عامر رشيد مبيض كاتب سوري عمل في التوثيق لمدينه حلب، وأصدر عدة كتب منها: موسوعة الثقافة السياسية والاجتماعية 2004، مئة أوائل من حلب 2004، أوراق الذهب فيما كتب عن حلب 2006، حلب أقدم مدينة في التاريخ 2006 بيمارستانات حلب 2006. وقد نال جوائز عن أعماله هذه، جائزة الشيخ كامل الغزي، جائزة الباسل، وجائزة الإبداع الفكري.

والبيمارستان في معناه اللغوي دار المرضى بالفارسية، وأَخَذَتْ الكلمة معنى «دار الشفاء»، إنها ببساطة» المستشفى الوطني»، وأول بيمارستان في التاريخ كان في دمشق، قال المقريزي: «إن أول من اخترع البيمارستان هو أبو قراط، أوجده من أجل المرضى وجعل فيه من يقوم بمداواتهم «وبحسب رواية ابن أبي أصيبعة، كان مسكن أبو قراط في دمشق، تلا ذلك بيمارستان جنديسابور بعد سنة 309 قبل الميلاد، وأول بيمارستان تم بناؤه على أرض إسلامية،

كان بفضل الخلفية الوليد بن عبد الملك في دمشق عام 88 ه/706 م، كان المستشفى يملك فيما يملك قسماً خاصاً بالأمراض العقلية، وكان الوليد بن عبد الملك أول من عيّن الأطباء وآجرهم. وفي أواسط القرن الرابع الهجري أنشئ في دمشق بيمارستان لصيق بالجامع الأموي، كان يعمل به 24 طبيباً، وكان العلاج والأدوية يمنحان بالمجان فيه طيلة أكثر من ثلاثة قرون، وسمّي بالبيمارستان الدقاقي على اسم ملك دمشق دقاق بن تتش السلجوقي.

لقد اتّسم القرن التاسع والعاشر الميلاديان بالبنيان والتشييد، وتضاعفت خلالهما المؤسسات الخاصة بالمرضى، حتى بلغ عددها عام 556 هـ أكثر من 60 مؤسسة في المدينة.

قام الملك العادل نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي خلال فترة حكمة 541-569 ه، بأعمال جليلة في حلب ودمشق، ومن بين الأبنية الهامة التي أمر بعمارتها، البيمارستان المعروف باسمه «بيمارستان النوري» وكان لتشجيع الملك العادل نور الدين محمود واهتمامه الأثر الكبير في أن يستوطن كوكبة من الأطباء في حلب ودمشق.

كان للبيمارستانات نوعان، منها الثابت، وهو كثير الوجود في المدن الإسلامية، والمتجول: وهو الذي ينقل من مكان إلى مكان بحسب الظروف والأوبئة وانتشارها وكذا الحروب.

إن شكل البيمارستان شبيه بطراز المدرسة ذات الصحن، في مركزها حوض ماء وفيه إيوانات، وكانت تلقي المحاضرات الدراسية في أحد أجنحة البناء، وتكون هذه القاعة مزخرفة بآيات قرآنية منقوشة تتعلق بالطب، أما في زوايا المبنى فتقوم قاعات مخصّصة للخدمة، مثل: المصلى والصيدلية والمخازن والمطابخ والحمّامات للرجال وأخرى للنساء وكان لبعضها حدائق مستقلة تزرع فيها الأعشاب والنباتات الطبية. لقد تم تزويد دور المياه بالمياه الجارية، اعتباراً من القرن الثاني عشر.

كانت البيمارستانات المقامة في المدن العربية الإسلامية تؤدي خدمات مزدوجة، فهي بالإضافة إلى ما كانت تؤديه من رعاية صحية ومعالجة مجانية للمرضى، كان عدد كبير منها يقوم بمهمات علمية، وبشكل خاص تدريس الطب نظرياً وعملياً، وكان يتخرج منها المطببون والجراحون والكحالون. كما كان الخلفاء يقيمون البيمارستانات في أماكن واسعة، ويوقفون عليها الأموال الطائلة ويجمعون لها الأطباء وأنواع الأشربة، وكانت منقسمة إلى قاعات لمختلف الأمراض، قاعة للأمراض الباطنية وقاعة للجراحة وقاعة للكحالة وقاعة للتجبير الخ.

كان عمل الأطباء يشتمل على معاينة المرضى الموجودين في البيمارستان كل صباح، وعلى تحضير الأدوية اللازمة وعلى مراقبة النظام الغذائي، أما بالنسبة لطاقم البيمارستان فكان يتألف من ممرضين أكفاء ومن خدم من الرجال والنساء، كما كان يشتمل على مديرين أيضاً.

بعد تطور مفهوم المستشفى وشكله فقدت اللفظة الأولى مدلولها الأصلي، بعد أن عالجت الأمراض والعلل من باطنية وجراحية ورمدية وعقلية، وأقفرت البيمارستانات إلا من المجانين، فصارت كلمة «مارستان» لا تنصرف إلا إلى «مأوى المجانين».

