آن جونز هي صحفية ومصورة أميركية، شاركت عام 2003 (شهر فبراير) في مهمة إنسانية مع إحدى المنظمات غير الحكومية بأفغانستان وتعرّفت عن قرب على أوضاع النساء الأفغانيات في المدارس والمستشفيات والسجون، وكانت النتيجة هي هذا الكتاب: «كابول في الشتاء: الحياة بدون سلام في أفغانستان».
كانت مؤلفة هذا الكتاب قد أمضت شطرا كبيرا من حياتها خلال السنوات الأربع الأخيرة المنصرمة من حياتها في أفغانستان حيث عملت خاصة كأستاذة في الثانوية الانجليزية بكابول. وهي تقدم في هذا العمل شهادتها عمّا شاهدته وعايشته. إنها تبدأ كتابها بالجملة التالية: «لقد ذهبت إلى أفغانستان بعد أن توقفت عمليات القصف الأميركي».
كانت الحرب الأميركية على أفغانستان، إثر تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن، ترمي كما أعلنت إدارة الرئيس جورج دبليو بوش إلى «تحرير» الأفغانيين من حكم «طالبان» وإعادة بناء البلاد في شتى المجالات، وخاصة إصلاح النظام التربوي، و«تحرير» المرأة. ولكن الواقع كما ترسمه مؤلفة هذا الكتاب كان شيئا آخر،
وهي تؤكد على مدى صفحات عديدة من كتابها أن ما عرفته المرأة الأفغانية في ظل نظام طالبان لم يكن يمت بأية صلة مع تعاليم الدين الإسلامي، وإنما هو بالأحرى إرث عقود طويلة من التخلف والانغلاق الاجتماعي في المجتمع الأفغاني «ذي النزعة البطريركية ـ الذكوريةـ الجامدة». هذا الإرث هو الذي جعل المرأة غائبة إلى حد كبير عن المدارس والملاعب الرياضية ومختلف النشاطات المهنية التي أفرزتها الحياة الحديثة ومستلزماتها.
وتشرح المؤلفة أيضا «وقع» الحرب الأميركية على أفغانستان بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001 لدى الرأي العام الأميركي الذي وجد نفسه مقسوما بين تيارين عريضين. يرى التيار الأول أن تدخل إدارة جورج دبليو بوش العسكري في أفغانستان يعني الدخول في مغامرة «غير محسوبة النتائج» على أساس نزعة «تدخلية» تريد فرض سيادة القطب الأميركي الوحيد في العالم،
وتيار آخر يؤيد غزو أفغانستان باسم «الحرب على الإرهاب» وكي لا تتكرر العمليات الموجهة ضد الولايات المتحدة الأميركية من الخارج مثل تلك دمّرت برجي مركز التجارة العالمية في نيويورك وذهب ضحيتها ما يقارب الثلاثة آلاف شخص معظمهم من الأميركيين ـ إذ هناك نسبة ضئيلة من غير الأميركيين بين ضحايا تلك التفجيرات.
وما تؤكده مؤلفة هذا الكتاب أن أفغانستان، البلد الأول الذي «حررته» إدارة جورج دبليوبوش لا يزال في حالة شديدة السوء و«صورته قائمة» وبعيدة جدا عن تلك الصورة «المشرقة» التي وعد بها الداعون لـ «الحرب العالمية ضد الإرهاب».
وتضيف أنه إذا كان قد جرى التوصل إلى الإطاحة بنظام طالبان في أفغانستان، فإن هذه المنظمة «المتطرفة» لا تزال تتمتع بقدرة كبيرة على التحرك وعلى تجديد «تكتيكاتها» في مواجهة القوات الأجنبية المتواجدة في البلاد، المتمثلة بالقوات المنضوية تحت جناح الحلف الأطلسي الأميركية والانجليزية والفرنسية والكندية بشكل خاص والتي يتزايد عدد الضحايا بين أفرادها، خاصة في المناطق الجنوبية من أفغانستان وحول وفي «قندهار» بشكل أكثر تحديدا.
