هناك مقولة شهيرة تدور حول عالم مايكل كريشتون الروائي، وهي: «اعط كريشتون مليمترا وسوف يأخذ ميلاً». وهكذا تمضي الأمور بالنسبة للروائي الأميركي الكبير، فما عليك إلا أن تطلعه على تقدم علمي غامض، وفي وقت قياسي ستجده يطل بعمل يستقطب الجمهور ويتألق حول هذا التقدم العلمي نفسه.
وفي روايته الجديدة «الآتي» يسلط كريشتون عدسته على التقنية البيولوجية، حيث نجد أنفسنا في عالم يقوم الأطباء تحت سمائه باختبارات جينية ذات مخاطر كبيرة على مرضى في حالات تدعو للبأس، وتتحول أعضاء الجسم البشري إلى سلعة قابلة للتسويق، ويتمتع العلماء بقدرات كبيرة تتيح لهم إيجاد أشكال جديدة من الحياة.
المدهش في هذا العالم أن مؤلفه لا يقدمه لنا باعتباره كابوساً قد نتعرض له في وقت ما من المستقبل بعيداً كان أم قريباً وإنما هو يدور حول أمور تحدث اليوم بالفعل، هكذا يحذرنا كريشتون على امتداد روايته من قيام الآباء في ضواحي المدن الأميركية من تربية قردة مهجنة جنباً إلى جنب مع أبنائهم الطبيعيين الذين ينجزون فروضهم الدراسية في الرياضيات بالاستعانة بمساعدة من ببغاوات تبلغ من الذكاء الحد الذي تقوم معه بعمليات الجمع والطرح وكشف الخيانات الزوجية.
في غضون ذلك تقوم شركات التقنية البيولوجية بتسجيل براءات جينات نادرة ثم ترسل صيادين متخصصين لجمع عينات من الأنسجة من الناس الذين يحملون هذه الجينات. وتقوم الشركات العملاقة العالمية بعملية هندسة جينية للأسماك والسلاحف لجعلها تحمل شعاراتها.
ويقوم العاملون في المختبرات بنقل العدوى بطريق الخطأ إلى أقاربهم بفيروسات معدلة جينية تتسبب في جعلهم يتقدمون في العمر عقودا من الزمن في غضون أسابيع قلائل.
ويبدو واضحاً أن كريشتون يقصد تحذيرنا من الوضعية الراهنة غير المنظمة للتقنية البيولوجية، وعدم تقدير السياسيين والرأي العام لقوتها الهائلة. فيما تمضي شركات التقنية البيولوجية في مراكمة الأرباح ووضعها في مرتبة أعلى من الصحة العامة وتقاضي أتعاب باهظة لقاء اكتشافاتها المسجلة والقيام بإجراء اختبارات بالغة الخطورة على علاجات جديدة تطبق على المرضى من دون إبلاغهم بمدى خطورتها وبطبيعة المخاطر المترتبة عليها.
وتنال أجهزة الإعلام نصيبها كذلك من انتقادات كريشتون، الذي يروي في هذا الصدد قصصاً جديدة تقوم على أساس واقعي وتصور ما يجري تحت آفاق عالم التقنية البيولوجية الوحشي.
ويلفت نظرنا في هذا الصدد أن مات كرينسون من الأسوشيتدبرس يعرب عن اعتقاده بأن ما يرويه كريشتون هنا ليس مسلياً وطريفاً على نحو ما يبدو في سلسلة روايات «الحديقة الجوراسية»، وهو يرى أن الروائي الكبير دفع بالآفاق العلمية في عمله هذا إلى جرعة أعلى مما قد يستوعبه القارئ العادي.
ويرى كرينسون ان كريشتون لم يحقق في «الآتي» القفزة الكبرى التي قام بها إلى الفانتازي في «الحديقة الجوراسية»، وأن الرواية الجديدة لا تستقطب خيال القراء على نحو ما تستقطبه تلك الديناصورات التي انطلقت من كل عقال بعد استحضارها من الماضي البعيد على جسر من هندسة الجينات والتلاعب بالحمض النووي.
وعلى الرغم من ذلك فإن كرينسون يبادر إلي الاعراب عن اعتقاده بأن رواية «الآتي» ستشق طريقها لتتحول إلى فيلم يستقطب الملايين على امتداد العالم. غير أن هذا يظل رأياً واحداً ضمن حشد كبير من آراء النقاد وكتاب عروض الكتب الذين تصدوا للاهتمام برواية «الآتي».
هكذا فإننا نقرأ على موقع «أمازون» الشهير رأي الناقد إي بوكوفسكي الذي كتبه لمجلة «بوك لوفر»، الذي يرى أن «الآتي» تردد أصداء رواية كريشتون التي سبقتها، وهي «حالة خوف» التي تحذر من ظاهرة تسخن الأرض. ووجه الشبه بين العملين هو التحذير الذي يوجهه كريشتون بإلحاح، وهذا التحذير يدور في رواية «الآتي» حول ما يجري بالفعل تحت سماء عالم التقنية البيولوجية الحافل بالغموض والأسرار.
ولكن على الرغم من إعجاب بوكوفسكي الواضح برواية كريشتون الجديدة إلا أنه لا يبدو شديد الاعجاب بتقسيمها إلى فصول قصيرة ينتقل المؤلف باستمرار عبرها إلى الأمام والخلف، وينتقل أيضاً من حبكة فرعية إلى أخرى الأمر الذي قد يربك بعض القراء ويمنعهم من المتابعة السلسة للرواية.
والخط الرئيسي الذي يتعين على القراء متابعته هو ما يقوم به حشد من العاملين في عالم التقنية البيولوجية لتحقيق أرباح طائلة، حتى وإن كان ذلك على حساب إنسانية البشر.
هكذا فإن القارئ يلتقي بشخصيات من نوعية جاك واتسون الذي يزعم أنه «رأسمالي ذو ضمير»، ولكنه في واقع الأمر وحش طموح لا يرحم لديه قدرة علي التلاعب بالآخرين تحقيقاً لأهدافه التي تبدأ ثم لا تنتهي، ولا يتردد في ارتكاب جرائم وحشية مذهلة للوصول إلى تلك الأهداف. والقارئ يلتقي أيضاً مع ريتش دايل الرئيس التنفيذي لشركة «بيوجين» للأبحاث الذي يقع تحت رحمة جاك واتسون، المستثمر الرئيسي في الشركة والذي يتلاعب بكل الخيوط وراء الستار لطرد دايل والسيطرة على الشركة.
وتتعدد الشخصيات المنتمية إلى هذه النوعية، وتتعدد معها التساؤلات، وأبرزها: إلى أي حد يمكن أن تلقي هذه الرواية الجديدة من مايكل كريشتون نجاحاً لدى القراء كذلك الذي حققته سلسلة روايات «الحديقة الجوراسية»؟
* الكتاب: الآتي
* تأليف: مايكل كريشتون
*الناشر: هاربر كولينز - نيويورك 2006
*الصفحات:448 صفحة من القطع المتوسط
Next
Michel Crichton
Harper Collins - N.Y. 2006
p. 448
