مؤلفا هذا الكتاب هما شخصيتان معروفتان في الحركة الدولية لمناهضة الحروب. جلبرت أشقر أستاذ للعلوم السياسية في جامعة باريس الثامنة وله العديد من المؤلفات منها «تصادم البربريات وأشكال الإرهاب والفوضى الدولية» وميشيل وارشفسكي هو أحد المناضلين في حركة السلام الفلسطينية-الإسرائيلية منذ عام 1968، ومؤلف كتاب: «الأصوات المعارضة في إسرائيل».

هذا الكتاب «حرب ال33 يوما» الذي تشهده رفوف المكتبات الفرنسية في مطلع عام 2007 يقدم تحليلا للحرب التي شنّتها إسرائيل على لبنان عامة، وحزب الله خاصة، منذ فجر 12 يوليو حتى 14 أغسطس من عام 2006 ولنتائجها، ويعتمد المؤلفان في تحليلاتهما على منهجين أساسيين يتمثلان في الملاحظة الدقيقة للسياق السياسي والاستراتيجي الذي قامت به تلك الحرب ومن جهة أخرى «يضعانها» في إطار منظورها التاريخي.

ويؤكدان على أن هذه الحرب، وبعيدا عن أن ترغم حزب الله على أن يلقي أسلحته فإنها حولته إلى «أهم» أعداء إسرائيل من جهة ورفعت رئيسه حسن نصرالله إلى مرتبة البطل العربي الأكثر شعبية منذ جمال عبدالناصر، هذا فضلا عن أن هذه الحرب الأخيرة قد أثارت في إسرائيل أخطر أزمة منذ حرب أكتوبر 1973.

تتوزع مواد هذا الكتاب بين أربعة فصول وخاتمة ويمكن اعتبارها فصلا خامسا، يحمل الفصل الأول عنوان «لبنان» والثاني «حزب الله» والثالث «حرب الـ33 يوما» والرابع «إسرائيل بين حربها الثانية في لبنان وبين مساهمتها في الحرب العالمية لواشنطن» أما الخاتمة فعنوانها هو: «سفينة جانحة».

يبدأ مؤلفا هذا الكتاب في وصف حرب الـ33 يوما بأنها «عوّضت في المخيلة العربية الإحساس بالذل الذي أثارته حرب الأيام الستة بين فجر 5 يونيو ومساء العاشر منه» وعلى العكس ولّدت داخل إسرائيل الإحساس أن لبنان هو «فيتنام إسرائيل» لاسيما بعد الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني في شهر مايو 2000 بعد 18 سنة من الاحتلال.

وتتم الإشارة إلى وجود «تصنيفين» رئيسيين لحرب الـ33 يوما في جنوب لبنان حيث يعتبرها البعض بأنها «الجولة السادسة» في الحرب العربية ـ الإسرائيلية ـ 1948، 1956، 1967، 1973، 1982 ـ أو الغزو الإسرائيلي الثالث للبنان ـ 1978، 1982، 2006.

وفي الحالتين تُظهر هذه التواريخ كلها تصعيد العنف في منطقة الشرق الأوسط التي تبدو أنها من بين جميع مناطق التوتر في العالم هي المنطقة التي ولّدت ولا تزال تولّد بطريقة متعاظمة قدرا من العنف يتعدّاها ليأخذ بعدا عالميا، وبالتالي يبدو «من المنطقي» أن يكون للأحداث الكبرى التي تجري فيها أصداء على المستوى العالمي.

وفي الفصل المخصص لـ«لبنان منذ البدايات حتى 12 يوليو 2006» يوضح جلبرت أشقر ـ ميشيل وارشفسكي كتب فقط الفصل الخاص بإسرائيل ـ كمدخل لبحثه ان لبنان ومنذ أن تواجد ك«دولة مستقلة» ـ جرى إعلان الاستقلال عام 1943 لكن جلاء آخر القوات الاستعمارية كان عام 1946 ـ كان «ميدانا» لنزاعات إقليمية ودولية.

