أجرت روزماري جورينغ، المحررة الثقافية بصحيفة «جلا؟س؟غو هيرالد» هذه المقابلة مع الروائي الانجليزي مارتن أميس بمناسبة صدور روايته الحادية عشرة، مؤخراً، بعنوان «دار اللقاءات» لتحظى باهتمام كبير تناقض كثيراً مع الهجمات العاصفة التي شنها النقاد بضراوة على روايته «الكلب الأصفر».

وألقى أميس الضوء في هذه المقابلة على العالم الذي تنبعث منه الرواية، والذي يعيد إلى الأذهان فظاعات عهد جوزيف ستالين وبصفة خاصة عقب الحرب العالمية الثانية، ويؤكد اهتمامه الآن بالتاريخ خلافاً لمراحل سابقة من مسيرته الإبداعية، ويتنبأ بأن روسيا ستعود من جديد إلى التشبث بوضعية القوة الكبرى، مشيراً إلى أن دولة كروسيا إما أن تواصل المسيرة إلى الأمام أو تفقد إرادة الاستمرار على الإطلاق. وفيما يلي نص المقابلة:

عندما كان مارتن أميس في طريقه إلى إجراء مقابلة مع سول بيلو، التقط جوهر صراع التوقعات الذي يحس به الكثيرون منا وهم على وشك لقاء كاتب شهير بقوله: «باعتبارك معجباً وقارئاً، فإنك تريد من بطلك أن يكون متهماً حقاً. وبحسبانك صحافياً فإنك تأمل في جنون وزلات لسان يدعو للاستنكار وانهيار عصبي كامل في منتصف المقابلة».

تلك كانت خواطري على وجه الدقة، فيما كنت أقترب من نادي سوهو في لندن، حيث سأجد الروائي الإنجليزي الوحيد في عصرنا الذي يمكن أن يوصف بأنه مؤثر بصورة جدية، وقد لقى أميس احتفاءً كبيراً به منذ اليوم الذي صدرت فيه روايته الأولى «أوراق راشيل» قبل ثلاثين عاماً. وهو من دون شك الروائي الذي يتطلع الروائيون الواعدون إلى تقليده.

أو على الأقل كان هذا هو الوضع حتى روايته قبل الأخيرة «الكلب الأصفر» التي انتقدها النقاد بضراوة بالغة إلى حد أن ما بقي من مساره المهني بدا وكأنه بسبيله إلى العناية المركزة، إن لم يكن إلى المشرحة. ومن بين أكثر منتقدي ذلك الكتاب ضراوة بيتر كيمب الناقد في صحيفة «صنداي تايمز» الذي كتب يقول:

«الانطباع الذي يعطيه الكتاب هو عن موهبة تخطو خطواتها الأخيرة».الآن كم يبدو متسماً بالحماقة هو ومن شاركوه الهجوم على أميس، فروايته الجديدة القوية ستثير حيرة الحانقين عليه وحماس المعجبين به، وربما تجتذب أولئك الذين تجنبوه في السابق وتدفعهم إلى اكتشاف مدى جودته.

وهو يقول عن روايته الجديدة: «كل ما هنالك أنني كنت قلقاً عليها». ومن المؤكد أنه ليس في حديثه ما يشير إلى أنه يعتقد أنه قد ألف لتوه كتاباً بالغ الروعة. ورواية «دار اللقاءات» التي تعد مصدر هذا القلق هي عمل مؤثر بعمق، تقع أحداثه إلى حد كبير في أحد جولاجات الاتحاد السوفييتي، حيث أمضى أخوان، هما القبيح ليف والراوية الوسيم الذي لا تعرف اسمه قط، عشر سنوات يحاربان أشباحهما.

وينبع بؤس الراوية من أن أخيه قد تزوج المرأة التي يحبها. أما بالنسبة لليف فإن الخوف يتجسد في وحشية الجولاج وما ستفعله به، ويقول أميس إنه من هنا يأتي قرار ليف بتبني نزعة التهدئة، وذلك: «لحماية ما هو مقدر له أن يخسره على أي حال، وهو ذلك الإحساس الرقيق بداخله، الإحساس الإنساني».

في غضون ذلك يحدثنا الراوية كيف أنه كجندي في الحرب العالمية الثانية «قمت بشق طريقي اغتصاباً عبر ما سيعرف في القريب باسم ألمانيا الشرقية». وهو إذا قورن بأخيه ليف فإنه يبدو رجلاً فظيعاً، عنيفاً، لا يرحم.وعلى الرغم من أنه ليس هناك شك في أن ليف هو بطل الرواية، فإن الراوية له جوانبه الموحية بالخلاص، ومنها إخلاصه لابنته بالتبني التي يسرد أحداث الرواية في صورة رسالة مطولة إليها.

يعترف أميس بأنه كان شديد البؤس خلال عكوفه على تأليف هذه الرواية إلى حد الشعور بالميل إلى الانتحار.وهو يقول: «لقد سخر البعض مني بالفعل لهذا، لكنه كان صراعاً محتدماً أن يكتب المرء عن المعاناة بينما لم أكن أنا نفسي أتعرض للمعاناة، وإنما أقيم في أورغواي في عالم يخلو من الضغوط حقاً، فيما يضطر إلى تخيل هذا كله.. ليس بوسعي التعرض لمعاناة عبودية العقاب في الدائرة القطبية. وإنما بمقدوري التعرض فقط لمعاناة دراسة هذا الذي جرى فحسب».

