مؤلف هذا الكتاب هو د. مهند مبيضين، أستاذ التاريخ والحضارة في جامعة فيلادلفيا في عمان بالأردن، وسبق له وان أصدر كتاب: «أهل القلم ودورهم في الحياة الثقافية لمدينة دمشق بين عامي 1120 ـ 1172ه/1708-1758م»، فضلاً عن كتاباته العديدة وإسهاماته في الصحافة الأردنية والعربية.

وفي كتابه «فكرة التاريخ عند العرب في العصر العثماني: محمد خليل المرادي ودوره في الكتابة التاريخية» يقدم مبيضين دراسة عن محمد خليل المرادي، المؤرخ الدمشقي، الذي عاش في الفترة التي كانت فيها دمشق حاضرة عثمانية بامتياز.

ويتناول دوره في كتابة التاريخ، ودوافعه والنهج اوالأسلوب الذي اتبعه في الكتابة التاريخية، إضافة إلى مصادره وكيفية بناء التراجم والفئات التي ترجم لها، وكذلك «المعرفة التاريخية» لديه، ومستويات السير والمصطلح التاريخي، ليخلص إلى تلمّس فكرة التاريخ عند العرب في العصر العثماني.

وتندرج الدراسة في سياق محاولة تقديم قراءة متأنية للتاريخ، تنفذ إلى ما وراء الوقائع والأحداث بحثاً عن الجوهر والمغزى، وما أحوجنا إلى التعامل مع التاريخ بشكل يمكن من اكتشاف رصيده الباقي، القادر على الحضور في زمن العصر والناظر إلى المستقبل، بغية إعادة صياغته، بما يجعله أقرب إلى قضايا الإنسان وهمومه، وإبعاده عن تواريخ وسير الملوك والأمراء وتمجيد السلطان، وجعله يعيد توثيق العلاقة بينه وبين علم الاجتماع وعلم السياسة وسائر العلوم الإنسانية الأخرى.

ويعزو مهند مبيضين سبب اختياره محمد خليل المرادي موضوعاً للدرس إلى (كونه يمثل تتويجاً لمدرسة الكتابة التاريخية في بلاد الشام، ولكونه أسهم عبر علاقاته في تأليف تواريخ مصرية مثل كتاب الجبرتي (عجائب الآثار)، وفي تواريخ أخرى مثل كتاب «تراجم أهل القدس» لحسن بن عبد اللطيف المقدسي.

كما أنه تمتع بقدرات معرفية وثقافية، وصلات سياسية ومكانة مهمة بين أقرانه من مؤرخي القرن الثامن عشر الميلادي). لكن هدف الكتاب يتمحور حول الكشف عن طبيعة المشهد الثقافي في دمشق في زمن المرادي والمعارف العلمية فيها، فضلاً عن دراسة حياة المرادي وكتابته التاريخية.

لا يميل مبيضين إلى إطلاق صفة المدرسة على الاتجاهات والإرهاصات الأولية لكتابة التاريخ، من منطلق أن تلك الاتجاهات لم ترتق في حينها إلى شكل المدرسة وحمولاتها، ويفضل القول بوجود اتجاهات تاريخية أولية، كونه أقرب إلى الدقة، وأن المدارس التاريخية جاءت لاحقة للمدارس الفكرية في علم اللغة.

كما لا يفصل ما بين حركة الكتابة التاريخية في دمشق عن امتدادها العثماني في عاصمة الإمبراطورية اسطنبول، بسبب تأثر بعض أعمال الترجمة العثمانية بالتقليد العربي الإسلامي، كما في حالة احمد بن مصطفى الشهير بـ «طاشكبري زاده» الذي يعتبر من أوائل ممثلي حركة التدوين التاريخي من المؤرخين الأتراك غير أن فكرة التاريخ لدى مؤرخي دمشق نمت وترعرت في ضوء الاهتمامات التي حددت الوجهة العامة للكتابة التاريخية في المدرسة الشامية المتعددة الأوجه.

وتوزعت الكتابة التاريخية في القرن السابع عشر ميلادي ما بين الإغراق في المحلية، وبين التوسع في النظرة العامة، من خلال اتجاهين، حيث استفاد أصحاب الاتجاه الأول من كتب فضائل المدن وتواريخها، لينتجوا عشرات من الرسائل والكتب المخصصة لمدينة بعينها، في حين استفاد مؤرخو الاتجاه الآخر من مدرسة التراجم والسير وتقاليدها ليضعوا عدداً من الكتب والمعاجم التي ضمت تراجم وسير علماء نابهين من الشام ومصر والعراق والحجاز وبلدان المغرب العربي، إلى جانب هذين الاتجاهين ظهر اتجاه يؤرخ للمدينة بشكل يوميات محلية وحوادث، ويركز على الشخصيات المؤثرة فيها، من علماء ومفتين وقضاة وولاة.

لكن الكتابة التاريخية ازدهرت من خلال المدرسة المسيحية الشامية التي تناول كتابتها تاريخ الأديرة وحركة المجتمع، والتي تميزت بسعة اطلاع مؤرخيها حول قضايا تتجاوز الإطار الإقليمي العربي والإسلامي إلى الأوروبي.

