مؤلفة هذا الكتاب هي المؤرخة البريطانية الشهيرة سيسلي فيرونيكا ويدغود المختصة بتاريخ الحرب الأهلية الانجليزية والقرن السابع عشر عموما. وهي تقدم هنا كتابا كبيرا عن حرب الثلاثين عاما التي جرت في أوروبا بين عامي 1618-1648 بين أتباع البابا والمذهب الكاثوليكي من جهة، وأتباع لوثر وكالفن والمذهب الإصلاحي البروتستانتني من جهة أخرى. وقد قدم للكتاب البروفيسور بول كندي أحد كبار فلاسفة التاريخ والإستراتيجيات العالمية في الولايات المتحدة الأميركية.
تقول المؤلفة بما معناه: ينبغي أن نبحث عن أصل هذه الحرب المدمرة التي اكتسحت معظم أنحاء أوروبا في تلك الأزمة الدينية التي أصابت أوروبا الوسطى على اثر اندلاع حركة الإصلاح الديني البروتستانتي. نقول ذلك ونحن نعلم أن أوروبا انقسمت بعد لوثر إلى قسمين: قسم بروتستانتي مؤمن بأفكاره وقسم ظل كاثوليكيا تابعا للبابا والفاتيكان.
والقسم الأول تخلى عن عقائد كثيرة في المسيحية، كتقديس رجال الدين أو إطاعتهم إطاعة عمياء، وكالاعتقاد بمعصومية البابا، إلى غير ذلك من الأفكار والعقائد التقليدية. ولكن البابا حاول سحق هذا الإصلاح الديني الشهير عن طريق القوة. ونتجت عن ذلك حروب ومعارك طاحنة طيلة القرن السادس عشر سواء في ألمانيا أم في فرنسا أم في سواهما. ثم استمرت هذه الحروب في القرن السابع عشر بل وحتى الثامن عشر.
وقد اجتمع الطرفان المتحاربان في مدينة أغسبورغ الألمانية واتفقا على وضع حد لهذه الحرب. واتفقا على مناقشة نقاط الخلاف اللاهوتية بين الكاثوليك والبروتستانت، ثم توصلا إلى تسوية معينة. وكان ذلك حوالي منتصف القرن السادس عشر.
ولكن يبدو أن هذه التسوية لم ترض الطرف الكاثوليكي كثيرا فحاول الانقلاب عليها واسترجاع بعض المناطق التي أصبحت بروتستانتية وضمها إلى البابا والفاتيكان من جديد. ومعلوم أن البابا كان يعتبر أتباع المذهب البروتستانتي بمثابة الهراطقة الخارجين على العقيدة القويمة للمسيحية. ولم يكن يعترف بالإصلاح الديني الذي جاي به لوثر ثم كالفن من بعده. ومعلوم أيضا أن لوثر مدشن حركة الإصلاح الديني في ألمانيا وكل أوروبا كان يكره البابا كرها عنيفا ويريد تدمير البابوية وكل ما تمثله من قمع فكري وسياسي وديني.
وبالتالي فالنفوس كانت مشحونة على بعضها البعض قبل أن تندلع الحرب المذهبية الكبرى بين الطرفين. وقد حصلت آخر محاولة للمصالحة في مدينة براغ عندما وصل إليها وفد كاثوليكي للتفاوض. وبعد مناقشات عديدة احتدت الأمور وتصاعدت اللهجة بين الطرفين.
وعندئذ اشتبكا ببعضهما البعض وقام البروتستانتيون برمي الوفد الكاثوليكي من نافذة القصر الذي جرت فيه المناقشات. وكانت تلك أكبر إهانة لجماعة البابا والطائفة كلها. وشكلت الشرارة الأولى لاندلاع الحرب عام 1918. ولكن لم يكن أحد يتوقع أن تستمر ثلاثين سنة متواصلة وتؤدي إلى قتل الملايين في مختلف الأقطار الأوروبية.
ثم تردف المؤلفة قائلة: في ذلك الوقت كانت أوروبا الوسطى والشرقية ذات أغلبية بروتستانتية نسبية. وأما اسكندنافيا، أي السويد والدانمارك والنرويج، فكانت ذات أغلبية بروتستانتية ساحقة إن لم تكن كاملة. وأما ألمانيا فكانت مقسومة إلى قسمين متعادلين تقريبا، ولذلك فإن الحرب فيها كانت هائجة وأدت إلى قتل عدد كبير من السكان وتدمير المحاصيل الزراعية وبالتالي حصول الفقر الأسود والمجاعات.
أما بلدان أوروبا الجنوبية: أي فرنسا، وإيطاليا، واسبانيا، والبرتغال، فكانت ذات أغلبية كاثوليكية ساحقة. هذا يعني باختصار شديد أن شمال أوروبا كان بروتستانتيا في معظمه، وجنوبها كاثوليكيا في معظمه.وراح كل طرف يدعم أبناء طائفته في الدول الأخرى. وحصل تهجير للسكان من منطقة إلى أخرى. فالمنطقة ذات الأغلبية الكاثوليكية هجمت على أقليتها البروتستانتية وذبحت من استطاعت منها واضطرت الآخرين إلى الفرار والالتجاء إلى البلدان أو المناطق ذات الأغلبية البروتستانتية. والعكس صحيح أيضا.
