ساهم في تأليف هذا الكتاب نخبة من أساتذة الجامعات الأنغلوساكسونية المختصين بالفلسفة العربية الإسلامية، نذكر في طليعتهم المشرفين العامين على الكتاب: البروفيسور بيتر أدامسون والبروفيسور ريتشارد تايلور. وهما اللذان كتبا المقدمة العامة للكتاب، أما الفصل الأول فقد كتبته الباحثة كريستينا دانكونا تحت عنوان:

كيفية انتقال الفلسفة من اللغة الإغريقية إلى اللغة العربية، وهنا تركز الباحثة على كيفية ترجمة الفلسفة الإغريقية وبخاصة تيار الأفلاطونية الجديدة إلى لغة الضاد في العصور العباسية.أما الفصل الثاني من الكتاب فقد كتبه الباحث بيتر أدامسون أحد المشرفين العامين على الكتاب، وقد تركز حول الموضوع التالي: الكندي وكيفية استقبال الفلسفة الإغريقية أو فهمها وهضمها واستيعابها. ومعلوم أن الكندي كان أول فيلسوف في اللغة العربية.ويتحدث الفصل الثالث من الكتاب عن الفارابي والبرنامج الفلسفي العربي، ومعلوم أن الفارابي هو الذي قدم تصنيفا متكاملا للعلوم الفلسفية في اللغة العربية. وكان ذا ثقافة موسوعية ولذلك لقبوه بالمعلم الثاني بعد أرسطو الذي كان يحظى بلقب المعلم الأول. وقد كتب هذا الفصل الباحث دافيد رايسمان.

وننتقل مع الكتاب في الفصل الرابع إلى دراسة متكاملة عن الدور الذي لعبه الإسماعيليون في ترجمة الفلسفة اليونانية أو شرحها وتعريبها، وقد كتب الفصل الباحث بول والكر. ومعلوم أن جماعة إخوان الصفا لعبت دورا كبيرا في نشر الفكر العقلاني الفلسفي.

وأما الفصل الخامس فقد كرسه الباحث روبرت ويستوفسكي لدراسة الدور الذي لعبه ابن سينا وتراثه داخل الفلسفة العربية، وهو دور كبير بدون شك لأن ابن سينا كان من أكبر العبقريات التي أنجبتها الثقافة العربية الإسلامية، ولكنه كان أقرب إلى أفلاطون من أرسطو على عكس ابن رشد وربما الفارابي.

هذا في حين أن الفصل السادس من الكتاب فخصص للغزالي والدور الكبير الذي لعبه في شرح موضوعات الفلسفة ثم محاربتها لاحقا. ومعلوم أنه ألف كتابين كبيرين عن الموضوع: الأول بعنوان: مقاصد الفلاسفة، والثاني بعنوان تهافت الفلاسفة. في الكتاب الأول شرح نظرياتهم، وفي الكتاب الثاني فنّدها وضحدها،

ولذلك قيل بأن الغزالي هو الذي قضى على الفلسفة في العالم الإسلامي، وبعده لم تقم لها قائمة في المشرق على الأقل. وقد حاول ابن رشد الرد عليه في المغرب بكتاب شهير يدعى تهافت التهافت، ولكنه لم يستطع أن يحجّم تأثيره المعادي للفلسفة بسبب دخول العالم الإسلامي آنذاك في عصر الانحطاط. وعندئذ ماتت الفلسفة وحلت محلها العلوم التقليدية والتصوف والدروشة ثم عقلية الخزعبلات والخرافات.

أما الفصل السابع من الكتاب فيعطينا فكرة عامة عن وضع الفلسفة في الأندلس، وهنا يجد القارئ شرحا واضحا لأفكار اثنين من كبار فلاسفة الأندلس هما: ابن باجة وابن الطفيل. وقد كتب هذا الفصل الباحث جوزيف بويغ مونتادا.

أما الفصل الثامن من الكتاب فمكرس كليا لابن رشد وذلك تحت عنوان «ابن رشد: الجدل الديني والفكر الفلسفي الأرسطوطاليسي». وهنا يجد القارئ عرضا مفصلا لأفكار ابن رشد وكيفية فهمه لفلسفة أرسطو التي أمضى عمره في شرحها والتعليق عليها. ومعلوم أنهم لقبوه بالشارح الأكبر ليس فقط في العالم الإسلامي وإنما أيضا في العالم اللاتيني المسيحي. والواقع أن ابن رشد كان معجبا جدا بأرسطو بل ويعتبره أعظم مفكر وجد على سطح الأرض. وقد كتب هذا الفصل الباحث ريتشارد تايلور أحد المشرفين العامين على الكتاب.

أما الفصل التاسع من الكتاب فيتركز على السهروردي والفلسفة الإشراقية، وقد كتبه الباحث جون ولبردج المختص بالسهروردي وفلسفته. ويتحدث الفصل العاشر عن العلاقة بين التصوف والفلسفة من خلال قراءة أعمال اثنين من كبار الفلاسفة والمتصوفين المسلمين هما: ابن عربي وملاّ صدرا.

وهناك فصل عن علم المنطق وكيفية انتقاله من الإغريق إلى العرب، وهناك فصل آخر مهم عن العلاقة بين الأخلاق والفلسفة السياسية، وفصل عن الفلسفة الطبيعية، وآخر عن علم النفس، وآخر عن الميتافيزيقيا، وآخر عن العلاقة بين الفلسفة الإسلامية والفلسفة اليهودية في القرون الوسطى. ومعلوم أن ابن ميمون، أكبر فلاسفة اليهود، كان يكتب بالعربية، وبالتالي فهو يعتبر عربيا من الناحية الثقافية.

