يعمل اتيين كلاين، مؤلف هذا الكتاب، فيزيائياً في مفوضية الطاقة الذرية، وهو أستاذ في «المدرسة المركزية» الفرنسية، أحد أهم المدارس العليا في فرنسا، ويحمل شهادة الدكتوراه في فلسفة العلوم. له العديد من المؤلفات العلمية من بينها «وحدة الفيزياء» و«رحلة صغيرة في عالم الفيزياء الكوانتية»، و«هل الزمن موجود؟» و«هل تهددنا العلوم؟»، الخ.
الثورات السبع التي يتحدث عنها مؤلف هذا الكتاب هي ثورات هادئة و«لم تسفح فيها نقطة دم واحدة». وكانت سنوات العشرينات من القرن الماضي (العشرين) قد عرفت واحدة من تلك الثورات «الهادئة» وإنما التي غيّرت منحى العلم كله.
لقد فهم علماء الفيزياء آنذاك أن الذرّات التي كان قد جرى اكتشافها قبل سنوات، لا تخضع «في سلوكها» لقوانين الفيزياء العادية؛ وبالتالي كان لا بد من البحث عن قوانين جديدة، أي ما كان يعني بنفس الوقت «التخلّي» عن بعض المبادئ «الأكثر رسوخاً في الفيزياء الكلاسيكية». هكذا حدثت ثورة «الفيزياء الكوانتية»، أي تلك الفيزياء «المتناهية في الصغر».
وعند نهاية الحرب العالمية الأولى لم يكن الفيزيائيون يعرفون عن «تكوين المادة» سوى أنها تتشكل من مكونين هما «الالكترون» الذي يعاد اكتشافه إلى جوزيف تومسون عام 1897 و«البروتون» الذي اكتشفه ارنست روتفورد عام 1911. وكانوا يعرفون أيضاً أن جميع المواد، الجامدة أو الحية، أو الصلبة أو السائلة أو الغازية إنما هي تتكوّن من ذرات «كما كان لدى اليونانيين القدماء الحدس منذ أكثر من ألفي عام».
لكن المؤلف يشير إلى أن الذرّة نفسها كانت مثار جدل كبير حتى نهاية القرن التاسع عشر بين أولئك الذين كانوا يعتقدون بوجودها وبين الذين كانوا يعارضون إلى القول بأن الذرّة «ليست سوى فكرة ميتافيزيقية» لا تمتّ إلى الواقع بصلة. هذا ولم يتم البت نهائياً بـ «حقيقة وجودها الفيزيائي» إلا عام 1906 في باريس بفضل تجربة قام بها عالم فرنسي اسمه «جان بيران». ويرى الفيزيائي ـ مؤلف هذا الكتاب أنه «في فترة أولى ما بين عام 1906 و1911، بقي المفهوم العلمي للذرّة مطابقاً تقريباً للخطاب الذي استخدمه القدماء حيالها وهو أن الذرّات تمثل وحدات أساسية غير مرئية وهامدة».
لكن الفيزياء الحديثة أظهرت مدى «سذاجة» فكرة اليونانيين القدماء عن الذرّة. وظهر أولاً بفضل أعمال «ارنست روتفورد» أن الذرة هي «بناء مركّب» نؤلف من «نواة صلبة جداً» تبلغ كثافتها 000 200 مليار ضعف كثافة الماء السائل، ويدور حولها الكترونات.
وهي ليست «كروية الشكل» وإنما يمكن القول انه «لها قطر يوازي عشر المليار من المتر». أما «النواة» فإنها «أصغر ب000 100 مرّة من الذرّة. وما بين «النواة» و«الالكترونات» لا يوجد أي شيء سوى «الفراغ» وهذا يعود إلى أن الذرّة «ليست مليئة» كما كان يتصور القدماء، وعلى رأسهم ديموقريطس اليوناني.
