كان تزفتان تودوروف هو المفوض العام لمعرض «عصر الأنوار» الذي شهدته المكتبة الوطنية الفرنسية قبل عدة أشهر. وهو أستاذ جامعي في السوربون ومدير للأبحاث في المركز القومي الفرنسي للبحث العلمي. قدّم تودوروف، المؤرخ والباحث، أكثر من أربعين كتابا ،
أصبح عدد منها مراجع أكاديمية مثل «نظرية الأدب»، الكتاب الأول للمؤلف الصادر عام 1965 والذي غدا مقررا للتدريس في العديد من الجامعات في العالم. ومن كتبه الشهيرة أيضا «فتح أميركا» و«الفوضى العالمية الجديدة، تأملات مواطن أوروبي» و«نحن والآخرون، النظرة الفرنسية للتنوع الإنساني»، الخ.
يقدم تودوروف كتابه الأخير «ذهنية عصر الأنوار» تحت شعار «إننا بنقدنا لعصر الأنوار نبقى أوفياء لهذا العصر». ولكن رغم تأكيد المؤلف على أهمية «النقد» فإنه يرى في «التوجه الإنساني لعصر الأنوار» القاعدة الفكرية والأخلاقية التي يمكن أن يقيم عليها المجتمع الحديث «حياة مشتركة» بعد نهاية مختلف الإيديولوجيات «الطوباوية».
وإذا كان المؤلف يقبل أن «عصر الأنوار» ينتمي إلى الماضي، ذلك أنه يوجد قرن يدعى «قرن الأنوار»، إلى القرن الثامن عشر. ولكن تلك الأنوار «لم تمضِ»، وذلك لأنها، كما يشرح، لا تدل على مبدأ يمكن تحديد موقعه «تاريخيا»، وإنما هي «موقف حيال العالم». ويشير تودوروف إلى «اختلاف» النظرات على عصر الأنوار، إذ هناك من يجدون فيه «مصدر الشرور القديمة والحالية، والنزعة الاستعمارية ومجازر الإبادة وترسخ النزعة الفردية» بينما يطلب منه آخرون «النجدة ومحاربة آفات الحاضر والمستقبل».
ولا شك أن مؤلف هذا الكتاب هو «أقرب» إلى هؤلاء وهو لا يتردد في التأكيد: «نحن جميعا أبناء عصر الأنوار وحتى عندما نقوم بالهجوم عليها». ويرى تودوروف «أن العقود التي سبقت قيام الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789 هي التي أسست ل«هوية» فرنسا الحالية. وأبعد منها «الهوية» الأوروبية. ذلك أنه للمرّة الأولى في التاريخ «قرر البشر أن يجعلوا من امتلاك مصيرهم هدفا لما يقومون به من أعمال». يقول المؤلف: «إن مثل هذه الحركة صدرت عن أوروبا كلها وليس عن بلد واحد؛ وقد عبّرت عن نفسها من خلال الفلسفة والسياسة والعلوم والفنون والآداب».
الخط الناظم ل«النهج» الذي تبنّاه المؤلف في تحليلاته يتمثل في استخراج الخطوط الكبرى لفكر عصر الأنوار، وذلك عبر عملية تنقّل «مكوكية» بين الماضي والحاضر، وذلك بهدف واضح هو إلقاء بعض «الأضواء» على السبل التي يرى أنها قد تكون «دفّة الإنقاذ» بالنسبة للمستقبل الإنساني كله والخروج من حالة التخبط والطريق المسدود والفوضى التي تسيطر على العالم كله.
ويؤكد المؤلف في بحثه عن أصول أفكار عصر الأنوار على أنها ليست نتاج صرف للقرن الثامن عشر، فإذا لم تكن قد انبثقت من العصور القديمة فإنها تحمل «بالتأكيد» آثار فترة العصر الوسيط في نهاياتها وعصر النهضة والفترة الكلاسيكية. لكنه يؤكد بالمقابل أن «أفكار عصر التنوير خرجت في القرن الثامن عشر من الكتب كي تعيش في العالم الحقيقي». ويحدد المؤلف ثلاث أفكار رئيسية كانت في أساس «مشروع» عصر الأنوار. وهذه الأفكار هي: «الاستقلال الذاتي - للأفراد ـ والغاية الإنسانية لأفعال البشر والقيمة الكونية ـ يونيفرسال».
وفي محاولة لشرح إمكانية أن تساعد أفكار عصر الأنوار في حل المصاعب التي يواجهها العصر الحاضر يؤكد تودوروف أنه «لا يمكن قبول أفكار القرن الثامن عشر كما صيغت آنذاك؛ وليس فقط لكون أن العالم قد تغير وإنما أيضا لأن فكر تلك الفترة هو متعدد الوجوه وليس واحدا». وتتم المطالبة في هذا الإطار ب«المحافظة علة إرث الماضي وإنما وضعه أيضا على محك النقد». وهنا يشير المؤلف إلى أشكال النقد العديدة التي تعرّض لها فكر التنوير وصولا إلى «رفض مبدئه» نفسه أحيانا.
وأشاع أعداء أفكار التنوير، اعتبارا من ظهورها ووصولا إلى ذروة الاعتراض عليها في نهاية القرن الثامن عشر نفسه، معادلة تقول: «التنوير يعني الثورة، والثورة تعني الرعب». ومن الأفكار التي تتكرر في هذا الكتاب تركيز المؤلف على القول ان «فكر التنوير قاد إلى تشجيع العقل النقدي»، ومن ثم التأكيد أنه ينبغي باستمرار المحافظة على مثل هذا العقل (...). وينبغي صون حرية التعبير بما في ذلك الآراء التي تزعجنا»، ولكن شريطة أن لا يصبح النقد لعبة مجانية لا تنتج شيئا سوى تخريب النقطة التي انطلق منها، إذ ان «الإفراط في النقد يقتل النقد».