وأخيرا هناك فصلان عن موضوعين مهمين: الأول هو كيفية انتقال الفلسفة العربية إلى أوروبا المسيحية اللاتينية، ومعلوم أن المسيحيين الأوروبيين كانوا يعتبرون العرب أساتذتهم في ذلك الزمان، وكانوا يقرون بتفوقهم عليهم في مجال العلم والفلسفة. ولكي ينهضوا ويلحقوا بالعرب فإنهم راحوا يترجمون كتبهم العلمية والفلسفية وبخاصة كتب ابن سينا، والفارابي، وابن رشد، والغزالي، وابن باجة، الخ. أما الفصل الأخير فيتحدث عن آخر التيارات الفلسفية في العالم العربي والعالم الفارسي.

هذا هو المخطط العام للكتاب، والآن دعونا ندخل في التفاصيل قليلا. يقدم الكتاب في البداية صورة عامة عن كيفية تشكل الفكر الفلسفي في العالم الإسلامي والعربي قائلا بما معناه:

كان أبو يعقوب ابن إسحاق الكندي أول فيلسوف يظهر في العالم العربي الإسلامي. وكان يتمتع بثقافة موسوعية بالفعل، وقد عاش في ظل ثلاثة خلفاء عباسيين واستفاد من دعمهم المادي ورعايتهم وحمايتهم. ومن بين هؤلاء الخليفة الكبير المأمون الذي اشتهر بحبه للعلماء والفلاسفة واهتمامه بهم وتشجيعه للترجمات: أي ترجمة الفلسفة الإغريقية إلى اللغة العربية.

وكان الكندي مطلعا على عدة علوم كالفلسفة، والرياضيات، والطب، والموسيقى، والفيزياء، وعلم الفلك. وقد كتب مئتين وتسعين مؤلفا، نذكر من بينها 32 كتابا في علم الهندسة، و22 كتابا في الفلسفة، و22 كتابا في الطب، و16 كتابا في الفلك، و12 كتابا في الفيزياء، و11 كتابا في علم الحساب، و9 كتب في المنطق، و7 كتب في الموسيقى، و5 كتب في علم النفس. وبعض كتبه وصلتنا والبعض الآخر ضاع على الطريق كما حصل للعديد من المؤلفين العرب القدماء.

ثم يردف المؤلف قائلا: وفي مجال الفلسفة نلاحظ أن الكندي اتبع فلسفة أرسطو في الوقت الذي مزجها بنوع من الأفلاطونية السطحية. وقد بذل جهودا كبيرة لإقناع أبناء دينه من المسلمين بضرورة الاطلاع على العلوم الأجنبية وعدم كرهها والنفور منها. وقال لهم بأنها ليست ضد الدين على عكس ما تظنون ولا يخشى منها على الإسلام أو الإيمان.

وهذا أكبر دليل على مدى انفتاحه العقلي لأن الفقهاء المتشددين كما هو معلوم كانوا يتحاشون العلوم الدخيلة ويحذرون المسلمين من الاطلاع عليها. لقد حاول الكندي أن يوفق بين العلوم الإسلامية الأصيلة والفلسفة اليونانية الدخيلة دون أن يفقد إيمانه بالإسلام الحنيف. وهكذا قبل بالفلسفة ضمن حدود أو إطار الدين الإسلامي لا خارجه. لقد كان فيلسوفا مؤمنا كما سيحصل لدى كبار الفلاسفة اللاحقين له وبخاصة الفارابي وابن سينا وابن رشد.

وفي كتابه عن الميتافيزيقا يحدد الفلسفة الأولى على أساس أنها معرفة الحقيقة الأولى التي هي سبب كل الموجودات في هذا الكون. وبالتالي فالمعرفة الميتافيزيقية تعني معرفة أسباب الأشياء أو الموجودات، هذا في حين أن المعرفة الفيزيقية أي الطبيعية تعني بكل بساطة معرفة الأشياء فقط. وهذا التقسيم ناتج مباشرة عن فلسفة أرسطو كما هو واضح. ثم يقدم الكندي بعدئذ البراهين العلمية والفلسفية على وجود الله عز وجل. فالله هو المسبب الأول لكل الموجودات، إنه صانع الكون على أحسن تقويم، إنه الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد.

ولكن اهتمام الكندي بالفلسفة الإغريقية وبنظرية السببية المنطقية أثار عليه غضب الفقهاء ورجال الدين. فهؤلاء لا يعتقدون بضرورة وجود قوانين سببية تحرك الكون لأن القدرة الإلهية كافية لتحقيق ذلك. ولكن فاتهم، كما يرى الكندي، أن الله عز وجل خلق الكون ثم أمر الإنسان بمعرفته واكتشافه عن طريق العقل والمنهجية السببية المنطقية.

* الكتاب: دليل كامبردج إلى الفلسفة العربية

* الناشر: مطبوعات جامعة كامبردج 2006

*الصفحات:448 صفحة من القطع الكبير

The Cambridge companion to arabic philosophy

Peter Adamson and Richard Taylor

Cambridge University Press2006

p.448