هو «آخر الخوارج» كما قدّم نفسه في الكتاب الذي يحمل الاسم ذاته؛ الكتاب الذي اطّلعنا من خلاله على جانب من سيرته الذاتية والصحافية، وإن كنا في الوقت نفسه أملنا لو أن رياض نجيب الريّس كتب سيرته الذاتية في كتاب خاص ومستقل، نظراً لما تخزنه ذاكرته من أفكار ومعلومات عاصرها أو عاشها لما يزيد على خمسين عاماً، كصحافي، وكمثقف تفاعل مع أجيال عدة من الكتاب البارزين، بدءاً من زمن يفاعه الأوّل في الشام وفي كنف والده نجيب الريّس، الإعلامي السوري الشهير، والنائب في البرلمان، والمناضل في الوقت نفسه ضدّ الاستعمار.

وهو أيضاً صاحب جريدة «القبس» التي كان لها موقعها المهم بين كبريات الصحف العربية، في زمن الليبرالية الأولى وفي المنزل الوطني المثقّف الذي كانت تزوره الأفكار وتخرج منه الآمال الكبيرة في غد حرٍ ومشرق يطلّ على العالم بأكمله بعد مرحلة استعمارية وحروب ظالمة وقاسية.

ومن جانب آخر في التأريخ لمرحلة لاحقة تنطلق من خلال فترتي دراسته وعمله في لندن وبيروت الحافلتين بالكثير مما يمكن إفادة القارئ سياسياً كان أو إعلامياً أو أكاديمياً دارساً لهذه المرحلة الخطيرة من تشابك العلاقات الدولية وتهديد المصائر بالعدوان المدجج بالعنجهية والغطرسة الشعارية والإعلامية المعروفة، بما في ذلك تبدلات الحياة السياسية وتطوّرها داخل الأوطان.

مع الأسف، يبدو أن السيرة الذاتية غير مكتملة حتّى الآن، أو بشكل أدق تتوازعها كتبه الكثيرة ومقالاته ولقاءاته العديدة سواء في الصحافة أو في التلفزة ومن ذلك على سبيل المثال: «آخر الخوارج، صراع الواحات والنفط؟، وثائق الخليج العربي، ظفار، رياح الشرق، مصاحف وسيوف، رياح السموم، رياح الجنوب، رياح الشمال وغيرها، ومنها أيضاً كتابه الجديد الصغير في حجمه والغني بأطروحاته: «الحرب المنسية/ السويس 1956».

وهو الكتاب الذي تناول عقدة سياسية في الخمسينات، حيث كان الاستعمار التقليدي يواجه أيامه الأخيرة في المنطقة والعالم؛ بصعود قوى دولية جديدة وحركات تحرر دأبت على النضال لتحرير بلادها، ولربّما كانت حرب السويس القشة الأخيرة التي قصمت ظهر البعير كما وضّح كاتبنا في مستهل كتابه، ولكن ذلك بدوره يدفعنا للتساؤل عن مقاربته في فصل لاحق بين شخصيتين مختلفتين من مثل: جمال عبد الناصر وصدام حسين عربياً، وما بين أنتوني إيدن رئيس الوزراء البريطاني المحافظ، وتوني بلير العمالي، وشتّان ما بين المرحلتين الزمنيتين، وما بين الشخصيات ذاتها، ولكننا على كلّ حال لن نناقش في هذا الأمر لأسباب نعتقد أنها محض فكرية، وليس مكانها هذا الحيّز المخصص لاستعراض الكتاب.

ومن جانب ثان فإننا لحظنا أن وصوله إلى لندن عام 1956 كان بمثابة الإطار المرجعي الأوّلي الذي انطلقت منه حكايته المستعادة، وهو عام تأميم القناة وعام التحضير للعدوان الثلاثي، الذي سيستغرق النص الاستعادي، ولكننا إلى ذلك، لم نقع على أي سرد يحيل إلى جوانب اجتماعية أو ثقافية، خاصة وأن الكاتب كان في مرحلة الشباب، وأن مدينة مثل لندن كانت مشعة وتغري بالكتابة عنها في ذلك الزمن الخاص من تطوّرها كعاصمة استعمارية وثقافية في آن.

