مؤلف هذا الكتاب هو محمد علي مقلد، أستاذ الحضارة في الجامعة اللبنانية في بيروت، وهو كاتب يهتم بقضايا الثقافة والنهوض العربي. صدر له عدة مؤلفات، منها: «قضايا حضارية عربية معاصرة»، و«الأصوليات: بحوث في معوقات النهوض العربي»، و«الشعر والصراع الإيديولوجي»، وترجم كذلك العديد من الكتب الأجنبية، منها «أوهام الهوية» لـ «داريوش شايغان»، و«انفجار المشرق العربي: منذ تأميم قناة السويس عام 1956 إلى غزو العراق 2003» لـ «جورج قرم».
ويسكن محمد علي مقلد، في كتابه الجديد «اغتيال الدولة»، همّ إعادة بناء لبنان والدولة اللبنانية بالمعنى الحديث للكلمة، وذلك انطلاقاً من تكشف أهمية فكرة الدولة وأولويتها، لأسباب موضوعية، إذ بات شعار بناء الدولة محط اهتمام جميع القوى السياسية. وتندرج المساجلات حول أولوية فكرة الدولة والسيادة مع قضايا اختلافية، تخص العلاقة ما بين القطري والقومي، والعلاقة مع الدول الأخرى في ظل العولمة، ومع ظواهر الإسلام السياسي ومختلف الأصوليات الدينية والطائفية والمذهبية في عصرنا الراهن. ويقترح المؤلف بأن يكون الموقف من إعادة بناء الدولة والوطن معياراً في التحالفات الداخلية اللبنانية والخارجية، لكن اقتراحه يصطدم بالكثير من المعوقات، ويتطلب اتخاذ موقف نقدي من القوى السياسية السائدة، بالنظر إلى أطروحاتها التي لا تستند إلى حركية التاريخ، بمعنى أن تنهض على التجاوز والتخطي. تجاوز ما هو قائم، وتخطي الراهن نحو الأمثل، بالرغم مما يسم هذا الموقف النقدي من تفاؤل تاريخي، ومراهنة على قدرات الإنسان.
ولا شك في أن الدولة تحتضن مختلف المكونات الاجتماعية وتظللها، ويصلح ما قبل الدولة كمكون اجتماعي وتاريخي، يضفي خصائص معينة على المجتمع الذي تقوده الدولة. ومفهوم الدولة مفهوم مدني بامتياز، لا ينهض إلا على المواطنة، وليس على المحاصصة، كونها قادرة على استيعاب مختلف التكوينات الاجتماعية والدينية وتجاوزها، كي تقف الدولة على مسافة واحدة من جملة مواطنيها، قصد تنظيم حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتحقيق التنمية التي توفر لهم سبل العيش الكريم.
وبسبب فقدان المواطنة، لم تتمكن الدولة العربية في مختلف أقلماتها من إيجاد سلطة منظمة للمجتمع، حامية له، وملبية لاحتياجياته ومتطلباته، بل أنتجت سلطة متسلطة على المجتمع، أي على مقدرات البلاد ورقاب العباد، فغاب التفاعل الإيجابي السلمي بين الفئات المدنية والأهلية ومختلف الطوائف والقوى الاجتماعية، لذلك بقي المجتمع بحاجة للدولة، وخصوصاً في بلدان مثل سوريا ومصر ولبنان وسواها في ظل غياب الديموقراطية والمؤسسات والتنظيمات المدنية الحاملة.
ويرى محمد علي مقلد أن مشروع الدولة في البلدان العربية كان ممكناً نظرياً منذ قرنين، لكنه اصطدم بعراقيل عديدة، تجسدت في الفكر الديني والقومي والماركسي، وفي الحركات السياسية التي استلهمته وعممته وجعلته يربض على صدر الأمة.