ومن أجل فهم جميع الظواهر ودمجها في نظرية متناسقة كان لا بد من اللجوء إلى «فيزياء ثورية» أعطيت اسم «الفيزياء الكوانتية». هكذا جرى اختراع «مفاهيم جديدة جذرياً» قادت إلى التأمل «بطريقة أخرى فيما يخص المادة». وكانت مدة عقد واحد «زاخر بالإبداع والجسارة والعمل المجد كي يشيد عدد من الباحثين الشباب الأوروبيين أحد أجمل الأبنية الفكرية في جميع الأزمنة»،
كما يقول المؤلف ليضيف ان هؤلاء الباحثين «الفريدين والمصممين» واجهوا «ألغازاً حقيقية»، وكان القاسم المشترك بينهم أنهم كانوا، كلّ منهم على طريقته، من «العباقرة» الذين ترشحوا لنيل جائزة نوبل أو نالوها. وفي المحصلة «لقد ساهموا في جعل سنوات 1925 ـ 1935 عقداً معجزة بالنسبة للفيزياء».
وكان هؤلاء الباحثون، كما يتم تقديمهم، يعيشون في مختلف البلدان الأوروبية، وكانوا يعرفون بعضهم البعض ويلتقون بشكل منتظم وخاصة في «بروكسل» العاصمة البلجيكية في إطار الندوات التي كان ينظّمها رجل الأعمال «ارنست سولفاي» الذي جمع ثروة طائلة من الصناعات الكيميائية، والذي كان هو الممول لندوات دولية، حملت اسمه، حول «الفيزياء الجديدة». انعقدت الندوة الأولى عام 1911 وحضرها 32 فيزيائياً من بينهم البرت آينشتاين وهنري بوانكاريه وجان بيران، وفيزيائية واحدة هي «ماري كوري».
كانت الأصداء كبيرة على أعمال أولئك الباحثين الشباب، حيث أثارت «إعجاب» البعض و«سخط» الآخرين. لكنهم استطاعوا الوصول إلى إشادة «بناء شكلي متناسق». وكان هؤلاء «الآباء المؤسسون للفيزياء الكوانتية قد قرأوا أعمال الفلاسفة الكبار بل وغرفوا منها جزءاً من مصادر إلهامهم»،
كما يشير المؤلف ليؤكد أنه قد أصابهم نوع من «الحمّى الجماعية» إذ عملوا بكل حماس ودون أية إمكانيات وكانوا «يجرون حساباتهم باليد أو المسطرة وكانوا يتبادلون المراسلات بواسطة الرسائل أو البطاقات البريدية ولم يترددوا في اجتياز المحيطات بالسفن والتنقل بين أصقاع أوروبا بالقطارات».
وإذا كان بين هؤلاء العلماء الذين أحدثت أعمالهم ثورة حقيقية في الفيزياء وبالتالي في شتى مجالات الحياة البشرية من خلال تطبيقاتها «المرعبة أحياناً»، اسماً شهيراً هو «البرت آينشتاين» فإن الستة الآخرين الذين يكرّس المؤلف فصلاً لكل منهم هم من «الجنود المجهولين» بالنسبة للجمهور العريض.
هكذا يضم هذا الكتاب سبعة فصول تحمل العناوين التالية: «جورج غامو، عابر الحدود يفرح» ثم «البرت آينشتاين، رجل يسابق الوقت» و«بول ديراك أو صمت العالم الجميل» و«أشباح ايتوري ماجورانا» ثم «التحولات المخبوءة لولفانغ بولي» و«بول ايرنفست، العم سقراط» ثم أخيراً «اروين شرودينغر، رجل الخرافات».
كان «جورج غامور»، موضوع الفصل الأول، من أصل روسي وهو أحد كبار روّاد الفيزياء النووية وأيضاً النظرية الخالة عن «البيغ بانغ»، ومؤلف العديد من الكتب في تبسيط العلوم. وكان من أولها كتاب صدر للمرّة الأولى عام 1940 وحمل عنوان: «السيد تومبكين في بلاد العجائب»،
وهو عبارة عن مجموعة «قصص قصيرة» يتردد بطلها على الدروس المسائية وأستاذ في الفيزياء، ثم ينقل «أفكاره» وعبرها معلومات «جديدة» عن الفيزياء. هذا الكتاب تبعه أربعون كتاباً فيما بعد. وكان «غامو» كما يقدمه المؤلف «ذا شهية كبيرة للمعرفة، بل كان شرها لها» منذ طفولته.
