كم تخسر الرواية عندما تصبح فيلماً، سؤال يدركه الروائيون الذين لا يوافقون على تحويل رواياتهم إلى أفلام سينمائية، وهم قلائل، لأن السينما تحول الرواية من قراءة فردية إلى مشاهدة جماعية تصل إلى أضعاف مضاعفة من الناس.
عندما أدار غابرييل غارسيا ماركيز ورشة سيناريو مطلع التسعينات ضمت عشرة عاملين في حقل السينما بأميركا اللاتينية قال لهم: إن كل قصة تحمل معها تقنيتها الخاصة، والمهم بالنسبة إلى كاتب السيناريو، هو اكتشاف تلك التقنية.
من بين الروائيين الذين كتبوا روايات ذات بعد سينمائي يأتي غراهام غرين في المقدمة فهو لا يكتب بالقلم بل بالعدسة حسب ناقد بريطاني مشهور، لأنه يصور المكان ويهندسه مقطعيا، ويصفه تفصيليا دون ملل أو ثرثرة وبذلك كان أكثر كتاب الرواية قربا من السينما لكنه الأكثر بخلا في إعطاء الموافقات لتحويلها إلى أفلام.
إلى سنوات قريبة كان ماركيز من المنضمين إلى حزب الرواية فقط، ولكن مع «قصة موت معلن» حدث ذلك التحول نحو مشهدية عملاقة إذ قَيَّض لها مخرجا عملاقا مثل خورخي تريانا ليحولها إلى قطعة بصرية. ولعل ماركيز وهو أحد عمالقة الرواية المعاصرين أدرك سر السينما وما تفعله طولا وعرضا لنشر الثقافة وتعميم الجمال ونقل الأفكار فآمن بها وهاهي رواية «الحرب في زمن الكوليرا» في طريقها إلى شاشة السينما مع مخرج مبدع مثل البريطاني مايك نويل.
عندما تتحول الرواية إلى فيلم يتبادر السؤال أيهما أجمل الرواية أم الفيلم؟.
عموما يميل القارئ إلى ترجيح الرواية ليس لأنها الأجمل، بل لأنها فيلم كتبه القارئ في خياله و عندما لا تتوافق خيالات القارئ مع خيالات الفيلم، تصبح الرواية أجمل.
ولكنها ليست حقيقة مطلقة فالأفلام رؤيتها غير الروايات، والذين شاهدوا «عمارة يعقوبيان» يدركون ذلك، أو الذين شاهدوا مؤخرا فيلم «العطر» للمخرج توم توكفير المأخوذ عن رواية «العطر - قصة قاتل» للألماني باتريك زوسكيند سيدركون قيمة تحويل الفن من مجرد صورة في الذهن إلى واقع بصري على الشاشة تنقصه الرائحة لتدب فيه الروح.
الروايات الخالدة عبر التاريخ كرمتها السينما وحفظتها من النسيان أو الإهمال، وحتى يومنا الحاضر يجيء فيلم «ذهب مع الريح» للمخرج فيكتور فليمنغ لمارغريت ميتشل في مقدمة أهم عشرة أفلام في تاريخ السينما، رغم انه أنتج في العام 1939.
وفي السياق تأتي معظم روايات عمالقة الأدب في العالم تولستوي وتورغنيف وبوشكين وصولا إلى عصرنا الحالي مع همنغواي وتوماس مان ونجيب محفوظ وحنا مينا وغيرهم ممن حولت السينما أعمالهم إلى أفلام حفظتها الذاكرة إلى درجة أن شخصية البحار في فيلم « غداً يوم آخر »المأخوذ عن رواية العجوز والبحر لهمنغواي أصبحت معيارا للجد و المثابرة وعدم فقدان الأمل، مثلما أصبحت شخصية سيد عبدالجواد في فيلم «بين القصرين» معيارا للتسلط والذكورية المطلقة المستبدة.
ما تفعله السينما بالأدب ليس سيئا إذا كان المخرج مبدعا، وعلى الأغلب ستضفي السينما إلى الأدب نكهة بصرية تساعد على فتح آفاق الخيال نحو حدائق أوسع مما يتصوره القارئ، فهو فرد في حالة تصور، بينما السينما بالكاميرا والموسيقي والصوت والمؤثرات الأخرى هي عدد كبير من المبدعين يساهمون في إيجاد خيال واسع ومتعدد وأقل ما يقال عنه: إنه نكهة بصرية لعالم كان حبيس الورق.