ولا تتردد المؤلفة هذا الكتاب في التأكيد أنها قد ذهبت إلى أفغانستان كي تستقرئ ما يجري على أرض الواقع ومدى «تطابقه» مع ما يقال من لهجة «انتصارية» رسمية أميركية. هذا بالإضافة إلى ما تعتبره «حسّها الإنساني». وبعد أن تؤكد أكثر من مرّة أنها قد ذهبت إلى كابول في فصل شتاء 2003 وبعد أن توقف القصف الأميركي ـ الذي لم يتوقف في الواقع بشكل كامل- تقول: «لقد أحسست، بطريقة أو بأخرى، أنني مدفوعة بواجب المساعدة في تجميع القطع المتناثرة (...).
وأنا النيويوركية التي عاشت دائما في وسط المدينة فقدت لفترة طويلة بعد انهيار البرجين قدرة التحرك السريع لم يقدم لها الأربعة آلاف ضحية من المدنيين في كابول أي عزاء عن موت الآلاف أثناء سقوط برجي المدينة التي كانت لزمن طويل منزلي. وأعتقد أن أميركا قد فقدت هي أيضا قدرة التحرك،
ولهذا ذهبت إلى أفغانستان».وتشرح المؤلفة أيضا كيف أن تجربة العيش في كابول في إطار مهمة إنسانية لمنظمة غير حكومية صغيرة، وعبر دراستها الدؤوبة طيلة فترة إقامتها لأوضاع المرأة الأفغانية حتى في السجون النسائية «ذات الأبواب المغلقة والتي يصعب الولوج إليها» قد جعلتها «تكتشف الكثير عن الطريقة الأميركية في إعادة البناء»، وحيث كانت الإدارة الأميركية الحالية قد أرادت أن تجعل من أفغانستان «نجاحها الأول الكبير في إعادة صياغة العالم المعروف».
ومن خلال التعرض بإسهاب للمسيرة التاريخية التي عرفتها أفغانستان «الحديثة» وكيف أنها «استعصت» على جميع الغزاة الذين لم يكن البريطانيون هم الأقل شأنا بينهم خلال القرن التاسع عشر، يجد القارئ مدى عمق الهوة بين «حلم التحديث» و«واقع التخلف»، خاصة فيما يتعلق بأوضاع النساء الأفغانيات.
ويتم التذكير في هذا السياق بما كان قد قيل، وتكرر قوله، عن أفغانستان «الهادئة الهانئة الديمقراطية» بعد إعادة بنائها والتي أراد الأميركيون الرسميون أن يقدموها كـ «نموذج» لما ستعرفه العراق مستقبلا. وكان وزير الدفاع الأميركي - السابق- دونالد رامسفيلد قد أعلن في شهر أغسطس من عام 2002 عن «النجاح المدهش» لما ستعرفه أفغانستان «كنموذج لما يمكن أن يحدث في العراق». لكن فشل مثل هذا النموذج في العراق ينبغي أن «لا يجعلنا نندهش» من واقع أنه «لم يعمل جيدا» في أفغانستان أيضا.
وترى مؤلفة هذا الكتاب أن الولايات المتحدة الأميركية، وبدلا من تشجيع مفاوضات السلام بين مختلف الأطراف المتنافسة في أفغانستان، إنما عززوا من قوة مختلف قادة الميليشيات الذين كانوا قد استخدموهم كي يحاربوا «بالنيابة عنهم» الاتحاد السوفييتي خلال سنوات الثمانينات.
ثم شرعت الإدارة الأميركية بإجراء انتخابات تضمن «نجاح مرشحيها» وبحيث اعتبرت ذلك «عملية ديمقراطية» حرّة. كما ساعدت على إنشاء قوة دولية ينتمي أغلبية أعضائها إلى بلدان أوروبية مما خلق في واقع الأمر نوعا من «الجزيرة الأمنية» بالنسبة للحكومة بينما انفلت العنف على غاربه في السواد الأعظم من البلاد.
