تدور أحداث رواية مارتن اميس الصادرة مؤخراً بعنوان «دار اللقاءات» في آخر مكان يمكن لنا أن نتوقعه، في نورلاج وهو معسكر لعمل السخرة يقع في الدائرة القطبية، حيث نجد أنفسنا في عام 1946، حيث تضم ثلاثياً مؤلفاً من الراوية الذي لا نعرف اسمه أبداً وأخيه ليف وزوجة هذا الأخير التي يهيم بها، الأخوان حباً.
وعلى الرغم من أن اميس لم يزر هذا الجزء من العالم قط، بل لم يزر روسيا كلها بالمرة، إلا أنه يستلهم في روايته المواد البحثية التي جمعها خلال عكوفه على تأليف كتاب «كوبا الرهيب» عن ستالين، ويصيغها في قالب رسالة اعترافية يكتبها أحد الناجين من الجولاج الرهيب إلى ابنته بالتبني في أميركا، ويكشف النقاب عن جرائمه كجندي في الجيش الأحمر خلال اجتياح ألمانيا والأعمال الوحشية التي أقدم عليها في الجولاج.
يصل ليف، الذي يعد تجسيداً لنقيض شخصية الراوية، إلى الجولاج بدوره، ويستميت في الحفاظ على فرديته وضميره، وبالتالي يضيف المزيد من ألوان الحرمان والعذاب إلى ما يعايشه الراوية في غمار غرقه في وحشية معسكر العمل وعنفه. ما يقدمه اميس على صفحات هذه الرواية التي لا تمتد طويلاً هو تحديق في روح روسيا وسبر لأغوارها، وهو يقدمه لنا باحساس يردد أصداء احساس دستويفسكي بالقدر والمصير.
دار اللقاءات التي تمنح الرواية عنوانها هي كوخ يسمح فيه لليف بلقاء زوجي لمرة واحدة مع زويا. والقصة الكامنة في قلب الرواية تتصاعد بالزخم الدستويفسكي الذي يمكن توقعه من عمل ينتمي إلى هذه النوعية، خاصة إذا تذكرنا أنها تروي لنا في صورة رسالة يبعثها الراوية إلى ابنته.
والواقع أن الرواية تفتح في صفحاتها الأولى على عام 2004، حيث نلتقي الراوية، الذي غدا مواطنا أميركياً، حيث تمكن من الهرب، وهو يعود إلى سيبيريا، هذه المرة بحسبانه سائحاً، وهكذا تمتزج صور الجولاج بروسيا الحديثة. المفاجأة الحقيقية أن الراوية يجد روسيا بوتين مروعة تماماً كروسيا التي لاذ منها بالهرب، ويلفت نظرنا أن العودة إلى سيبريا تعد بحيث تتزامن مع أحداث بيسلان الوحشية في سبتمبر 2004،
سيبريا المعاصرة، كما يقدمها اميس، تحفل بالروس الذين يرتدون ملابس أقرب إلى أزياء الركض، لكن ما يركضون وراءه لا يعدو أن يكون خبز يومهم، في مصانع يبدو أنهم قدر لهم أن يموتوا فيها في مرحلة مبكرة من أعمارهم بفعل التلوث.
في الميدان العام في البلدة التي يقصدها الراوية تبيع الأكشاك روايات ذات غلاف ورقي رخيصة مع زجاجات الكحول الطبي التي تباع الواحدة منها بما يعادل ثلاثين سنتاً، وينهار الناس الذين ثملوا بفعل هذا الكحول في بريكات بلون الدم مليئة بالمحاقن المستخدمة والبقايا والنفايات، وتنطلق كلاب جائعة وتطاردها السيارات عامدة لتقتلتها، وسط صيحات الركاب المجنونة.
ليس من قبيل المصادفة، إذن، أن يقول الراوية: «هذه لم تعد الحرب العالمية الثانية، إنها ليست حتى الحرب الثالثة، وإنما هي الحرب الرابعة، إنها ما يحدث بعد كل شيء»هكذا فإن رواية «دار اللقاءات» في بعدها المادي، من خلال معسكرات العمل، البؤس، الإحساس الغامر بالخطيئة، تقدم روسيا ليس كبلد وإنما كرمز للمصير البشري. وهي بهذا المعني تذكرنا بدستويفسكي بقوة وعلى نحو موجع.
والرواية في تصويرها للعائلة من خلال الأخوين اللذين يحبان امرأة واحدة، ومن خلال إلقائها للضوء على الأخوين باعتبارهما يمثلان شريحتين من روح روسيا، تردد على وجه التحديد أصداء «الأخوة كرامازوف»، حيث نتذكر أن هناك أخاً ثالثاً للراوية وليف، وهو وحش في إهاب بشري، شأن سمردياكوف.
