أحياء في عزلة بحلول العام 2010 سيقتصر التواصل الاجتماعي على محيط العائلة فقط، أو المكان الذي يعود إليه المرء من عمله.

هذه النتيجة قالتها الباحثة الاجتماعية د. شيري كورتلي مؤلفة كتاب «الحياة على الشاشة» نظراً لعدة عوامل دخلت الحياة أواخر القرن الماضي، ولعل أبرزها شبكة الانترنت الذين بلغ عدد مستخدميها حوالي مليار شخص حول العالم، وتسجل دخول ثلاثة ملايين مستخدم جديد كل شهر، وجلّ هؤلاء ينتمون إلى المجتمعات المتطورة.

إن قياس التأثيرات الاجتماعية لاستعمالات الانترنت ستفرز بدورها تأثيرات ثقافية، فهي ستكون مصدر المعلومات والأخبار وعن طريقها يمكن بناء الصداقات أو يمكن المواعدة و الزواج، والبيع والشراء وكل ما يخطر على بال المرء يجده في الانترنت.

وقطعاً ذلك سيغير في السلوك الثقافي والاجتماعي للناس، والأمثلة كثيرة خاصة في المناسبات إذ يكفي أن ترسل جملة قصيرة لصديق مريض تتمنى له فيها الشفاء بدلاً من عيادته، ويكفي أن تبعث ببطاقة معايدة لأحبائك بدلاً من مشقة الذهاب إليهم وقتل الوقت بأكمله في عبارات متكررة مملة تدفع إلى السقم، ويكفي أن تراسل جامعتك عبر الشبكة العملاقة لتحصل على شهادة علمية، أو أن ترسل باقة ورد إلى حبيبتك بدلاً من حمل الزهور وقرع باب بيتها، هناك من سيقوم بهذه المهمة وعليك أن تسدد أتعاب الشركة المتخصصة في هذا النوع من الخدمات العاطفية.

ماذا حدث بعد ذلك...؟

فقدت الحياة حسها الإنساني ولمستها البشرية، وأصاب الجفاف مشاعر الناس وكأنهم غير معنيين بهذا الكوكب، وإلا كيف لنا أن نفسر أن سقوط عشرات القتلى في العراق يومياً.. مجرد خبر يمكن متابعته ونحن على مقعد مريح وسرعان ما ننتقل إلى محطة «هشك بشك» غير عابئين بما يحدث هناك.

حدث أن الإنسان تحول إلى آلة تخاطب آلة أخرى، و أن منظومة حياته كلها تغيرت وأن مشاعر الاكتئاب و العزلة الاجتماعية أصابت مئات الملايين من مستخدمي شبكة الانترنت، ناهيك عن تراجع الاتصالات العائلية إلى أدنى مستوى خاصة بين المراهقين وأبويهم أو أخوتهم.

إثر ذلك انتشرت أمراض أخرى ارتبطت بثقافة اللامبالاة أو الاتكال والتوقف عن المساندة الاجتماعية وزادت المسألة أكثر مع التزايد الجنوني لغرف الدردشة أو الاتصال الالكتروني عن بعد لا لتحل محل التواصل الطبيعي بين البشر، بل لتحول هذا التواصل إدماناً يشبه المواد المخدرة. هذا عوضاً عما تقدمه هذه الشبكة من قضايا تمس الأخلاق والغرائز خاصة للمراهقين الذين يشكلون النسبة الأكبر لمستخدمي الشبكة.

الذي حدث أن اختراعاً عظيماً لم تتم الاستفادة منه بشكل جيد، وهذا ما يقود مرة أخرى إلى المدرسة ليكون دورها مواكباً لحركة الحياة العلمية المتجددة، فإذا كانت تدرس مادة الكمبيوتر بمفهومها المجرد حول كيفية فتح الجهاز وإغلاقه فإن الأهم هو توعية الطلاب وترشيدهم إلى كيفية الاستخدام الأمثل للانترنت وكيف تتحقق الفائدة منه، لأن الطالب ينجز فرضه الوظيفي عبر الانترنت في ساعة واحدة، لكنه يمضي أكثر من ثلاث ساعات مبحراً في الشبكة العنكبوتية. فتخيلوا النتائج..

hussain@albayan.ae