وكان غامو قد انطلق في بحوث الفيزياء «وحيداً» وتوصل إلى شرح آلية أحد الأنماط الثلاثة للإشعاع الذري والمسمى «الفا» الذي يخص «الأنوية الثقيلة» للذرّة. ويصف المؤلف خروج «غامو» من الاتحاد السوفييتي بصحبة زوجته إلى الخارج «نهائياً» عام 1933 بالقول: «مثل جزيئتين الفا انتهزا الفرصة الأولى كي يتركا نواتهما الأصلية». لكن غامو «انفصل عن زوجته تلك بعد 24 سنة من الزواج كي يقترن بناشرة كتبه الشابة والجميلة».
يلي فصل مكرّس لألبرت آينشتاين الذي كان يعيد التأمل والتفكير في أسس الفلسفة نفسها. وقد أمضى عدة سنوات من حياته وهو يعمل في «المكتب الفيدرالي الألماني للملكية الفكرية»، حيث كان يقوم بـ «تحليل طلبات براءات الاختراع. ويرى المؤلف أنه لولا عمله في ذلك المكتب فلربما ما كان قد توصل إلى صياغة نظريته المعروفة بـ «النسبية». وكان يؤمن بالربط في الإطار العلمي بين ما هو نظري وما هو عملي.
أمّا «بول ديراك»، موضوع الفصل الثالث، فقد كان قليل الكلام إلى حد الصمت المطبق. ولم يكن يخشى شيئاً أكثر من الحديث مع الصحافيين حيث كانت أغلبية إجاباته لا تتعدى «نعم» و«كلا». لكن هذا الفيزيائي البريطاني كان مأخوذاً بـ «جمال الرياضيات». ويبرر المؤلف صمته بالشكل التالي: «الكلام من أجل قول أي شيء غير حقيقة العالم لا فائدة منه، وحقيقة العالم لا يمكن التعبير عنها إلا بمعادلات رياضية لا يمكن ترجمتها بطبيعتها في أي كلام وهي بالتأكيد أكثر ذكاءً منا، فإذن من الأفضل الصمت عامة الصمت على قول أي شيء حقيقي».
وكان «ايتوري ماجورانا»، ابن إحدى أكبر العائلات في جزيرة صقلية الإيطالية ـ الفصل الرابع ـ قد اقترح «نظرية للجزئيات الأساسية لا تزال بعد سبعين سنة ـ صاغها في الثلاثينات المنصرمة ـ تثير اهتمام الفيزيائيين». وكان «ماجورانا» قد اختفى وهو في الحادية والثلاثين من عمره «بطريقة مجهولة» دون وجود أي أثر لاحق له.
والفصل الخامس مكرّس للفيزيائي «وولفانغ باولي» من فيينا الذي أنجز أعمالاً «ثبت أنها كتل نبوءات في ميدان الفيزياء» وتحدث عن وجود «جزيئة جديدة» هي «النوترونيو» التي ثبت وجودها بعد 25 سنة. أمّا بول ايرنفيست، موضوع الفصل السادس، فقد كان أقرب الأصدقاء لآينشتاين، وقدّم مساهمات كبرى في ميدان «الدينامية الحرارية» وكانت له نشاطات مهمة في إقامة علاقات بين كبار الفيزيائيين وتنظيم لقاءات علمية. لكنه كان ذا مزاج سوداوي دفعه إلى الانتحار.
الفصل الختامي في الكتاب مكرّس للفيزيائي النمساوي «اروين شوردنجر» الذي يتم وصفه أنه لم يكن الأكثر اقتراباً من موقع الفيلسوف بين جميع زملائه فحسب، وإنما كان «عاشقاً كبيراً»، لكن ذلك لم يمنعه من صياغة «المعادلة التي تتحكم بحركات الالكترونات داخل الذرة». وقصة ثورات سبع في عالم الفيزياء، ومن خلالها قصة حياة سبعة رجال علماء.
* الكتاب: الثورة سبع مرّات
*الناشر:فلاماريون ـ باريس 2006
*الصفحات :238 صفحة من القطع المتوسط
Il était sept fois la révolution
Etienne Klein
Flammarion- Paris 2006
p.238
