السابق، وهكذا تعاطف آداد معهم وأطلق للمطر العنان.

ومع انقضاء 1200 عام أخرى عاد الضجيج أضعافا مضاعفة. هذه المرة أراد إنليل حلا لا تضعف مع أية آلهة. وعليه أعلن حظرا عاما على جميع آلهة هبات الطبيعة. وبات آنو وآداد حراسا للسماء وإنليل للأرض وإنكي للماء، وذلك للتأكد من عدم تقديم أي نوع من المساعدة للإنسان.

ومن بقايا الأجزاء التي عثر عليها، يستشف بأن خطة المجاعة الكاملة للقضاء على العنصر البشري لم تنجح تماما وذلك بسبب تعاطف إنليل مع مصاب البشرية، من خلال تسريب عدد كبير من الأسماك لتأمين الطعام للناس الجياع.

ومع غضب إنليل من تصرف إنكي الذي زاده عنادا، أمر بقيام طوفان يقضي على جميع سكان الأرض.

حينها تحدث الإله إنكي بصورة غير مباشرة مع الملك الحكيم من خلال توجيه كلامه إلى جدران سكن أتراهاسيس كي لا يحنث بعهد الآلهة، وأشار إليه بمغادرة المدينة وتشييد قارب من دورين مع سقفه. ومع بدء آداد بالرعد وقذف ما في جوفه تأثرا بالمصاب، وضع الملك في القارب كل نوع من الحيوانات في الدور الأرضي، وعائلته في الدور الأعلى وختم المنفذ بمادة القار أو ما شابهها تبعا لنصيحة إلهه.

ومع بدء كارثة الطوفان بدأت الآلهة الأم بالبكاء حزنا على سكان الأرض والشكوى بمرارة من إنليل وآنو وضعف بصيرتهم بشأن هذا القرار، فمن غير هؤلاء البشر كان يؤمن للآلهة الطعام والشراب! وبعد مضي سبعة أيام وسبع ليال من المطر بدأ الفيضان بالانحسار، حينها نزل أترهاسيس ومن معه من القارب وسرعان ما قدموا الأضحيات للآلهة وحينما اشتمت الآلهة رائحة الطعام تحلقت كالذباب حول العطايا.

ثار إنليل غضبا لرؤية القارب مدركا ذكاء إنكي ونفاذ بصيرته، وفي النهاية استطاع إنكي إقناع إنليل بخطة إنسانية أكثر فعالية للتعامل مع العنصر الإنساني حيث اتفق مع آلهة الرحم نينتو، أن يكون ثلث النساء غير قادرات على الإنجاب، كما ابتدعا عدة مراتب للنساء في المعبد تحرم عليهن إنجاب الأطفال.

ونظرا لعدم العثور على ألواح أخرى فلم يعرف إن كانت قصة الملحمة تنتهي عند هذا الحد أم لها تتمة.