ويعتقد أن ما يجري اليوم في لبنان وفي الشرق العربي، ما هو إلا تجسيد للصراع ما بين حضارة الديموقراطية والاقتصاد الحر والفكر العلمي من جهة، وحضارة الاستبداد والاقتصاد الريعي التحاصصي والفكر الغيبي من جهة أخرى. ولا شك في أن هذا الطرح يحتضن اختزالاً كبيراً، ويصدر عن منطق التعميم الواسع، الأمر الذي دفعه إلى الاستدراك بتحديد المواقف حول الدولة: إما أن تكون مع دولة القانون الديموقراطية أو أن تكون مع دولة الانكشارية بأسمائها المتعددة: الطائفية، التحاصصية، الملكية، السلطانية، الاستبدادية، الشوفينية، المخابراتية، الأمنية، القبلية العشائرية، التشبيحية. . الخ.
وتمتد الكتابة حول إعادة بناء الوطن والدولة إلى معرفة معيقات بناء الدولة، التي تطال العلاقة ما بين الدولة والتحرر الوطني، والمحاصصة الطائفية، والأصوليات الدينية، وأزمات القوى السياسية الفاعلة. والدولة المقصودة هنا هي الدولة المدنية، أي دولة القانون والمؤسسات والديمقراطية والحريات العامة والعدالة الاجتماعية والكفاءة وتكافؤ الفرص.
ولا شك أن الافتتان بالدولة، وتعظيم شأنها، قد أخذ طريقه إلى الكتابات العربية الراهنة، وذلك بالنظر إلى سيطرة النخب السلطوية على الدولة ومحاولات اغتيالها العديدة لصالح مختلف الانتماءات ما قبل المدنية.
ويرى العديد من الكتاب العرب أن الحل يكمن في بناء الدولة المدنية العصرية، التي تستند إلى سلطة القانون، فلا تعلو عليها أية سلطة أخرى. ومن باب أولى أن تكون سلطة القانون مجسدة لسلطة الديمقراطية المفقودة في بلداننا العربية. ورغم اعترافه بالهامش الديمقراطي الموجود في لبنان،
إلا أن محمد علي مقلد يعتبر أن الديمقراطية التي تمارس في لبنان ليست جزءاً أصيلاً من بنية النظام السياسي المأمول بقدر ما هي مساحة لازمة للفصل بين منازعات الطوائف. وهذا النوع من الديمقراطية هو الشرط اللازم لبقاء الطائفية، بينما يحتاج لبنان إلى ديمقراطية تكون شرطاً لازماً لإلغاء الطائفية، ولا سبيل إلى ذلك إلا بإصلاح النظام البرلماني، يكون فيه المجلس النيابي ممثلاً حقيقياً للشعب.
ويناقش المؤلف المشروع الذي حمل اسم رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، حيث يرى أن اللبنانيين قد استبشروا خيراً حين جاء الحريري إلى الحكم، كونه جاء من خارج الطبقة السياسية الحاكمة التي لم تعد موضع ثقة اللبنانيين، ولأنه صاحب رأسمال ضخم، يعفيه كمسؤول من مدّ يده إلى مال الدولة، ولأنه كان شخصاً غير طائفي، وجسدّ الحريري ذلك في المساعدات الاجتماعية وفي المنح الدراسية التي وفرها لآلاف الطلبة اللبنانيين.
وعَرَف تاريخ لبنان أزمات عديدة، ترجع إلى تركيبته السياسية والاجتماعية، وإلى الصراعات الدولية والإقليمية. وتبقى المحاصصة سمة لافتة للنظام السياسي اللبناني، لكن حصر إشكالياته فيها لا يفي بمعرفتها تماماً، بالرغم من كون المحاصصة مظهراً بارزاً، ومرفوضة، وتسكن فيها المصالح الطائفية والمذهبية والفئوية والمناطقية، وتغذيها الأفكار الظلامية. ويمكن القول بأنها سبب «اغتيال الدولة» في لبنان،
كونها تتعدى الصراع على السلطة إلى تمزيق بنية ومكونات الشعب اللبناني. ولا يجد المؤلف سوى وضعنا أمام أحد خيارين «إما بناء الوطن والدولة وإما سياسة المحاصصة»، ويطالب باستعادة الدولة صلاحياتها المصادرة، وذلك من خلال: ارتفاع أداء السلطة إلى المستوى الذي يجسد سيادة الدولة كاملة على الحدود الدولية مع فلسطين المحتلة، وإلغاء الجزر الأمنية اللبنانية والفلسطينية على كل الأراضي اللبنانية، ومعالجة المسألة الطائفية في بعدها الوطني، باعتبار الطوائف جزءاً عضوياً من النسيج الاجتماعي اللبناني.
