الدكتور خالد منتصر جراح وطبيب مصري تصدى لظاهرة ختان المرأة التي تنتشر في مصر والسودان أكثر من بلدان العرب قاطبة، وهو متخصص، عالم في الطب، وجريء في مشروعة الذي أخضع العلم لجانب دراسته الاجتماعية ذات المساس اليومي بالإنسان وعاداته، وكتابه الموسوم (الختان والعنف ضد المرأة) هو بحث علمي ـ اجتماعي ـ طبي، ونفسي لظاهرة متفشية عند بعض المسلمين، قدمه لمؤتمر متخصص في القاهرة.

الإعلامية المصرية سناء البيسي قدمت لهذا الكتاب، وأضافت له من معرفتها وتجربتها وتلامسها مع قضايا المرأة المعاصرة الكثير، مما جعل هذه المقدمة جزءا لا يتجزأ من البحث الأساسي، منهية مقدمتها بالعودة إلى السنة والكتاب، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين زوجات النبي، وبناته الطاهرات وجميعهن لم يخضعن للختان، أو انتقاص أنوثتهن، أو امتهان جنسهن. تقول سناء البيسي:

«لقد كانت أمهات المؤمنين شهوداً على حياة النبي صلى الله عليه وسلم وروين عنه ما يقرب من 2300 حديث تسجل أدق تفاصيل العبادات والمعاملات حتى الغُسل والقبلة، ولم يكن بين هذه المرويات حديث واحد له علاقة بخفاض أو ختان الإناث، بل كل الدلائل تشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يختن بناته الأربع».

أما الدكتور خالد منتصر فهو يعتبر ختان الأنثى جزءا من العنف الاجتماعي غير المبرر تجاه المرأة، معتمداً على تعريف العنف في إطار المادة الأولى من الإعلان العالمي على العنف ضد المرأة عام 1993 والذي أكد على أن العنف هو «أي فعل عنيف قائم على أساس الجنس ينجم عنه أو يحتمل أن ينجم عنه أذى أو معاناة جسمية أو نفسية للمرأة، بما في ذلك التهديد باقتراف هذا العمل، أو الإكراه، أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء دفع ذلك في الحياة العامة أو الخاصة».

والدكتور منتصر يعتبر أن كل ما تتعرض له المرأة من سلوكيات لا تتماشي والبعد الإنساني عنفاً بما في ذلك منعها من المشاركة الفعلية في المجتمع وبناء مؤسساته. ثم ينتقل في مقدمته إلى العنف ضد المرأة المصرية والذي يبدأ حسب نظريته منذ وولادة الأنثى أو قبلها في طبيعة النظرة الدونية للمرأة،

لتصل حسب رأيه إلى الختان الذي يعتبره أكبر جريمة وحشية بربرية تمارس ضد الطفلة الأنثى في العالم كله، والمدهش أن الختان أصبح بالنسبة لبعض التيارات في مصر قضية دونها الموت يرفعها ويقاتل في سبيلها رجال يعتقدون أنهم قد حلوا كل القضايا المصيرية ولم يعد أمامهم إلا متعة المرأة يحاولون وأدها.

ينتقل الدكتور منتصر إلى موضوع آخر يثبت من خلاله أن الختان ليس عادة إسلامية أو فرعونية ولكنها عادة عبودية، واستهجان للجنس البشري الأنثوي، وقد امتدت عن المسيحيين المصريين، ويقدم لنا في هذا البحث أسماء العديد من الدول التي تمارس ختان المرأة مثل السودان، ومصر، واندونيسيا، وعدد من دول قارة إفريقيا،

وترجع هذه العادة إلى المجتمعات الذكورية التي توظف كل الحياة لصالح الذكر بما في ذلك العلاقات المشتركة بين الجنسين، وتسلط الذكر على المرأة وإخضاعها لمتعته بتعدد الزوجات والمحظيات. ويختم الدكتور منتصر هذا البحث بالقول: (في ختام هذه القراءة التاريخية اننا بالختان نقول مرحباً بالعبودية، وداعاً للحرية والعقل).

ويفاجئنا الباحث في المبحث التالي كون مصر تحقق الرقم القياسي في ختان الأنثى بالعالم وفق إحصائية رسمية تعتمد بالأرقام، عدداً ونسبة، ويقدم لنا معلومات رقمية مذهلة لما تتعرض له المرأة من عنف في العالم: وعلى سبيل المثال ندرج هذه الأرقام:

عدد الإناث اللاتي يتعرضن للختان في العالم كل عام مليوني طفلة.