وبعد فصل يتطرق فيه المؤلف لمبدأ «العلمانية» ويؤكد فيه أن هناك فهما خاطئا للمعنى المتداول عامة، إذ «إن المقدّس ليس غائبا عن الدائرة الشخصية في أي مجتمع يتم وصفه بالدنيوي، وليس غائبا أيضا عن الدائرة الخاصة بالشرعية ـ القانونية» يبحث في فصل جديد عن مفهوم «الحقيقة» في فكر عصر الأنوار، وهو ينقل في هذا الإطار عن الفيلسوف الإنجليزي «هيوم» قوله عام 1742: «وحتى لو اجتمع الجنس البشري كله على القول بصورة نهائية وقاطعة أن الشمس هي التي تدور وأن الأرض ثابتة، فإن هذا لا يلغي واقعا أن الشمس لا تتحرك أو تتزحزح قيد أنملة من مكانها
ومثل تلك التأكيدات هي خاطئة تماما»، أي أن «الحقيقة لا يتم الكشف عنها عبر عمليات الاقتراع»، كما يشير تودوروف.ويؤكد المؤلف أن «الدفاع عن حرية الفرد تستدعي الاعتراف بالاختلاف بين واقعة ما والتفسيرات المقدّمة لها وبين العلم والرأي وبين الحقيقة والإيديولوجيا». ويبني على مثل هذه الثنائية وجود اختلاف كبير بين «الإرادة الطيّبة» في العمل السياسي و«واقع القسر» الذي تمارسه السلطات.
وهنا تكمن «المفارقة» التي يدعو لها فكر عصر الأنوار بالنسبة للحكومات إذ يحدد الحكومة بتلك التي «تساعد رعاياها من أجل بلوغهم درجة متقدمة من الاستقلال الذاتي عبر تسهيل الطريق أمامهم لبلوغ الحقيقة»، وهذا يتضمن بالتالي، «التحرر من سلطة تلك الحكومات نفسها». وهو يقارن في هذا الصدد بين عمل هذه الحكومات «العاقلة» وبين «الأهل» الذين يسعون إلى منح أبنائهم أكبر درجة ممكنة من «الاستقلال الذاتي» مع إدراكهم أن ذلك سوف يجعل دورهم، أي دور الأهل، غير مفيد وسوف «يُبعد» أبناءهم عنهم.
ويتعرض المؤلف في هذا الإطار لما يسميه «النزعة العلمية» التي تزامن ازدهارها مع الحداثة. وقد عرفت هذه النزعة تجسّدها في الفلسفة والسياسة، وتنطلق من القول ان «العالم كله يمكن أن يكون موضوعا للمعرفة وبالتالي يمكن تحويله تبعا للأهداف التي نحددها، وهي أهداف يتم استنتاجها مباشرة من معرفة العالم نفسه».
وهنا يفتح المؤلف قوسين كي يؤكد أن مثل هذه «النزعة العلمية» قد وجدت «معارضين أشدّاء» لها حتى لدى بعض مفكري عصر التنوير الكبار فمونتسكيو مثلا رأى أن «أي طموح للسيطرة على العالم هي نوع من العبث» ولم يتردد جان جاك روسو في القول: «يمكننا أن نكون من بني الإنسان دون أن نكون علماء».
ويركز مؤلف هذا الكتاب على بعدين أساسيين في فكر عصر الأنوار هما «البعد الإنساني» و«البعد الكوني ـ يونيفرسال»، اللذين يشكلان موضوعي الفصلين الأخيرين. ويؤكد فيهما على القول ان «حرية أفعال البشر محدودة بغايتها الإنسانية بالضرورة ولكن أيضا بإدراك واقع أن جميع البشر ينتمون إلى نفس النوع ولهم بالتالي الحق في التمتع بنفس القدر من الكرامة». وعلى هذا الأساس تصبح «المساواة» إحدى ركائز «حقوق المواطنة» وفي فكر «عصر الأنوار»، كما يرسمه تودوروف ويصف في الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب مدى «الخرق» الذي يصيب مثل هذه المبادئ في عالم اليوم.
والمثال الذي يؤكد عليه هو «التعذيب» الذي لاقاه جميع السجناء العراقيين في سجن «أبو غريب» وغيره من السجون العراقية على يد القوات الأميركية. يقول: «إن الأجهزة السرية الأميركية قد لا تكون هي الوحيدة التي أخضعت سجناءها للتعذيب، لكن الحكومة الأميركية قد تبنّت بالمقابل موقفا استثنائيا عندما حاولت إسباغ الشرعية على مثل ذلك التعذيب».
وهذا كتاب يحاول فيه مؤلفه أن يقدم الخطوط الكبرى لأفكار عصر التنوير الأوروبي خلال القرن الثامن عشر ويقوم ب«مواجهتها» مع الأحداث المأساوية الكبرى التي شهدها القرنان التاسع عشر والعشرون.
ثم يتساءل عن مدى «صلاحيتها» في مواجهة التحديات التي يعيشها العصر الحالي.
* الكتاب:ذهنية عصر الأنوار
* الناشر:روبير لافون ـ باريس 2006
* الصفحات :133 صفحة من القطع المتوسط
L'esprit des lumières
Tzevetan Todorov
Robert Laffont - Paris 2006
p.133