غير أن الدولة في لبنان قائمة، بأرضها وشعبها وكيانها، لكنها تعاني من خلل شديد في السلطة السياسية والمؤسسات. والمطلوب هو ربط الدولة بجذرها المدني، وإلغاء البعد الطائفي والمذهبي، كي تتصالح مع جملة مواطنيها ومع العصر ومتطلباته، وتقترن بالحداثة والديمقراطية والتنمية المنشودة لمختلف المناطق اللبنانية، لأن التنمية المستدامة عامل استقرار هام لجملة المواطنين على الأرض. ويجب عدم اختصار واختزال الدولة إلى مجرد جسم سياسي، لأنها تنهض على مختلف الأبعاد والمكونات الاقتصادية والاجتماعية والدستورية، ولا فصل ما بين السياسة والاقتصاد والاجتماع.
والملاحظ أن بعض الفرقاء السياسيين يعملون على بناء دولة الدويلات لا دولة الجميع، ويتعاطون مع منطق ومفهوم السلطة ضمن إطار الدولة، فيجد الباحث غلبة منطق ومصلحة المحاصصة الطائفية السياسية التي أخذت تمتد لتبتلع الدولة في تعبيراتها الوجودية، إضافة لتأسيسها لثقافة الإستقطابات الطائفية التي لا يمكنها أن تنتج سوى سلطة الكانتونات المتصارعة.
وتبقى الدولة تلك المؤسسة الكبرى الراعية للمصالح الجماعية العُليا على حساب مصالح الانتماءات الضيقة التي تُحاول اغتيال الدولة، وابتلاعها لصالح عصبيات وعصبويات فئوية مصلحية ضيقة.
والمأمول هو الوصول إلى الدولة بمعناها الحديث، أي عبر مندرجات العقد الاجتماعي التي تجد أساسها في تحقيق مفاهيم المواطنة والديمقراطية التعاقدية، ذلك أن النظام الأصلح في أي بلد عربي هو ذلك النظام الذي يحفظ التوازن الوطني وكفاءة المؤسسات وتكاملها وتعاونها، ويوفر فاعلية السلطات وتناوب المسؤولين وتجديد البني السياسية. مع أن فكرة تكوين الدولة تقوم على مبدأ تجسيد وحدة السلطة،
فإما أن تكون الدولة واحدة في مؤسساتها ونصابها، وإما لا تكون. وعليه تتحد المعالم بجملة من المبادئ والمسلمات التي تعتبر أساساً للعيش المشترك، والتي تجد متحققها في تجاوز النظام الشمولي أو الفئوي والطائفي، وذلك بالاستعاضة عنه بعقد اجتماعي متوافق عليه ودائم، يوضح أسس الشراكة في الوطن والالتزامات المتبادلة بين جماعاته، شريطة أن يبنى التوافق على عقد اجتماعي على قاعدة المساواة التامة بين المواطنين، ويؤكد على تأمين هذه المساواة دائماً وفي كل الظروف.
وهذا يقتضي التعاقد على أساس سياسي يوفر بشكل ملزم ودائم آلية إنتاج السلطة الوطنية على قاعدة التوازن الوطني، وبالتالي يتوجب إلغاء التمثيلات ما قبل المدنية على كافة المستويات، وممارسة المسؤوليات في مؤسسات الدولة والسلطة الدستورية والمؤسسات العامة على قاعدة الاستحقاق والمؤهلات دون تفرقة أو تمييز بين مواطن وآخر. وهنا تكمن أهمية طرح صيغة بديلة لإنتاج السلطة الوطنية، التي تشارك فيها مختلف الجماعات الوطنية على قدم المساواة دون هيمنة جماعة على أخرى.
عمر كوش
* الكتاب: اغتيال الدولة
* الناشر: دار الانتشار العربي بيروت 2006
* الصفحات: 236 صفحة من القطع الكبير

