الدكتور تركي صقر مؤلف هذا الكتاب إعلامي وصحافي سوري، حصل على شهادة الدكتوراه في القانون الدستوري من موسكو عام 1985 وعمل رئيساً لتحرير صحيفة البعث منذ عام (1982) وهو عضو اتحاد الصحافيين في سوريا. مثّل سوريا سفيراً في عدة دول منها إيران والسودان، له الكثير من المقالات والدراسات في القضايا السياسية المنشورة في الصحف السورية والدوريات العربية، من مؤلفاته: (القانون ووسائل الإعلام ـ عملاق يستيقظ ـ تحديات الاشتراكية في الصين ـ الإعلام العربي وتحديات العولمة ـ تحديث الاشتراكية في الصين).
وفي كتابه الجديد «السودان بين الدهشة والشجن» يتناول الدكتور تركي صقر مجموعة من الموضوعات السودانية والإفريقية بدءاً من الجغرافيا والتاريخ وانتهاء بمشكلة دارفور. وينطلق في بحثه من خلال بناء السودان والاستفادة من كل إمكانياته، مستنداً على الوعي المتميز للسودانيين وثقافتهم العالية وحسّهم المرهف بالقضايا العربية والإسلامية، مما جعله يقول: «إن قباب الطين والقش المنتشرة في السودان تغفو على إرادة قوية تبشّر بانطلاقة رائدة في إفريقيا».
يتألف الكتاب من مقدمة وعدة عناوين. عن (جغرافية السودان) يؤكّد الباحث بأنه لا يوجد قطر من الأقطار العربية والإفريقية يتمتّع بمثل ما يتمتّع به السودان فهو أكبر هذه الأقطار كما انه عاشر دولة في العالم من حيث المساحة، ويجاور أكثر من تسع دول هي: مصر ـ ليبيا ـ اريتريا ـ تشاد ـ أثيوبيا ـ كينيا ـ أوغندا ـ الكونغو ـ إفريقيا الوسطى. ويشير الباحث إلى الموارد الطبيعية فالسودان يزخر بموارد هائلة تتمثّل في أراضيه الشاسعة حيث هناك أكثر من مئتي مليون فدان جاهزة للزراعة لا يُستثمر منها أكثر من (35) مليون فدان للزراعة.
وتشغل الغابات مساحات كبيرة من أراضي السودان وخاصة في الجنوب وتكثر أشجار الأبنوس. وإذا كانوا يقولون ان مصر هبة النيل فإن السودان هبة النيليْن الأبيض والأزرق، وبالتالي فإن حوض النيل يشكّل وحدة جغرافية لها سمات مشتركة كبيرة. ويتشكّل السودان حالياً من ست وعشرين ولاية وعلى رأسها ولاية السودان وعاصمتها الخرطوم. وتتشكّل العاصمة من ثلاث مدن هي: الخرطوم وأم درمان وبحري، ويربو عدد سكان المدن الثلاث على سبعة ملايين، يبلغ عدد سكان السودان الكلّي حسب إحصائيات عام 2005: (3,35 مليون) نسمة ومساحة السودان (505. 2 مليون) كيلومتر مربع.
عن « تاريخ السودان « يشير الباحث إلى نشوء وتطور حضارات قوية على أرضه وقد أثبتت الحفريات الأثرية ان الحضارة الفرعونية بدأت في السودان قبل أكثر من سبعة آلاف سنة وان مئات الأهرامات منتشرة في الأراضي السودانية، وهي سابقة بزمن طويل للأهرامات المصرية، وقد تناوبت على السودان ثلاث حضارات كبرى هي الحضارة الكوشية القديمة والمروية والنوبية ولذلك كان السودان من أكثر البلدان تأثيراً على محيطه، كما كان يُطلق على كل الأراضي جنوب مصر أراضي السودان بما فيها الحبشة أو أثيوبيا التي أسموها ارض الوجوه المحروقة، وقد أطلق القدماء على ارض السودان اسم أرض الأرواح أو ارض النار كما أطلق عليها بعض المؤرخين ارض السود، ولم يُعرف السودان بحدوده الحالية إلا في القرن السابع عشر على اثر غزوات محمد علي باشا، وقد تضافرت عوامل الموقع والجغرافيا والتاريخ على تشكيل شخصية السودان وهويته المتميزة بتنوعها الاثني والديني والثقافي وانتماءاتها العربية والإسلامية والإفريقية.