يكشف الكاتب لقارئه المناخ السياسي السائد في لندن والعواصم الغربية الأخرى في تلك المرحلة كتمهيد أوّلي لابدّ منه لحكاياته التي ستتوالى فيما بعد في خط زمني منتظم أحياناً، وانتقائي في أحيان أخرى، فنتعرف إلى أنتوني إيدن رئيس الوزراء وزعيم حزب المحافظين الذي جاء خلفاً لونستون تشرشل، وإلى سلوين لويد وزير الخارجية، وبذلك يمكن اعتبارهما شخصيات أساسية نظراً لحجم دوريهما في حكاية الاستعداد للحرب وشنّها إلى جانب فرنسا وإسرائيل، بينما سنتعرف في المقابل إلى هيو غيتسكيل زعيم حزب العمال المعارض، بينما من الجانب العربي سيبرز اسم جمال عبد الناصر «رئيس مصر وزعيم العرب وقائد القومية العربية» بحدّ تعبيره.

والمشكلة بين هذه الأطراف الثلاثة في الزمان والمكان المحددين كانت «قناة السويس»، وبالتالي كان لابد من تتبع سرده التأسيسي في المكان ذاته، من خلال الذهاب والإياب ما بين محطّات زمنية متقاربة للكشف عن مجريات الصراع الذي جرى ما بين الحكومة والمعارضة من خلال الصحافة اليومية والأسبوعية، وما بين انجلترا والعالم المتمثّل بفرنسا وإسرائيل كلاعبين أساسيين أيضاً، وإلى جانبهما كلّ من أميركا والاتحاد السوفييتي، ولكننا إلى ذلك سنتعرف إلى السارد الشاب ذي الثمانية عشرة ربيعاً، الذي انضمّ سريعاً إلى «رابطة الطلاب العرب» هناك، وهو تجمّع طلابي خارج تنظيمات الأحزاب العربية التقليدي، في إشارة منه إلى عدم انخراطه في أيّ منها.

وستنصب اهتماماته على الجانب الصحافي وتطوّرات أزمة قناة السويس وتداولاتها في الصحافة اليومية: «في تلك الفترة المزدحمة بالأحداث يومياً، حيث أهمل معظمنا دراسته، أخذنا نزور دور الصحف لنتحدث إلى القائمين على تحرير مواضيع الشرق الأوسط فيها، الذين سبق لكامبل أن عرفنا بهم، تلك الأيام كانت الصحافة هي مصدر الأخبار الوحيد لي أنا القادم إلى عاصمة الضباب، بقدر ما كانت مصدر إلهامي أيضاً».

وسنتابع مع المؤلّف دور هذه الصحافة في فصل خاص مع الغارديان ومعارضتها لحرب السويس ومحاولات رئيس الوزراء إيدن إعاقتها، وكذلك الأوبزرفر الممثلة للتيارات الليبرالية، وذات التوجّه الحر في الثقافة والفنون، والمتعاطفة مع شعوب المستعمرات، بينما في المقابل تقف «الصنداي تايمز» ممثلة للوجه المحافظ، والمدافعة عن سياسة إيدن وخصوصاً في جانب استخدام القوة العسكرية لاستعادة القناة التي كان عبد الناصر قد أمّمها.

وفي هذا الصدد يقول: «وكانت افتتاحيات دافيد أستور في «الأوبزرفر» الأعنف والأقوى ضدّ الإنذار البريطاني ـ الفرنسي المشترك لمصر، وضدّ العمل العسكري، حتى إن مقالاته أصبحت توزّع في التظاهرات التي كانت تنظّم ضد العدوان.

في ذلك الوقت كانت صفحات «الغارديان» و«التايمز» مسرحاً لنقاش مستفيض حول قانونية الموقف البريطاني وحججه في تأميم القناة/ وحول شرعية التهديد العسكري بالتدخّل. ولم يكن الرأي العام البريطاني قد شهد انقساماً بهذا الشكل منذ أيام أزمة ميونيخ في العام 1938 التي أدت إلى الحرب العالمية الثانية..».

