محمد جدوع من مواليد الرقّة 1950، يحمل إجازة من جامعة دمشق كلية الآداب، قسم الجغرافيا، له عدّة بحوث منشورة في الدوريات العربية والمحلية، شارك في الموسوعة العربية، عضو جمعية العاديات بالرقة.

في هذا الكتاب «التاريخ والعجيلي» يبدأ محمد جدوع باستحضار الذاكرة التاريخية لعبد السلام العجيلي، فهي ذات إحاطة شمولية، كما أن سفره الدائم، مكنه من التعرف على الأرض باتساعها وأكسبه خبرة وتجريباً واسعاً، إضافة إلى إطلاعه الواسع على النتاجات والإبداعات الفكرية والعلمية في لغاتها الأصلية مباشرة.

من خلال إجادته وإتقانه للإنجليزية والفرنسية، أتيح له التعرف على شتى المستجدات التي أبدعها الفكر الإنساني المعاصر. كما أن استلهامه للتراث الديني والمعرفي في شتى مناحيهما، كل هذه الظروف تضافرت لتجعل منه كاتباً كبيراً، أنجز إبداعات تناظر في ملامحها إبداعات الكتاب الكبار، كل حسب ميزته التي تفرد بها.

ولد عبد السلام العجيلي في الرقة (مدينة العشائر) عام 1918، سنة جمدة الفرات، شب في كنف والديه وأسرته، ولم يكن بالرقة سوى مدرسة ابتدائية واحدة، مما تطلب منه التوجه إلى حلب ليتم تعليمه الثانوي فيها، وليتوجه بعدها إلى دمشق لدراسة الطب في جامعتها الناشئة.

ضمن هذا النمط الرعوي وشبه الزراعي، تمت أولى إبداعاته القصصية، وما نود توكيده أن العجيلي راصد متمكن بارع في رسم الحياة الاجتماعية لمحيطه الاجتماعي الذي تحول لفعل عوامل التطور والتحضر.

إن المتتبع لنتاج العجيلي، لا يغيب عنه أساسيات خمسة، ولا تغادره جميع أحداث أفعال أبطاله، وهي (الرقة) كانتماء للمكان المركزي، الذي تغدو إليه جميع تنقلاته، والبادية كنمط للحياة، والفرات معبراً عن التجدد والاستمرار والمرأة هي الحياة بأشواقها وأشجانها، والتاريخ، كرمز للوجود والعراقة المتجذرة في أعماق الزمن الغابر والحاضر والمعاش والمستقبل الآت. ويقوم الكاتب بدراسة هذه الأفكار بشيء من التوسع، إلى أن يصل إلى التاريخ.

لقد استطاع العجيلي وببراعة التخلص من التاريخ وإشكالاته، سواء مع السياسة والإيديولوجيا وحتى مع المعرفة بالتعاطي مع التاريخ من خلال «اللحظة» التاريخية التي لا يرفع بوجهها «فيتو» السياسة أو الإيديولوجيا.

مع إن إبداعات العجيلي طافحة بالشأن التاريخي، إلا أن كتابته للتاريخ لها خصوصيتها وفرادتها، لأنه لم يرتض تناول التاريخ على شكل حوليات، ولم يندب نفسه لكتابة سير الشخصيات التاريخية، كما لم يسع لدراسة جانب معين من الحياة الفكرية لعصر تاريخي، لأنه يصر باستمرار بأنه هاوٍ للأدب، فمن باب أولى ألا يتنطع لدراسة عصر تاريخي معين من جميع جوانبه الاجتماعية والاقتصادية والفكرية.

وعلى الرغم من سعة أفقه الخيالي، فإنه لم يلجأ لمثل ما فعل جورجي زيدان في مزج الخيالي بالتاريخي، يقول (لم تكن غايتي أن أضع آثاراً كالتي كتبها والتر سكوت وألكسندر دوما وجرجي زيدان بالعودة إلى وقائع الماضي المشهورة والمنسية، وإحاطتها بنسيج واسع من الخيال من بغية إمتاع القارئ، بل إن غايتي كانت دوماً أن أبني عملي الأدبي على أحداث ماضية، لاقتبس منه دلالات على ما يجري في الحاضر، أو ما أتوقع أن يجري، أو ما أؤمل أن يجري في المستقبل).

مع اختلاف طريقة العجيلي في التعاطي مع التاريخ، إلا أنه أنجز عبر إبداعاته جميع الطرق التي تناولت كتابة التاريخ.

وصحيح أن تعلق العجيلي بالرقة تعلقا أسطوريا إلا أن ولهه وحبه الشديد لها لا يعني أن لها الأولية عما سواها من الديار العربية، هذا الحب جسده الفعل قبل القول من خلال مشاركته بجيش الإنقاذ الذي هب لنجدة فلسطين عام 1948. ففي قصته «بنادق في لواء الجليل» يتجول بنا العجيلي بين القرى الصغيرة من خلال تحرك كتيبته. وفي قصة «بريد معاد » ينقلنا إلى قرية جدين« أنا هنا على القمة، قمة سبلان فوق قرية حرفيش، من لواء الجليل، منذ أسبوع، لقد اجتزت الحدود.. إن جماعتنا ستنزل غداً إلى السهل، وتهاجم قلعة جدين، والمستعمرة التي تقع تحت أسوارها».

وعن الجزائر تكتب مارليت في «الليل في كل مكان» إلى صديقها عن الجزائريين في فرنسا ومظاهراتهم الصاخبة دعماً للثورة الجزائرية.

إن العجيلي الذي طاف معظم القارات، نقل لنا محتويات متاحف المعمورة ومكتباتها، من «الأسكوريال» في إسبانيا إلى اللوفر في فرنسا إلى الأرميتاج في أمريكا، مما يجعله بحق رائداً من رواد السياحة الثقافية،

إن أسفاره ورحلاته تذكرنا بمشاهدات وكتابات ابن بطوطة واكتشافات جوناثان سويفت، ومغامراته وتعليقاته الساخرة التي يندغم الواقع فيها بالخيال والرمزي بالفعلي، كما أن دفاعه عن أرض فلسطين شبيه بدفاع جوناثان سويفت عن ايرلندا الشمالية واستقلالها عن إنجلترا، مع أن جنسيته إنجليزية بحتة، والفرق بينه وبين دفاع الأخير هذا أنه عربي وعليه واجب وطني وقومي في آن معاً، ولاسيما وأنه عاشر النكبة في أدق تفاصيلها.

إن اللاإرادية التي عبّر عنها النعمان أبو وائل في (فارس مدينة القنطرة) عن سبب الهزيمة بعد أن كان النصر حليف العرب الأندلسيين ما زالت حالة مترافقة والوضع العربي في معظم عهوده التاريخية بدءاً من سقوط بغداد على يد المغول وما تبعها من ضياع الأندلس من يد العرب، وهزيمة العرب في 5 يونيو 1967، فما هي إلا ساعات قليلة من أول أيام الحرب حتى سيطر الطيران الإسرائيلي على عموم سماء الجبهات العربية، ولا تزال الأجيال العربية لا تدري سبب الهزيمة العربية بهذا الشكل الفاجع.

فيصل خرتش

*الكتاب: التاريخ والعجيلي «دراسة»

*الناشر:اتحاد الكتاب العرب دمشق 2006

*الصفحات:231 صفحة من القطع الكبير