عن «السودان والتجاذب العربي الإفريقي « يرى الباحث أن السودان أرض الأرواح وإفريقيا المصغّرة، وهي تعكس بشكل كامل صورة إفريقيا بتنوعها وحروبها ومشكلاتها وتمازجها العربي الإفريقي، ولذلك فإن اقرب الطرق لمخاطبة إفريقيا وإقامة الجسور بينها وبين العرب هو السودان الذي يجاور تسع دول معظمها إفريقية وهذا لا يتسنى لأية دولة أخرى.
يضيف الباحث قائلاً: بين الحماس والواقع مسافة شاسعة في العلاقة العربية الإفريقية، فالاستثمار العربي لا يتعدّى (10%) من مجموع الاستثمارات والإعراض عن إفريقيا مازال كبيراً حتى بالغ بعضهم بالقول إننا إذا بقينا على هذه الحال سوف نقف يوماً ونبكي على أطلال إفريقيا كما بكينا وذرفنا الدمع الساخن الغزير على الأندلس.
وتحت عنوان ( سباق داحس وجمل دارفور) يورد الباحث قولاً للرئيس احمد عمر البشير الذي قال عن مشكلة دارفور: «بدأت بسرقة جمل وأدّت إلى نزاع قبَلي كان يمكن ان يكون عادياً لولا تغذيته من الخارج ليصبح اكبر معضلة يواجهها السودان في تاريخه بعد مشكلة الجنوب»، ويشبّه الباحث هذه الحادثة بحوادث كثيرة مماثلة في التاريخ البعيد والقريب،
ففي التاريخ العربي عندما لم تكن هناك أميركا والصهيونية امتدّت حرب (داحس والغبراء) عشرات السنين من اجل سباق، وفي التاريخ القريب تذكّر تداعيات ـ جمل دارفور ـ بحادثة ـ المذبّة ـ التي ضرب بها ـ الباي ـ أحد السفراء الأجانب المتطاولين عليه في الجزائر فاجتاحت القوى الاستعمارية الشمال الافريقي بأكمله. ويذكّر العصر الأميركي الذي برزت فيه الولايات المتحدة الأميركية قطباً واحداً يتحكّم في مصير دول العالم حقائق لكل الذين يؤمنون بالنظرية القائلة ان التاريخ يكرّر نفسه.
وفي الحالة السودانية وبعد أن رصدت العيون المبثوثة في الفضاء بحيرات النفط الغائرة الشاسعة في ارض دارفور وبعد ان تأكدت من مكامن اليورانيوم والنحاس والحديد والذهب والبلوتونيوم والبوكسيت وغيرها التي تكتنزها وبعد حرب الجنوب وتأجيج نارها التي حصدت آلاف الأرواح في حرب الفقراء القذرة إلى ان استطاعت حنكة القادة السودانيين وضع حدّ لها بعد التوصّل إلى اتفاقية السلام التي احتفل السودانيون بذكراها الأولى وعندما تراجعت ذريعة الجنوب وسُحبت من التداول حرّكوا على الفور حادثة سرقة الجمل في دارفور للتحوّل إلى حرب ضروس ومعضلة ينام العالم ويستيقظ على أخبارها وتصوير فظائعها وويلاتها.
وتقف وسائل الإعلام الغربية كل يوم لتُقيم المناحات وذرف الدموع على جياع دارفور وأطفالها الحفاة العراة في لعبة خبيثة ظاهرها رفع شعارات حقوق الإنسان وباطنها الجشع القاتل والعاجل لوضع اليد على ثروات تلك البلاد النفطية التي تُقدّر كمياتها بما يفوق كل ما تنتجه الدول الافريقية حتى الآن. وتحت عنوان «النفط النعمة والنقمة»، يرى الباحث أن تزايد أزمة النفط العالمية حيث تعدّت أسعار البرميل الثمانين دولاراً في وقت من الأوقات تدخل الصراعات الافريقية المغلّفة بالحروب العرقية والقَبلية مرحلة من التجاذبات الإقليمية والدولية
ومنها الصراع في دارفور وأحداث تشاد والاضطرابات في نيجيريا التي أدّت إلى انخفاض تدفق نفط نيجيريا إلى (25%) ما يوحي باحتمالات ان تبقى هذه الصراعات مفتوحة إلى أمد بعيد دون إيجاد الحلول اللازمة مادامت الأطماع الأميركية والغربية تزداد يوماً بعد يوم للسيطرة على مصادر النفط وكأن هذه الثروات جاءت نقمة على أصحابها بدلاً من ان تكون نعمة لتنمية الشعوب ودفعها إلى معارج الحضارة والتقدّم.
د. وانيس باندك
*الكتاب:السودان بين الدهشة والشجن
*الناشر:وزارة الثقافة ـ دمشق 2006
* الصفحات:120صفحة من القطع الكبير