ثم إن حركة «طالبان» نفسها لم تتوقف أبدا عن القتال في جنوب البلاد. وهنا تتم الإشارة إلى أن اللجنة الأفغانية المستقلة لحقوق الإنسان تميل إلى الاعتقاد بأن السواد الأعظم من الأفغانيين كانوا يؤيدون لفترة طويلة اللجوء إلى «المصالحة» وإصدار «عفو عام». لكن غياب مثل هذا المنظور دفع الرأي العام الأفغاني «الذي يصعب توقع ردود أفعاله» إلى الانقلاب بقوة ضد الحكومة المركزية التي تعاني من نقاط ضعف كبيرة والمحميّة في العاصمة من قبل قوات أجنبية.
وبالنتيجة دفعت «الحياة بدون سلام في أفغانستان» أغلبية الشعب إلى فقدان الأمل بحكومة الرئيس «قرضاي» الذي تنقل المؤلفة عن الكثير من الأفغانيين وصفهم له أنه «رئيس بلدية كابول» أو «مساعد السفير الأميركي». ويتم هنا تحديد القول إن الأفغانيين قد تعوّدوا «تاريخيا» اختيار قادة أقوياء «يحظون بالطاعة» بينما يقومون هم بـ «تحقيق الأمن». أما في أوضاع ما بعد الحرب الأميركية الأخيرة فإن «الأفغاني المتوسط، العادي» لا يزال يرزح تحت وطأة الفقر وحيث لا تبدو أنه هناك أية «آفاق مفتوحة».
هكذا خبت أيضا جميع الآمال التي عقدها الأفغانيون في استئناف حياة عادية نشيطة بعد زوال حكم طالبان وتأمين ما هو مطلوب على أصعدة فرص العمل وتشييد المدارس والمرافق الصحية وإيجاد المساكن، وغير ذلك مما لم يتحقق في ظل «السلام» المزعوم و«الديمقراطية المزيفة التي فرضتها إدارة جورج دبليو بوش». باختصار إن عملية «إعادة البناء» لم تتم.
وتشرح المؤلفة أيضا آليات المنظومة الخاصة للمساعدة الأميركية المكرّسة للتنمية في أفغانستان، وإنما أيضا للتنمية على الصعيد العالمي. ورغم مليارات الدولارات المخصصة لأفغانستان خلال السنوات الأخيرة يتساءل الأفغانيون «أين ذهبت تلك الأموال؟». وتتم الإشارة هنا إلى نفس السؤال ينبغي أن يكرره دافعو الضرائب الأميركيون. الإجابة الرسمية هي أنها «ضاعت في بالوعة الفساد».
وكتاب تحاول فيه مؤلفته أن تسبر أغوار الثقافة الأفغانية بشتى مناحيها، لكنها تركز بشكل خاص على ما توليه هذه الثقافة لمكانة المرأة في المجتمع، ولكن أيضا وأساسا على ما خلّفته الحرب الأميركية الأخيرة على الآلاف من النساء و«الأرامل».
ولا تتردد في أن تؤكد أن النساء الأفغانيات يعانين بنسبة كبيرة منهن من مختلف أشكال العنف.«كابول في الشتاء» هو كتاب عن التاريخ السياسي والعسكري لأفغانستان ولتقاليدها الثقافية ودور سادة الحرب فيها؛ وكما يبدو هذا كله في حياة الناس اليومية عامة، وحياة النساء بشكل خاص... أما «الديمقراطية» فلا مكان لها في حياة الأفغان اليوم... ولا بالأمس.
*الكتاب:كابول في الشتاء: الحياة بدون السلام في أفغانستان
*الناشر:بيكادور ـ نيويورك 2006
*الصفحات: 336 صفحة من القطع المتوسط
Kabul in winter :
life without peace in Afghanistan
Ann Jones
Picador- New York 2006
p.336

