جيمس تروب، صحفي أميركي معروف، له مساهماته في العديد من كبريات الصحف والدوريات الأميركية مثل «نيويورك تايمز» و«نيو اتلانتيك» و«النيويوركر»، وهو أحد الأخصائيين الأميركيين ذوي الشهرة العالمية في السياسة الخارجية الأميركية وفي شؤون منظمة الأمم المتحدة.
وهو عضو في مجلس العلاقات الخارجية الأميركي. له العديد من الكتب من بينها: الهند وتحدي التغيير و«بلايين الدولارات: التجارة الدولية للمخدرات» و«ملعب الشيطان»، الخ.
«أفضل النوايا: كوفي عنان ومنظمة الأمم المتحدة في عصر القوة الأميركية» كتاب عن محصلة الفترة التي أمضاها كوفي عنان كأمين عام للأمم المتحدة. وهو يقدم هذا الدبلوماسي على أنه كان أحد الأمناء العامّين الكبار الذين عرفتهم منظمة الأمم المتحدة في تاريخها كله.
وإذا كان قد قام بالكثير من الإنجازات فإن فترته قد عرفت أيضا عدة فضائح كبيرة لم يكن أقلها شأنا فضيحة «العمولات» الخاصة بأموال «النفط مقابل الغذاء» والتي توجهت فيها أصابع الاتهام لعدد من موظفي الأمم المتحدة وكذلك طالت ابن كوفي عنان نفسه ويعتبر المؤلف أن أكبر الهزّات التي تعرّض لها الأمين العام (السابق) للأمم المتحدة وهذه المنظمة الدولية التي مثلها لفترة سنوات طويلة، إنما كانت بسبب منطق «الاستخفاف» الذي تعاملت به إدارة جورج دبليو بوش عندما قامت بحربها الأخيرة في العراق رغم المعارضة التي لقيتها تلك الحرب داخل مجلس الأمن الدولي.
وتتم الإشارة في هذا الإطار إلى أشكال النقد العنيفة التي صدرت حتى من قبل بعض الأصدقاء، وترافقت بالتساؤل عمّا إذا كانت هذه المنظمة الدولية التي ساهمت طيلة ستين عاما في صيانة السلام العالمي لا تزال تحتفظ بفائدتها.
إن أحد الأسئلة التي يحاول مؤلف هذا الكتاب الإجابة عنها هو سبب ضعف مكانة الأمم المتحدة وعمّا إذا كانت أشكال الفشل التي لاقتها تعود إلى خلل ما في بنيتها وفي ثقافتها نفسها أو أنها تعود بالأحرى إلى عدم توافقها مع النهج الذي أرادت الإدارة الأميركية في ظل رئاسة جورج دبليو بوش أن تجعله هو «السبيل الوحيد» الذي ينبغي على الجميع السير فيه دون أخذ أي اعتبار للرأي العام العالمي؟
لا شك أن الولايات المتحدة الأميركية أصبحت هي القوة العظمى الوحيدة في العالم بعد انهيار المعسكر الشيوعي، وإنها تريد لإرادتها أن تكون «المهيمنة» في «عصر القوة الأميركية». و«جيمس تروب» يقوم بالتفتيش داخل ملفات الأمم المتحدة وآليات عملها خلال السنوات الأخيرة كي يحدد العوائق التي واجهها الأمين العام لهذه المنظمة الدولية منذ بداية سنوات التسعينات حتى اليوم.
وهو لا يتردد في وصف الفترة المعنية بأنها كانت «صعبة جدا» حيث سادتها حالة من «النزاع» و«التمزق» بين تيارين ضمتهما قبة المنظمة الدولية يؤيد أحدهما وجهة النظر الأميركية ويبدي حساسية كبيرة حيال أشكال النقد التي توجهها واشنطن، وتيار آخر أظهر تصميما واضحا في مواجهة الإرادة الأميركية.
ومثل هذا النزاع أدّى بالمنظمة الدولية إلى عدم التمكن من اتخاذ قرارات حاسمة حيال قضايا دولية كبرى. ويروي مؤلف هذا الكتاب أيضا كيف تحطمت محاولات كوفي عنان من أجل القيام بإصلاحات داخلية بنيوية لمنظمة الأمم المتحدة، وذلك أمام «المقاومة» التي أبداها «جون بولتون» السفير الأميركي لديها.
ويبيّن المؤلف أيضا مدى التباين الكبير بين الشعارات التي رفعتها الأمانة العامة للأمم المتحدة خلال السنوات الأخيرة وبين الإمكانيات الفعلية لتحقيق مثل تلك الشعارات على صعيد الدبلوماسية والعلاقات الدولية. ويرى أن السمة الحقيقية للفترة الأخيرة كانت هي «الضعف» الذي شهدته على أرض الواقع مهما كانت التسميات التي أطلقوها عليها وبأنها تجسد «الأمل بعالم أفضل» أو أنها على العكس «ملجأ المنافقين».
وبكل الأحوال من الواضح جدا أن مؤلف هذا الكتاب يريد أن يكون «موضوعيا» في الآراء التي يطلقها، مما يعطي لتحليلاته بُعدا «توثيقيا» لهذه المنظمة التي تضم 192 بلدا، وحيث يريد كل «رأس» من القوى الكبرى الممثلة فيها أن يُسمع صوته في قضايا العالم، لكن مع تأكيد الجميع دون استثناء أنهم يبحثون بالأحرى عن «تحقيق المصلحة العامة».