وكانت أسباباً مختلفة تكمن وراء بروز كتابات تاريخية في جبل لبنان وفلسطين خلال القرن نفسه، مثل كتاب «الأزمنة» لاصطفان الدويهي، وكتاب الأمير حيدر الشهابي «الغرر الحسان في أخبار الزمان» الذي تناول فيه أحداثاً محلية وأخرى إقليمية من جوانب سياسية واقتصادية متنوعة، وأخيراً جهود القسر حنانيا المنير الذي عرض لأحداث جبل لبنان في عهد أمراء بني معن وحكم الشهابيين.

واللافت أن صوت الشارع حسبما يسميه مبيضين قد نفذ إلى ما كتبه الدمشقيون في يومياتهم، والذي شكّل مادة غنية في التقاطها لنسيج متكامل من الأحداث المترابطة والمتتالية، وبدأه الدمشقيون مع مطلع العهد العثماني، حيث يمثل أحمد أبو طوق أحد أوائل المهتمين بتدوين اليوميات الدمشقية.

وتنوعت أبواب الكتابة التاريخية الدمشقية في ذلك العصر، لتطاول فضائل المدن والرحلات، التي تناولها من قبل، وفي مدينة القدس مجير الدين العليمي الحنبلي.

لكن الكتابة التاريخية تناولت مواضيع أخرى مثل التراجم والسير: التراجم المفردة للسلاطين والولاة والقضاة والمفتين، وتراجم الصالحين من صحابة وأصحاب كرامات وعلماء، وتناول فئات اجتماعية مختلفة من أصحاب طرق واسر وطبقات متباينة المستويات والمرجعيات والسمات.

وامتدت كتابة التاريخ إلى الأحداث اليومية ومجالس العلم والإجازات وأحوال العسكر، التي كان يعبر عنها ب(الشوشرة)، وخلوات العلماء المتصوفة، ومجالس سمرهم وسير أقرانهم، ووصلت إلى أسماء المغنين ومؤدي الألحان والمؤذنين وعلائق غير المسلمين مع بعضهم البعض.

أما الشيخ محمد خليل المرادي، الموضوع الرئيس للكتاب، فهو صدر الدين أبو الفضل محمد خليل بن علي الحسيني، البخاري الأصل، والدمشقي المولد، المعروف بالمرادي، ويُذكر أيضاً بأبي المودة.

ولد في دمشق ليلة الاثنين 10 ذو الحجة 1173 الموافق 2 سبتمبر من العام 1759، وتوفي في مقتبل شبابه في شهر صفر من العام 1206 الموافق لشهر آب من العام 1791، ولقب بالمرادي إشارة إلى انتسابه لعائلة من الأشراف.

ويتناول المؤلف الحياة التي كانت سائدة إبان نشأة المرادي، وكذلك أسرته وشيوخه ورحلاته العلمية وحياته العلمية، ويذكر الوظائف التي شغلها المرادي، وهي: رتبة معيد الدرس في المدرسة السليمانية، وأوقاف جامع السنانية، ونظارة أوقاف الجامع الأموي ومنصف نقابة الأشراف، كما تولى فتوى دمشق حتى وفاته.

أهم مؤلفاته: «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر»، و«ذيل سلك الدرر»، و«عرف البشام فيمن ولي فتولى دمشق الشام»، و«تحفة الدهر ونفحة الزهر في أعيان أهل المدينة من أهل العصر»، و«مطمح الواجد في ترجمة الوالد الماجد»، و«إتحاف الأخلاف بأوصاف الأسلاف»، و«رسالة في الطريقة النقشبندية»، و«قطعة في تراجم لبعض علماء حلب» و«السيرة الذاتية للمرادي».

ويرى مبيضين أن مؤلفات المرادي تصدر عن إحساس وإدراك بأهمية علم التاريخ، حيث يقول: «علماً مني بأن علم التاريخ والأخبار ونقل المناقب وحفظ الآثار أمر مهم عظيم وشيء خطره جسيم..».

ولتوضيح وعيه التاريخ يلجأ إلى دراسة مفرداته التاريخية المتنوعة، وطرق النقل، والمصادر التي استخدمها المرادي، وأسلوبه في التعامل معها ومفهومه للخبر، وكذلك فهم ميوله ومنهجه في النقد التاريخي، حيث استطاع المرادي تشييد مؤلفاته استناداً إلى تركيب تاريخي واضح، اعتمد فيه عدة صور وأنماط، ومارس كتابة ما هو أقرب إلى السيرة الذاتية، وارتبطت المعرفة التاريخية لديه بمفاهيم جديدة، واعتنت بمختلف شرائح المجتمع، وفي بنيته وفئاته.

وأعلن المرادي على رؤى ومفاهيم معينة في كتابته التاريخية، مثل مفهوم الأعيان، وكذلك بنية المجتمع وفئاته، ومستويات السير التي استند فيها إلى الصور والأنماط، حيث التاريخ بوصفه سيرة ذاتية، وعلاقة التاريخ مع السياسة، وتأسيس المراتب: الصوفية والعرفانية، ولمحات من الغيب: سير أهل الكشف، وسير علمية متنقلة، وسير هامشية للحرفيين والعاملين في الخطط الدينية، وقد ناقش المؤلف المصطلح التاريخي لدى المرادي في ضوء معجم لمفاهيم ذاك العصر.

عمر كوش

*الكتاب:فكرة التاريخ عند العرب في العصر العثماني

*الناشر:دار ورد الأردنية ـ عمان 2007

*الصفحات:240 صفحة من القطع الكبير