ومن ناحية ثانية سيكشف المؤلّف لقرائه عن مجريات التواطؤ الثلاثي الذي حضّر للعدوان، وسنتعرّف إلى مزيد من التفاصيل حول رؤية كلّ دولة من الدول المعنية تجاه حركة التحرر العربية، وتجاه مصر عبد الناصر تحديداً، وأسباب الرغبة الفرنسية المتصاعدة لإنهاء النظام خلال اجتماع واتّفاق «سيفر» الذي تمّ في أجواء سرية في فرنسا.

وإلى ذلك فإنه سوف يحلل مواقف دول العدوان التي راعها أن تُطرد من مستعمراتها، ليبدأ زمن آخر تكون فيه تابعة لقوى أخرى، وما بين هذا وذاك سيعمل المؤلّف على سرد حكايات صغيرة لكثير من الشخصيات السياسية التي سيمر ذكرها، لنعرف أسباب تعاطف الشعوب الغربية مع الحرب، في الوقت الذي كان يجب أن تستنكرها، لاسيما وأنها كانت قد خرجت للتوّ من أتون الحرب العالمية الثانية، وخصوصاً في فرنسا، وإلى ذلك يؤكّد المؤلف أن أزمة قناة السويس قبل خمسين عاماً «وضعت حداً فاصلاً بين عهدين.

عهد انتهى وعهد بدأ لكلّ من بريطانيا وأوروبا والولايات المتحدة في الشرق الأوسط، أما ما حدث في العالم العربي فكان البركان الذي فجّر الانقلابات والثورات على الأنظمة الحاكمة وغيّر ما غيّر من تحالفات العرب مع دول العالم.

كانت أزمة السويس بداية نصف قرن من صراعات وحروب وغزوات واغتيالات أدّت إلى الصورة التي نحن فيها اليوم»ولكن هذه الأزمة بالإضافة إلى كلّ ما سبق دفعت بفكرة القومية العربية إلى الانتشار وحوّلت القضية الفلسطينية إلى صراع عربي ـ إسرائيلي، كما أنها ألهت العالم عما كان يجري داخل دول أوربا المنظومة الاشتراكية.

وفي الختام يمكننا استعراض أهم النتائج التي توصّل إليها المؤلّف من خلال قراءته لعقدة قناة السويس والحرب على مصر: على المستوى الشعبي سنلحظ أن البريطانيين في مصر باتوا مكروهين إلى درجة كبيرة بسبب تصرفاتهم العنصرية الرعناء، فتصاعد مدّ وطني معاد للاستعمار، وتكوّنت مقاومة مصرية مسلحة أخذت تهاجم القوات الإنجليزية ومعسكراتها في مناطق قناة السويس.

وعلى المستوى السياسي كان عبد الناصر مهموماً بتمويل بناء السدّ العالي بعدما سحبت الولايات المتحدة يدها منه، ولكن عبد الناصر بتعبيره سيخرج منتصراً على الأقل على الصعيد الداخلي، نظراً لأن نظامه كان يواجه معارضة عنيفة من الأخوان المسلمين والشيوعيين بالإضافة إلى الطبقة السياسية التي كانت حاكمة في العصر الملكي.

وعربياً ستزداد شعبيته فيتجه لإقامة الوحدة مع سوريا، وسيرسل قوات عسكرية إلى اليمن لدعم ثورة الجمهوريين، وقوات أخرى إلى الكويت للتصدّي لتهديدات عبد الكريم قاسم بضم الكويت إلى العراق، وأفريقياً أرسل قوات إضافية إلى الكونغو لدعم ثورة لومومبا، وبمعنى من المعاني يشير المؤلّف إلى أن عبد الناصر بات بما يشبه الظاهرة الثورية الطاغية التي ستواظب على السير دون أن تتوقف في طرقات شائكة مما سيؤثر فيما بعد عليه وعلى نظامه بالذات، وخصوصاً على الصعيد الداخلي.

عزت عمر

*الكتاب: الحرب المنسية/السويس 1956

*الناشر: رياض نجيب الريس للكتب والنشر ـ بيروت 2006

*الصفحات: 107 صفحات من القطع الصغير