ويستعير الكاتب هنا تعبيرا كان قد استخدمه البريطاني مالكولم في كتابه الصادر عن جامعة أوكسفورد عام 1970 تحت عنوان: «الحرب الباردة العربية: جمال عبدالناصر ومنافسوه 1958 ـ 1970». التعبير المستعار هو «الحرب الباردة العربية» الذي أراد المؤلف أن يشير من خلاله إلى أن لبنان كان دائما أحد مسارحها.

كان لبنان قد شهد بعد إعلان ميثاق استقلاله عام 1943 أول حرب أهلية في تاريخه عام 1958، وكانت حربا قصيرة دفعت الرئيس الأميركي آنذاك دوايت ايزنهاور إلى اتخاذ قرار إرسال قوات من المارينز إلى لبنان في شهر يونيو 1958 وانتهت تلك الحرب بـ«مصالحة» أوصلت إلى السلطة الجنرال فؤاد شهاب، وبعد فترة ازدهار اقتصادي سريع خلال عقدي الخمسينات والستينات الماضيين شهد لبنان، إثر تضافر عوامل ظرفية وبنيوية أيضا، حربا أهلية طاحنة ما بين عام 1975 وعام 1990.

وكانت الحرب الأميركية ـ الإنجليزية الأخيرة ضد العراق قد شكّلت، حسب التحليلات المقدّمة، قطيعة مع إطار العام الذي ساد في لبنان بعد نهاية الحرب الأهلية؛ لاسيما أن «واشنطن وباريس أعلنتا عن موقف عدائي واضح ضد دمشق وطهران»، وكانتا وراء إصدار قرار الأمم المتحدة رقم 1559، ويرى جلبرت أشقر أنه «بعد أفغانستان والعراق يشكل مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي أطلقته إدارة جورج دبليو بوش المرحلة الثالثة في هجومها الإمبريالي» والتي أعطت الولايات المتحدة الأميركية فيها ـ أي المرحلة الثالثة ـ الأولوية لـ«العمل ضد إيران وحلفائها».

ونظرا لموازين القوى في الواقع اللبناني بعد خروج القوات السورية فرضت نتيجة. ويحدد المؤلف هذه النتيجة بالقول: «إن نتيجة محددة فرضت نفسها وهي أنه كان لا بد من تدخل خارجي من أجل تغيير موازين القوى في لبنان وايجاد ظروف مناسبة لحلفاء واشنطن اللبنانيين كي يقوموا بعمل حاسم ضد حزب الله، ولم تكن الولايات المتحدة الغارقة في الورطة العراقية تفعل ذلك ولم تكن فرنسا تملك إمكانيات ذلك،

ولذلك ألقيت على إسرائيل مهمة تغيير المعطيات في لبنان وبحيث يكون ذلك أيضا وسيلة لإظهار أنها مفيدة لخدمة المرامي الإقليمية لواشنطن مع الدفاع عن مصالحها» ولا ينسى المؤلف أن يشير هنا إلى أن إسرائيل كانت «تنتظر» منذ إرغامها على الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000 أن تأخذ «ثأرها» وتستعيد مصداقيتها العسكرية التي فقدت آنذاك الكثير فيها.

وفي هذا السياق كان الهجوم الإسرائيلي ضد قطاع غزة في شهر يونيو 2006، ثم الهجوم الإسرائيلي ضد لبنان في 12 يوليو، ويؤكد المؤلف أن «الأهداف» كانت نفسها في الحالتين وفي مقدمتها «توجيه ضربة كبيرة لأحد أعداء إسرائيل وواشنطن».

وبعد أن يعرض المؤلف، جلبرت أشقر، لمحة تاريخية عن السياق الاجتماعي والسياسي الاقتصادي الذي تشكّل فيه حزب الله في لبنان وتعزز موقفه بعد أن جسد القوة المقاومة الرئيسية التي أرغمت إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000، يؤكد في الفصل الثالث أن فهم المغزى العميق لحرب الـ33 يوما وتقديم محصلة «موضوعية» لها وتحليل نتائجها وإدراك حقيقة ما يجري في لبنان منذ إعلان وقف إطلاق النار يوم 14 أغسطس 2006، إنما يتطلب «الانطلاق من فهم مسيرة الهجوم الإسرائيلي نفسها».