وخلافاً لرواية «الكلب الأصفر» التي تعرضت لقدر من الانتقاد الضاري من جانب الكثير من النقاد، فإن رواية «دار اللقاءات» أثارت قدراً كبيراً من الحماس. فاقت صحيفة «واشنطن بوست» غيرها في هذا الصدد، حيث أشارت إلى أن رواية اميس الجديدة هي رواية فذة تؤكد مكانة الروائي الانجليزي باعتباره «قوة في حد ذاتها» على حد تعبير الصحيفة التي وصفت أميس بأنه ليس له مثيل.
في الاطار نفسه رأت صحيفة «وول ستريت جورنال» في رواية اميس الجديدة عملاً ملحمياً مليئاً بالمفاجآت، يكشف من جديد أن اميس عبقري راسخ ونجم متألق يشع بصيرة ولماحية. ولا تتردد الناقدة متشيكو كاكوتاني في مقال مطول في «نيويورك تايمز» في الاشارة إلى أن هذه الرواية هي أقوى كتاب قدمه أميس لقرائه حتى الآن، وانه يقدم فيه أداء بالغ القوة يمضي إلى الامام بلا هوادة وبتأثير لا تراجع فيه، وان هذه الرواية أقرب إلى قطار ـ رصاصة ينطلق إلى قلب الظلام الذي شكله الجولاج السوفييتي.
وتضع صحيفة «صنداي تايمز» يدها على جانب آخر في الرواية، فهي تشير إلى الكوميديا السوداء فيها، وترى أنها أفضل رواية أصدرها اميس منذ «ميادين لندن».وبدورها تذهب «التايمز» اللندنية إلى الإشارة إلى ما تسميه بالقوة التراكمية لهذه الرواية ذات التأملات العديدة في مسار القدر الفردي في كون يتسم بالقوة البالغة.
على الرغم من كل هذه الإشادات، فإننا لا نعدم هجوماً بالغاً على الرواية من جانب مطبوعة متخصصة هي «ببلشرز ويكلي» التي لا تتردد في الإشارة إلى أن رواية اميس الجديدة هي عمل مخيب للآمال.
تشير المجلة إلى أن القالب الذي اختاره أميس ليصب عمله فيه ليس مقنعاً بما فيه الكفاية، فالرواية كلها هي رسالة داخل رسالة، الرسالة الأولى هي رسالة الراوية التي هي ابنته المتبناه فينوس والرسالة الأخيرة هي من ليف المحتضر والتي تعود إلى عام 1982، وهو العام الذي لقى فيه أرتم نجل ليف مصرعه في أفغانستان.
وهي تشير أيضاً إلى أن شخصية فينوس بدورها تبدو لنا لغزاً حقيقياً، وأقرب إلى الفراغ الذي لا نستطيع سبر أغواره.وتلفت «ببلشرز ويكلي» نظرنا إلى تناول شخصية فينوس من قبل المؤلف يتم عبر مجموعة من الكليشيهات المألوفة، التي تدور حول الفتاة الأميركية والتخمينات التي تثير الشعور بالضيق حول ما يمكن أن تكون عليه ردود أفعالها، وهو ما يضفي على الرواية لمسة من التنمر التي لا تغيب عن القارئ.
أياً كان الأمر، فإننا نظل ـ في نهاية المطاف ـ أمام رواية صغيرة الحجم، عظيمة القدر، ستترك من الأصداء في عالم الرواية الانجليزية أكثر بكثير مما تناهى إلى أسماعنا حتى الآن.
عندما تنطفئ الأنوار
«بدأ أدنى السجناء مرتبة والذين يعرفون بآكلي البراز في الابتعاد والانصراف إلى القطاع. ومن بين الذين بقوا بدا على البعض أن الاعتقال قد ثبط همتهم، وتفاقم فقدانهم للأمل، والتمعت عيون آخرين بالحلم بنصيب الأسد.. بدا تنفسي معلقاً في الهواء، فحتى في شهر يونيو يعلق تنفسي في الهواء وكأنك تدخن سيجاراً نارياً هائلاً، ويخرج لمسافة ستة أقدام ويلتف حولك، هذا التنفس الذي يشبه ملحفة.
انطفأت أنوار المطبخ الأخيرة، وأوصدت آخر الأبواب الداخلية بصوت مدو، وابتعد آخر آكلي البراز الباقين وهم يبكون على نحو طفولي في مواجهة قبضتيه».
مقتطف من رواية «دار اللقاءات»
*الكتاب: دار اللقاءات
*الناشر:الفريد نوف ـ نيويورك 2006
*الصفحات:256 صفحة من القطع المتوسط
House Of Meetings
Martin Amis
A.Knopf- N.Y.2006
p.25