أما الصورة التي يرسمها مؤلف هذا الكتاب في تحليلاته لكوفي عنان بصفته أمينا عاما - سابقا- لمنظمة الأمم المتحدة هو أنه ذو طبيعة «مثالية». وإن مثاليته هذه دفعته إلى الدخول في مغامرة محاولة «إعادة صياغة هيكلية المنظمة الدولية» دون أن يأخذ في حسبانه ما يطرحه واقع عالم تسيطر عليه «الولايات المتحدة الأميركية ذات النزعة المحاربة» في إطار التوجه الايديولوجي للمحافظين الأميركيين الجدد.
ويؤكد المؤلف أن «المواجهة» التي عاشها كوفي عنان مع إدارة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش أثناء أزمة ثم حرب العراق في ربيع عام 2003 إنما قد أصابته بـ «نوع من حالة الإحباط النفسي» فضلا عن الضعف الذي أصاب المنظمة الدولية نفسها بسبب تلك «المواجهة» وما رافقها من «شلل» في قدرتها على توجيه ما كان يرتسم آنذاك من أفق الحرب، التي وقعت بالفعل.
وكان كوفي انان، الذي يحاول مؤلف هذا الكتاب أت يرسم خطا بيانيا لسيرته المهنية، موظفا متواضعا عندما التحق بمنظمة الأمم المتحدة في جنيف مند مطلع عقد الستينات. وقد تحلّى دائما بموهبة كبيرة في «المصالحة بين آراء مختلف الأطراف». لكن تفجيرات 11 سبتمبر 2001 غيّرت المعطيات كلها. وعبّر عن ذلك العديد من المراقبين بالقول إن «عالما جديدا قد انبثق».
وكان التغيّر جذريا في سلوكية الولايات المتحدة التي قررت ونفّذت الحرب ضد العراق دون أية موافقة للمجموعة الدولية وفي ظل غياب أية تعددية في السعي للوصول إلى حل عن طريق التفاوض والدبلوماسية.
ومن الإشكاليات التي يتم التأكيد عليها في هذا الكتاب فيما يخص عمل منظمة الأمم المتحدة يذكر المؤلف واقع البيروقراطية المخيّم في آليات طريقة تسييرها. هذا بالإضافة إلى وجود العديد من الموظفين من «غير أصحاب الكفاءة» بما في ذلك في «الطابق 38» من بناء الأمم المتحدة في نيويورك حيث يوجد مكتب الأمين العام نفسه.
ويرى المؤلف أن السنوات الست الأولى من فترة الأمانة العامة للأمم المتحدة في ظل كوفي عنان كانت «فترة حبورة» وأنها عرفت الكثير من الإنجازات التي لا تشوبها شائبة.
وهكذا حصل الأمين العام بـ «التقاسم» مع المنظمة على جائزة نوبل للسلام عام 2001. لكن ذلك «المجد» أعقبه خلال السنة التالية مباشرة «تهميش» المنظمة الدولية، وتحديدا «انقلب كل شيء» خلال شهر سبتمبر 2002 عندما ألقى الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش الخطاب الافتتاحي للدورة السنوية للجمعية العامة وطلب فيها من الأمم المتحدة أن «تسوّي مشكلة صدام حسين» وإلا فإنها «سوف تفقد علّة ـ سبب ـ وجودها».
وكان بعد ذلك انقسام مجلس الأمن حول كيفية نزع سلاح العراق وعدم تمكن المنظمة الدولية من شن الحرب على العراق وحيث ينقل جيمس تروب عن السيدة «اليزابيت ليندماير» التي عملت مساعدة لكوفي عنان لفترة طويلة أن الأمين العام كان ولمدة أسابيع «محطّما وقد كان ذلك -وقوع الحرب- بالنسبة له بمثابة مأساة شخصية». ويؤكد المؤلف أنه قد اعتراه نفس الشعور من حديث كوفي عنان نفسه عندما منحه إمكانية لقائه وبدون أية حدود طيلة أكثر من عام وما بين صيف 2004 وخريف 2005.
وهذه اللقاءات، إلى جانب العديدة أيضا التي أجراها مع مساعديه، شكّلت مادة رئيسية لهذا الكتاب، وحيث أن العنوان نفسه «النوايا الحسنة: كوفي عنان ومنظمة الأمم المتحدة في عصر القوة الأميركية» إنما يعبّر بالتحديد عن مفهومين في العلاقات الدولية أحدهما، يقول به عنان والمنظمة الدولية، على أساس تعددية الأطراف فيما يخص اتخاذ القرارات العالمية المصيرية،
ويقول الآخر، الأميركي، بقطبية أحادية دولية «في خدمة المصالح الأميركية تحديدا. هذا ولم تكن واشنطن تتصور أبدا أنه يمكن لكوفي عنان أن يمشي في اتجاه مغاير لإرادتها لاسيما وأنها كانت الصوت الوحيد القوي الذي منع التجديد لبطرس بطرس غالي على رأس الأمم المتحدة عام 1996.
وتتسم الفترة التي أمضاها كوفي عنان على رأس المنظمة الدولية ما بين عام 1996 وعام 2006 بعدم التمكن من الوصول إلى مجابهة ثلاثة تحديات كبيرة تتمثل في وجود اقتصاد عالمي تنقصه العدالة وفوضى دولية راسخة وعدم احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون الدولي. كما لم يمكن التوصل إلى إيجاد حل للتزاع الفلسطيني-الإسرائيلي الذي يرى الأمين العام ـ السابق ـ للأمم المتحدة أنه ليس هناك أي نزاع آخر يحمل نفس القدر من «الشحنة الرمزية والانفعالية».
*الكتاب: أفضل النوايا كوفي عنان ومنظمة الأمم المتحدة في عصر القوة الأميركية
*الناشر: ايرار ستروس غيرو نيويورك 2006
*الصفحات: 442 صفحة من القطع المتوسط
The best intentions
Kofi Annan and the UN in the era of american world power
James Traub
Errar Straus Giroux-New York 2006
p.442