عدد النساء اللاتي تم ختانهن 100 مليون أنثى. عدد النساء المختونات في مصر حوالي 28 مليون امرأة.ثم تأتي بقية الدول تباعاً بعد مصر مثل: الحبشة: 25 مليونا. السنغال 600, 25 مليونا. السودان: 12 مليونا.

مالي: خمسة ملايين. ثم تأتي الأرقام تباعاً بالملايين ومئات الآلاف لكل من (بوركينافاسو ـ الكاميرون، وسط إفريقيا، تشاد، ساحل العاجل، جيبوتي، إرتيريا، الحبشة، جامبيا، غانا، كينيا، ليبريا، موريتانيا، نيجيريا، سيراليون، الصومال، تنزانيا، توجو، بنين، أوغندا، زائير) وغيرها من البلدان التي تأتي بعد هذا الجدول الإحصائي حسب اعتماد الأمم المتحدة في تقرير لها عام 1998.

ثم يقدم في نفس المبحث، دراسات ميدانية عن معلومات مختلفة عن ختان النساء في مصر، من كافة الجوانب الاجتماعية، الدينية، الجنسية، الطبية، ليقدم لنا صورة شبه متكاملة للإشكالية التي تمر بها المرأة في مصر.

ثم يقدم الدكتور خالد منتصر قراءاته السيكولوجية للختان، وقراءات أخرى لأطباء متخصصين ذكوراً وإناثاً، ومن خلال بحوث ميدانية، ومراجعات حقيقية لعدد كبير من النساء اللاتي يعانين من عملية الختان وكما يقول في بحثه «إنه كابوس أسود، أو بلغة ومصطلحات الطب النفسي إن الختان وسواس قهري متسلط وضلالات مسيطرة علينا توحي بأن البنت عار».وينتقل المؤلف إلى الجانب القانوني، ليقدم لنا قراءة قانونية،

ويتوصل إلى أن الختان ممنوع سواء كان بواسطة مشرط جراح أو سكينة داية أمية ويطالب بتجريم الطبيب الذي يخالف القانون ومطاردة الدايات اللاتي يقتلن طفولة الأنثى، وشبابها، ومستقبلها «إن القانون وحده لا يستطيع بجرة قلم إن يلغي عادة اجتماعية راسخة، ومتجذرة كالختان، إنه يحتاج إلى جانبه الاستنارة في التفكير والحسم في التنفيذ والاقتناع بأن هذه العادة الوحشية لا علاقة لها بالشرف ولا بالعفة، والتأكد من أن المرأة ليست عدواً ولكنها شريكة حياة ورفيقة درب».

ثم يخصص الباحث قسما من كتابه للعنف ضد المرأة، ونقرأ: العنف ضد الطفلة المصرية يبدأ منذ الولادة.

عمل الطفلة مسخرة مقنعة، الرزق الجديد.. عنف مستتر وعبودية جديدة. الزواج المبكر اغتصاب علني وصريح.. في هذا الباب يقدم لنا احصائيات معتمدة عن عدد المتزوجات دون سن النضوج أي أقل من 16 وكذلك نسبة الوفيات عند الزوجات الصغيرات، ومواليدهن، ونسبة الوفيات والولادات للأمهات المراهقات، مع التأكيد على عدم رغبة أو قبول البنات الصغيرات المدفوعات للزواج قسراً.

ينتقل في مكان آخر إلى البحث في العلاقة القسرية بين الرجل والمرأة في البيت كزوجة، أو بنت أو أخت ضمن العلاقات الذكورية الاجتماعية القسرية، على حياة النساء، ابتداء من العنف النفسي، إلى العنف الجنسي، فالاقتصادي، فالتهديد، والإرهاب، والعنف والقوانين الجائرة، بحق المرأة عموماً على أنه ينتقل إلى الاغتصاب كصناعة رجالية، وعنف المرأة للمرأة، ابتداء من أم الزوج إلى الشريكة والضرة، وتعدد الزوجات، ثم جرائم الشرف، التي تمارس ضد المرأة بشكل عام دون التحقق حتى من خروجها عن المألوف أو أن تكون ضحية أو بريئة.

وقد ورد العديد من الحالات التي تؤكد ظلم الرجل للمرأة حتى لو وافقنا على هذا التقليد، والعنف لم يترك حتى العانس التي لم ترزق أو توفق برجل لأي سبب من الأسباب، وكأنها جرثومة منبوذة في أسرتها ومجتمعها بجرم لم تقترفه.

عبدالإله عبدالقادر

* الكتاب: الختان والعنف ضد المرأة

* تأليف: د. خالد منتصر

* الناشر: دار العين للنشر - القاهرة 2006

* الصفحات: 226 صفحة من القطع المتوسط