يعدد المؤلف عدة بيمارستانات في حلب، منها: «البيمارستان الصغير والنوري، والأرغوني الكاملي وابن خرخار وبني الدقاق»، ويورد شرحاً مفصلاً عن كل واحد، فثلاثة منها تهدّمت وبقي اثنان، الأول هو البيمارستان النوري، ويسمى «العتيق» ويقع في درب السبيعي، في حي الجلوم، وفي رواية ابنة العجمي نقلاً عن ابن العديم: «إن الطبيب ابن بطلان هو الذي اختار البقعة التي بني عليها البيمارستان بحلب، وجدد عمارته نور الدين محمود. وقد اختار البقعة التي بني عليها بلحم علّقه في أماكن حلب بأسرها فلم يجد أفضل من حي الجلوم لبناء البيمارستان».

يمكننا أن نرى في الجهة الجنوبية قوساً كبيرة، وغرفة متوسطة ـ شرق الإيوان، أما في الجهة الشمالية فيوجد جناح بطابقين، ومؤلف من سبع غرف أبوابها منخفضة، تنفتح على باحة الجناح، وفي وسط الجناح بركة ماء مغموسة في أرضية الجناح على شكل نجمة ثانية، كما يوجد في جدران الغرفة العلوية خزائن لوضع الأدوية أو مستلزمات الأطباء، وفي الجهة الغربية توجد أربع غرف، تنفتح على باحة البيمارستان، يعتقد أنها للعيادات الخارجية.

والإيوان الكبير مخصّص لجلوس الفرقة الموسيقية، ويقابل قاعة للنساء، حيث تغلق بباب خشبي حين تبدأ الفرقة الموسيقية بالعزف، قال ابن العجمي في وصف بيمارستان النوري: «هو بيمارستان مبارك يستشفى به وهو نيّر، شرح، ومفروش بالرخام، وبه بركتا ماء يأتي إليها الماء الحلو من قناة حيلان».

كانت البيمارستانات تحصل على إيراداتها من الأوقاف التي تؤمن لها اكتفاءها المالي، وكانت الأوقاف عبارة عن هبات مالية أو عينية موروثة يقدمها مالكوها المقتدرون والأغنياء، أما الأملاك العقارية فكانت تسلم إلى الولاة.

ثم يعدد الكاتب أسماء الأطباء الذين عملوا حصراً في بيمارستان النوري، فيذكر تسعة منهم.

بيمارستان الأرغوني: يعد تحفة معمارية عزّ نظيرها في البلاد الإسلامية من جهة سعته ومخططه وإتقان عمارته وزخرفته، يقع في مدينة حلب في حي باب قنسرين، ويتألف من ستة أجنحة، ويدين بلقب انتمائه إلى الملك الكامل شعبان بن الملك الناصر محمد بن قلاوون، وسمّاه ابن العجمي «المارستان الجديد».

وقد قال فيه ابن حبيب: «وفي سنة 755 هـ أنشأ الأمير أرغون الكاملي البيمارستان المنسوب إليه داخل قنسرين واجتهد في أمره ورفل في أثواب ثوابه وأجره وشيّد بنيانه ومهد مجالسه وإيوانه، ورفع قواعده، وهيّأ بيوته ومراقده، وأعد له الآلات والخدم ورتب لحفظ الصحة فيه أرباب الحكم، وأباحه للضعيف والسقيم، وفتح بابه للراحل والمقيم ورواه بالمياه الكثيرة، وأنفق عليه أموالاً غزيرة وأجرى عيوناً معلومة وجراية، ووقف للقيام بمصالحه ما يزيد على تفانيه».

وانطلاقا من إيمان أرغون الكاملي بالموسيقى وتأثيرها على شفاء المريض، فقد جهّز بيمارستانه بحلب بعازفي الموسيقى ورتب له جميع ما يحتاج إليه.. وجميع الملطفات، وكانوا يتقاضون أجراً لقاء عملهم العلاجي، قال الشيخ راغب الطباخ :

«قد بلغنا أنه كان في أطراف الصحن الخارجي وعلى أطراف الحوض الذي في وسطه توضع أنواع الرياحين ليناظرها المجانين، وكانوا يأتون بآلات الطرب وبالمغنين فيداوون المجانين بها أيضاً. وكان أمره جارياً على الانتظام إلى أواخر القرن العاشر الهجري، ومنذ ذلك الحين أهمل أمره وزالت الأوضاع منه».

يعدد الكاتب أشهر الأطباء الذين عملوا في أرغون الكاملي، كما يورد العشرات من الصور التي صورت بيمارستانات حلب، والطرق المؤدية إليها، ولم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا والتقط لها صورة، وهكذا تحولت بيمارستانا حلب إلى متاحف تستقطب الزوار بعد أن نقشت الذاكرة في قلب حجارتها.

فيصل خرتش

* الكتاب: بيمارستانات حلب

* الناشر: دار القلم ـ حلب 2006

* الصفحات:160 صفحة من القطع الكبير