هذا إلى جانب تأكيد المؤلف أن الأهداف الحقيقية لتلك الحرب قد صيغت بـ«التنسيق مع الولايات المتحدة، لاسيما وأن هذه الأهداف كانت «مشوشة جدا» بالنسبة لإسرائيل كما يشرح ميشيل وارشفسكي في الفصل الرابع من الكتاب.

ويحدد جلبرت أشقر أهداف حرب الـ33 يوما بأنها كانت «تدمير حزب الله» كهدف مركزي وذلك عبر ثلاث وسائل رئيسية هي: «ضربة عسكرية قاصمة» و«إثارة القاعدة الجماهيرية لحزب الله ضده على اعتبار أنه المسؤول عن مأساتها» ثم «التشويش الكبير والخطير لمجمل اللبنانيين» لكن هذه «الحرب التي كان يفترض منها أن تعيد تأكيد قدرة الردع لدى إسرائيل لكنها نجحت في تدميرها خلال شهر واحد فقط»، كما ينقل المؤلف عن «موشي ارنس» الذي كان وزيرا للدفاع في إسرائيل في ثلاث حكومات.

ويتم التأكيد في التحليلات المقدّمة أنه منذ اللحظة التي دخل فيها قرار وقف إطلاق النار «حيّز التطبيق» بدأت مرحلة جديدة يعطيها المؤلف عنوان: «متابعة الحرب بوسائل أخرى» وحيث انطرحت بالتالي أربع أسئلة جرى البحث عن إجابات لها.

السؤال الأول يخص «تأليف ومهمة قوات اليونيفيل الجديدة» ثم سؤال: «كيفية نزع سلاح حزب الله في المناطق المحددة لانتشار الجيش اللبناني في الجنوب» وسؤال ما يسميه المؤلف ب«معركة إعادة التعمير» وأخيرا سؤال: «مصير الحكومة اللبنانية».

وفي الفصل الخاص بإسرائيل يقول كاتبه ميشيل وارشفسكي: «إن الحرب التي قامت بها إسرائيل ضد الفلسطينيين ثم ضد لبنان، وفيما يخص أهدافها وطرفها ومرامي إسرائيل حيال إيران وسوريا إنما هي، بخصوص هذا كله، مختبرا لاستراتيجية الحرب العالمية التي يخوضها المحافظون الأميركيون الجدد وجبهتها الأكثر تقدما. وهذا يعبر بوضوح إلى مدى تجاوز رهاناتها للبلدان المعنية بها مباشرة».

ويؤكد الكاتب أن إسرائيل ساهمت، عبر تلك الحرب، بما يسميه «الحرب العالمية» لواشنطن، كما أُريد إعطاؤها صورة «حرب حضارة» ضد «بربرية» و«حرب ليبرالية جديدة». لكنها كانت في النهاية «فشلا عسكريا كبيرا» أعقبتها أحد أكبر الأزمات التي واجهتها إسرائيل.

وخاتمة الكتاب يعبّر عنوانها بشكل جيد عن مضمونها إذ جاء فيه: «السفينة الجانحة للمرامي الإمبريالية للولايات المتحدة الأميركية» ونقرأ في إحدى الجمل: «ان السفينة هي بصدد أن تغوص أكثر فأكثر في المياه العكرة للمد العراقي الأسود» وينتهي الكتاب بالسؤال التالي: «كم من القتلى والرعب ينبغي أيضا كي تتوقف نهائيا الحروب والاحتلال وأشكال التدخل الاستعماري؟».

*الكتاب:حرب الـ33 يوما حرب إسرائيل ضد حزب الله ولبنان ونتائجها

* الناشر:تيكستويل ـ باريس 2007

*الصفحات: 112 صفحة من القطع المتوسط

La guerre des 33 jours, la guerre d'Israël contre Hezbollah au Liban et ses conséquences

Gilbert Achcar, Michel Warschawski

Textuel- Paris 2007

p.112