مؤلف كتاب «الدعوات والفصول» هو العلامة الإمام « أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي النيسابوري» الذي ولد في «نيسابور» سنة 398 هجرية ونشأ فيها، وفيها توفي سنة 468 ه، واصل الواحدي من «ساوه»، «وساوه» بين «الري وهمدان»، وأهله من التجار، وعرف بالواحدي نسبة إلى جده الواحد بن مهرة». كان الواحدي متعدد جوانب المعرفة، فهو مفسر ومحدث ونحوي ولغوي وأديب وشاعر وأستاذ عصره وواحد دهره.
وقد انفق صباه وأيام شبابه في التحصيل فأتقن الأصول على الأئمة، وطاف على أعلام الأمة ينهل من علومهم، حتى ذكر الحسن بن المظفر النيسابوري هو من قيل فيه: قد جمع العالم في واحد عالمنا المعروف بالواحدي. ولعله العالم الوحيد الذي فسر القرآن الكريم ثلاث مرات. وجعل كل تفسير في عنوان وهي: التفسير البسيط وهو أكبرها وأقدمها تأليفاً.
والتفسير الوسيط وهو مطبوع، والتفسير الوجيز، وهو مطبوع أيضاً يضاف إلى ذلك تبحره في علم النزول. وكتابه «أسباب النزول» من أشهر المؤلفات في بابه، وقيل فيه: كان منطلق اللسان في جماعة من العلماء.
ترك الواحدي، مجموعة كبيرة من المؤلفات في التفسير وفي علوم القرآن الكريم وفي النحو والأدب والعلوم الأخرى، ويجيء كتابه الدعوات والفصول، شاهداً على سعة المعرفة الأدبية والثقافية التي كان يمتلكها « الواحدي» وهو من كتب الأدب العامة التي شاع تاليفها بدء اً من القرن الثالث الهجري، كعيون الأخبار لابن قتيبة، والعقد الفريد لابن عبد ربه وتحفة الوزراء للثعالبي وادب الدنيا والدين للماوردي ...... الخ والطابع العام لهذه الكتب مع تفاوت فيما بينها، هو التعويل على أركان الثقافة العربية.
تمتح منها وتستشهد بنصوصها. وأركان الثقافة العربية عامة هي: القرآن الكريم، الحديث النبوي الشريف، والشعر العربي القديم، والمأثور من أقوال الحكماء والكتاب، ولما كان الواحدي قد عرف بأنه مفسر للقرآن وعالم بالحديث، فقد غلب على كتابه الاستشهاد بآيات من القرآن الكريم، ونصوص من الحديث الشريف ولكنه لم يهمل الشعر القديم، ولا نثر الكتاب الذين سبقوه أو عاصروه.
فالواحدي مثلاً تحت عنوان: (فصول التهنئة بالعيد، وما تختص به من الأدعية ) يقول: قال أنس: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة» ولهم يومان من السنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم قدمت عليكم ولكم يومان تلعبون فيهما، وإن الله أبدلكم بهما خيراً منهما: «يوم الفطر ويوم النحر» ويسوق بعد ذلك ما كتبه أبو الفرج بن هندو» مما يناسب هذا المقام، وينشد بعد ذلك أبياتاً في هذا المعنى للصابي كقوله:
عيد إليك بما نحب يعود بطوالع أوقاتهن سعود
ويلي ذلك فصل يختص بالأضحى، فيه شرح لمعنى الأضحاة والتضحية وحديث شريف يناسب المقام، ثم ألفاظ صالحة للتهنة بهذا العيد وتحت عنوان « فصول الأدعية» يذكر ما يلي: فصل في فضاء الدعاء، ويستشهد هنا بالآية الكريمة « ادعوني أستجب لكم» ويأتي بفصل من كلام البلغاء في الدعاء ومن أولئك البلغاء:
أبو بكر الخوارزمي، والشيخ «أبو بكر القهستاني ثم يسوق بعد ذلك أبياتاً في الأدعية منها قول البحتري:
كان له الله حيث كان، ولا أخلاه من غره ومن نعمه
حاجاتنا أن تطول مدته وسؤلنا أن يعاذ من عدمه
ويعقبها بأبيات أخرى في المعنى ذاته، لكل من أبي فراس الحمداني، وابن المعتز، وعلي بن حسن الكاتب ...... الخ
ومن الجدير ذكره أن أهمية هذا الكتاب تكمن في احتوائه على نصوص شعرية ونثرية لا توجد في غيره من كتب الأدب، ومنها نصوص شعرية لكل من: أبي منصور الثعالبي، ابن المعتز، الصاحب بن عباد، ابن الرومي ..... الخ ومنها نصوص نثرية لكل من: القاضي منصور بن أبي منصور الأزدي، بديع الزمان الهمداني، أبي اسحق الصابي، ابن هندو ..... الخ.
والملاحظ أن ظاهرة السجع قد شاعت في ثنايا النصوص النثرية الواردة في هذا الكتاب، وهي ظاهرة طبعت الكثير من كتب الأدب التي ألفها علماء من القرنين الرابع والخامس الهجريين، أمثال « الصاحب بن عباد» في كتابه «الفصول» وبديع الزمان الهمداني في مقاماته، وابن العميد فيما أثر عنه من نثر، والثعالبي في كثير من كتبه، ومن امثلة ذلك ما ساقه الواحدي في فصل «التهنئة بتعليم الولد الأدب» ونصه: « الأدب أشرف مكتسب وأفضل منتسب، وأقوى سبب إلى أشرف رتب وأرفع علم لأصحابه، وأزينه لأربابه.
وأعلاه لصاحبه إلى معاني الأمور، ورفع محله فوق الجمهور، به يتقرب إلى الأكابر، ويرام صعود المنابر، ويسمو بصاحبه فوق النظراء، ويطرق له مجالس السادة الكبراء، والملوك والأمراء ويحظيه عند الكتاب والوزراء.
وخلاصة القول: إن كتاب، الدعوات والفصول، للواحدي واحد من الكتب المهمة لمعرفة مسيرة الإبداع العربي وواحد من الكتب التي أرخت لتلك المسيرة، لنتعرف بعمق على الإبداع العربي ومساهماته .