وهكذا حصلت عمليات تطهير طائفي أو مذهبي في مختلف المناطق المختلطة. وعلى هذا النحو حصل انسجام مذهبي، فجنوب أوروبا مثلا كاد أن يخلو من البروتستانتيين تماما، وشمالها كاد أن يخلو من الكاثوليك. وفيما بعد رفع ملك فرنسا الشهير لويس الرابع عشر الشعار التالي: إيمان واحد، ملك واحد، قانون واحد. والمقصود بذلك أن فرنسا لا تتسع إلا لمذهب واحد هو مذهب الأغلبية الكاثوليكية. وبالتالي فما على الآخرين إلا اعتناقه فورا أو الرحيل من البلاد أو القتل والذبح.
وعلى هذا النحو تم تفريغ المملكة الفرنسية من أقليتها البروتستانتية كهولندا، أو ألمانيا، أو حتى السويد، وبعضهم عبر البحر المحيط ووصل إلى كندا. ولا تزال العائلات البروتستانتية هناك تحافظ على أسمائها الفرنسية منذ ثلاثمائة سنة!
ثم تردف المؤلفة قائلة بما معناه:
هذا وقد مرت حرب الثلاثين عاما الطائفية الشهيرة بأربع مراحل أساسية: أولا المرحلة التشيكية (1618-1625)، وثانيا المرحلة الدانماركية (1625-1629)، وثالثا المرحلة السويدية (1630-1635)، ورابعا المرحلة الفرنسية (1635-1648). ثم بعدئذ هدأت الحرب أو انطفأ أوارها بعد أن ظل مشتعلا ثلاثين سنة وبعد أن أنهك البشر ودمر الحجر والشجر...
وقد قدر بعض المؤرخين خسائر هذه الحرب الجهنمية بملايين البشر. ويقال بأن بعض المناطق في ألمانيا فقدت نصف سكانها. بل وهناك منطقة كبيرة فقدت ثلثي سكانها أثناء هذه الحرب الطائفية المرعبة.
والشيء الغريب العجيب هو أن كلا الطرفين كانا يكفران بعضهما البعض على الرغم من انتمائهما إلى نفس الدين (أي المسيحية) وإلى نفس الكتاب (أي الانجيل)، وإلى نفس النبي المؤسس (أي المسيح)! ولكنهما كانا يختلفان على بعض العقائد والطقوس الدينية. وقد أعادت هذه الحرب ألمانيا عشرات السنوات إلى الوراء من حيث التنمية والقدرة الاقتصادية، وأما فرنسا والسويد وإسبانيا فقد خرجت منهكة ماليا من الحرب دون أن تخسر عددا كبيرا من السكان.
ومن نتائج الحرب الأساسية أن الدانمارك فقدت مكانتها كدولة كبرى في أوروبا، وأصبحت دولة صغيرة ولا تزال. وأما السويد فقد استفادت من الحرب لأنها أصبحت مهيمنة على بحر البلطيق وأوروبا الشمالية. وقد ربحت عدة مدن مهمة وعدة مناطق وضمتها إليها. ولكن أكبر رابح من هذه الحرب كان فرنسا دون أدنى شك. فقد ضمت إليها عدة مناطق من بينها منطقة الألزاس وعاصمتها مدينة ستراسبورغ التي يوجد فيها البرلمان الأوروبي حاليا.
وبعدئذ أصبحت فرنسا في ظل الملك لويس الرابع عشر أكبر قوة عظمى في أوروبا. وأما اسبانيا فقد دخلت في مرحلة انحطاط تدريجي متواصل لم تقم منه إلا مؤخرا. ثم انتهت حرب الثلاثين عاما بعقد معاهدة ويستفاليا الشهيرة، وأدت هذه المعاهدة إلى تشكيل الدولة القومية في أوروبا لأول مرة. وهي الدولة التي لا تزال سائدة حتى الآن، بمعنى أن العامل القومي أصبح مهما كالعامل الديني الطائفي بل وتفوق عليه لاحقا في القرن التاسع عشر.
عندئذ أصبح الانتماء إلى القومية الألمانية أو اللغة الألمانية أهم بكثير من الانتماء إلى المذهب الكاثوليكي أو المذهب البروتستانتي. وعندئذ أصبح توحيد ألمانيا ممكنا بعد أن خفّت العصبيات الطائفية أو المذهبية فيها. ولكن قبل ذلك كانت حركة التنوير الفلسفي قد انتصرت تماما وقضت على الطائفية كلياً تقريباً.
* الكتاب: حرب الثلاثين عاماً
*الناشر: نيويورك ـ ريفيو أوف بوكس 2006
*الصفحات :544 صفحة من القطع الكبير
The thirty years war
Cicely Veronica Wedgwood
New York Review of Books2006
p.544