لقد كان سبب انزعاج أميس هو أنه للمرة الأولى كان يكتب تراجيديا أصيلة، محنة مروعة على الطراز القديم مكتوبة حول قصة حب رومانسية مؤثرة للغاية.

يقول أميس: «لقد اعتدت أن أشعر بالفخر البالغ حيال عدم معرفة أي شيء عن التاريخ، الأمر الذي يثير غضب أصدقاء لي مثل كريستوفر هيث الذي لم يستطع فهم السر في ميلي للهدوء وأنني لم أرغب في أن تكون لي أي صلة بالحياة السياسية.. ثم قمت بتأليف كتاب عن ستالين لأمنح نفسي ثقافة سياسية حقاً. نعم. إنني أحب التاريخ الآن، وهو موضوع عظيم بالنسبة لي الآن، وقد أصبح التعامل مع هذا الموضوع أمراً عاجلاً بالنسبة لي».

ويتابع: «ربما كان هذا شيئاً متعلقاً بالإيغال في العمر، لكنني وإيان ماكوين متفقان حوله، حيث لم نكن حريصين على قراءة المزيد من الروايات، فأنت تريد شيئاً ملموساً مما تقرأه. وهناك مجالات عديدة تجهلها، وملء هذه الفراغات الهائلة هو شيء يوحي بضرورة الإسراع بالقيام به».

والمنظور الذي يتبناه أميس فيما يتعلق بروسيا يعكس هذا. وهو يقول في هذا الشأن: «لم أرغب كثيراً في جعل هذا الكتاب رواية حول الاتحاد السوفييتي، وإنما أردت أن توحي بنوع من الحزن الأكثر عمقاً».

هذا الحزن الأكثر عمقاً هو فقدان روح روسيا. والأمر كما يقول راوية «دار اللقاءات» لابنته: «الضمير شيء بالغ الأهمية، وهو عندما يغيب، فإنك تغيبين أيضاً» وهو يتحدث على حد سواء عن نفسه وعن بلاده.ويتساءل أميس: «ما الذي تفعله إذا لم تواجه الأمر؟ حقيقي إن الجريمة الألمانية خفف منها قليلاً نصف قرن من الشفافية والبحث المعمق ورفع 30 ألف قضية. واعتقد أنه في روسيا رفعت «ألف قضية. لقد أعادت ألمانيا الاشتغال على نفسها بحيث تصبح شفافة، بينما روسيا، كما نرى، تحوم حول تخوم المجتمع الحر والمجتمع الديمقراطي. وكل أجهزة الخدمات الأمنية لا تزال لم تمس، ويمكن إعادة تنشيطها».

ويتابع: «هناك اندفاع كبير في روسيا نحو القوة العظمى، وإن كان بوتين قد قال: (إننا نخاطر بأن نصبح أمة عجوزاً). وهو لم يقصد أن كل الروس سيعيشون حتى يوغلوا في العمر، فهذا لا يحدث لهم، وكل الرجال هناك يموتون في السادسة والخمسين من أعمارهم، وما قصده هو أنهم في الجانب الخاطئ من التطور الارتقائي، فعندما تصبح أمة ما مريضة للغاية وعجوزاً، بمعنى أنها تفقد قوة اندفاعها إلى الأمام، فإنها تفقد إرادة الاستمرار الخاصة بها».

ويعد موضوع الإيغال في العمر قريباً من قلب مارتن أميس، الذي بلغ السابعة والخمسين من العمر، وعندما أعلق على إشارته مراراً في حوارنا إلى تقدمه في العمر، فإنه يقول: «أوه، نعم، ما عليك إلا الانتظار.. هذا يجعلك تفكر.. لماذا لم يحذرك الناس في هذا الصدد. وبالطبع، فهم قد حذروك. والأدب يحذرك من الإيغال في العمر. واعتقد أن غوغول هو الذي قال: (الإيغال في العمر مرير ولا يرد للمرء شيئاً ولا يعطي شيئاً) ولست أعتقد أن ذلك صحيح تماماً».

محطات في مسيرة أميس

* تمتد حياة الروائي الانجليزي مارتن اميس الإبداعية عبر ما يزيد على ثلاثة عقود قدم خلالها إحدى عشرة رواية، ومجموعتين من القصص القصيرة وستة كتب لا تنتمي إلى عالم القص، بالإضافة إلى أكثر من أربعمئة مقال، وهكذا فقد عاش حياة مجبولة من أدب، حسب تعبير كافكا الشهير، منذ صدور روايته الأولى: «أوراق راشيل»، حتى صدور روايته الحادية عشرة مؤخراً بعنوان «دار اللقاءات».

* يوصف تقليديا بأنه الروائي الانجليزي الأكثر تأثيراً في عصرنا غير أن روايته قبل الأخيرة «الكلب الأصفر» تعرضت لهجمات شديدة الضراوة من حشود من النقاد إلى حد اعتقد معه البعض أن مسيرة حياة اميس الإبداعية قد وصلت، من الناحية العملية، إلى نهايتها.

* يعكف أميس حالياً على وضع اللمسات الأخيرة على روايته الثانية عشرة بعنوان «الأرملة الحامل» وهي الرواية الأولى في رباعية جديدة تعاقد الروائي بالفعل على انجازها