كتاب الاختيارين هو مجموع القصائد التي اختارها (المفضل الضبي) مع القصائد التي اختارها (الأصمعي) والتي جمعها (الأخفش) في هذا الكتاب. فقد أشار الخليفة (أبو جعفر المنصور) على (المفضل الضبي) أن يختار أجود القصائد ليدرب بها «المهدي» ويعلمه روائع الشعر وخالصه.
فكان أن ا ختار (المفضل) قصائد نسبت إليه وسميت(المفضليات)
وتقبل العلماء هذه القصائد تقبلاً حسناً ورووها شيوخاً وتلاميذ وعلقوا عليها شروحاً وزيادات و يبدو أن الخليفة (هارون الرشيد) راقه صنيع (المنصور والمفضل) فإذا هو يكل تأديب ابنه (الأمين) إلى الأصمعي ويدرب بها وقد استجاب الأصمعي لهذه الرغبة وجمع قصائد نسبت إليه وسميت (الأصمعيات).
ثم جاء (الأخفس الأصغر) فجمع بين الأصمعيات والمفضليات في كتاب واحد وعلق عليها شرحاً، يفسر بعض الغريب ويوضح بعض المعاني الغريبة فكان ما سمي بكتاب (الاختيارين) وقد شاع ذكر اختيارات المفضل والأصمعي وأعجب بها جهابذة الشعر وأشادوا بمنزلتها، لأنها تمثل خبرة عالمين كبيرين أجمعوا على صحتها وتقدمها.
أما جامع الكتاب الأخفش الأصغر فهو أبو الحسن علي بن سليمان بن الفضل، ولد حوالي سنة 235 هجرية وأخذ العلم عن (المبرد وثعلب) وغيرهما من علماء البصرة والكوفة وقد عاش في ضائقة وفاقه. وقد ولع الأخفش بمداعبة (ابن الرومي) ذلك أن (أبن الرومي) كان شديد التطير وكان الأخفس يباكره ويطرق عليه الباب فيسأله: من بالباب ؟ فيجيب «حرب بن مقاتل».
فهجاه «ابن الرومي» في قصائد آلمته، وكان الأخفش لا يرى في لقبه ما يعيبه وظل طوال حياته كثير المزاح لكنه والحق أنه كان ثقة وإماماً في اللغة والأدب وقد ترك مصنفات ذكر المؤرخون بعضها وهي: (الاختيارين ـ الأنواء ـ التثنية والجمع ـ تفسير رسالة سيبويه ـ المهذب) وغيرها. يضم هذا الكتاب ست عشرة ومائة قصيدة منها ثلاث وعشرون في المفضليات ومنها أربع عشرة في بقية الأصمعيات ومنها سبع هي في زيادة الكتابين، الملحقة ببقية الأصمعيات، ومنها أربع عشرة هي في نسخة المفضليات بالمتحف البريطاني والباقي هي ثمان وخمسون قصيدة لم تعرف في اختيارات المفضل أو الأصمعي.
و قد صنف الكتاب على غير نسق واضح، فتداخلت اختيارات (المفضل واختيارات الأصمعي) ولم يكن فيه أسانيد، ترد كل قصيدة إلى راويها أو مختارها، فغابت معالم الوضوح في هذه السبيل ولم تبق إلا بوارق طفيفة تهدي في بعض المواطن وإذا أضفنا إلى هذا أن بعض القصائد كان قد اختارها (المفضل والأصمعي) ولم ينفرد واحد منهما لمسنا العلة التي تحول دون الحكم القاطع في تمييز قصائد كل من الاختيارين على حده إضافة إلى أن الجزء الأول من الكتاب مازال مفقوداً.
يبدأ الكتاب بالشاعر (طفيل بن عوف) فيعرف الكاتب نفسه وهو شاعر فارس جاهلي، من أكثر الشعراء الذين وصفوا الخيل ولذلك سمي (طفيل الخيل) وليس في قبيلة (قيس) أفحل منه وقد قال طفيل هذه القصيدة في غارة كان أغارها على طيء فنال منها وقتل وأسر وهذه القصيدة من أجود شعره ثم يقدم لنا القصيدة التي وصلت إلى سبعة وسبعين بيتاً والتي بدأها:.
بالعقر دار من خميلة هيجت سوالف حب في فؤادك منصب
ويشرح كلمات البيت ثم يعطي الفكرة العامة منه فيقول: هيجت حباً قد كان، ثم انقطع، فذهب ثم كان (علقمة بن عبده التميمي) الشاعر الثاني وهو علقمة الفحل وهو شاعر جاهلي قيل أنه عاصر امرؤ القيس، وقد جاءت قصيدته التي اختيرت من خمسة وأربعين بيتاً والتي بدأها:.
ذهبت من الهجران في غير مذهب ولم يك حقا كل هذا التجنب.
أما آخر شاعر من هذه الاختيارات فهو (كعب بن سعد الغنوي) في قصيدة يرثي إخوته ومطلعها الرائع: تقول سليمى مالجسمك شاحباً. وهكذا وعبر هذا الكتاب نتعرف على أعلام الشعر العربي في أجمل قصائدهم، كما رآها عالمان في الشعر واللغة والنحو وتظل القصائد التي نسبت إلى شعراء غير معروفين هي الأهم لأنها تقدم لنا رؤية فنية جمالية خارج الأسماء والألقاب والحضور، وبهذا يكون الكتاب من أنفس الكتب وأجملها.