يمكن القول إن هذه الرواية هي، إلى حد ما، رواية نشأة، تلقي الضوء على منعطف في الزمن تلتقي عنده الطالبة مينغ البريئة التي لا تتجاوز السابعة عشرة من عمرها مع مياو يان الناضجة وذات الخبرة بالدنيا والناس.
حيث تفتن مينغ بحيوية مياو يان وتوهجها وطابعها المختلف عن كل ما تشكله شخصية مينغ، وتتعمق الصلة بين الفتاتين إلى أن تصبح نوعاً من الهوس بالنسبة لمينغ. من ناحية أخرى فإن مياو لا تتردد في إيضاح مشاعرها، ولكنها في نهاية المطاف تبدو لنا بعيدا عن التأثر بالصداقة التي ربطتها مع مينغ، ونرى بجلاء أن في مقدورها أن تبتعد عنها في يسر وسهولة.
لما كانت الرواية مكتوبة في صورة مذكرات، تروي وقائعها بعد اثني عشر عاماً من حدوثها على لسان مينغ التي أصبحت أكثر إيغالاً في العمر والنضج، فإن الإحساس بالكآبة والاستسلام الحزين يتوغلان في الصفحات ويمنحان القارئ شعوراً قوياً بحنين مينج إلى تلك المرحلة من عمرها.
هنا لابد لنا من أن نلاحظ أن رسم شخصية مينغ يعكس الكثير من ملامح صين التسعينيات، صين ما بعد الثورة الثقافية بكل تناقضاتها.
بهذا المعنى فإن الكاتبة فان وو تفلح في إبداع مشهد واقعي تماماً يكاد يكون امتداداً لا نهائياً، لكنه في الوقت نفسه لا تنقصه الجدة النسبية، حيث الحرية تشكل مفارقة مع النظام الصارم الذي بزغت منه.
إن مينغ تعي تمام الوعي بهذه الحرية التي تمثلها مياو يان ولكن مينغ تتمسك في الوقت نفسه بمفهوم «الفتاة الطيبة» الذي يتوقعه أبواها منها. والتوتر بين الشخصيتين وبين مكونات الجامعة التي تدرسان فيها هو الذي يجعل الرواية تمتلئ بالناس وبالمشاعر وبالاحاسيس وبالنبض القوي الذي يترك بصمته على الحياة اليومية.
غير أن تياراً سفلياً من الخوف يبرز للعين المدققة، ونلمحه في خوف مياو يان، على الرغم من كل انطلاقها، من الموظفين الذين يرتدون الثياب الرسمية الذين ينتمون إلى دائرة الأمن بالجامعة، وهم يجوبون أرجاء الجامعة باحثين عن النسوة المتبرجات أو المدخنات.
والسيطرة الحكومية تشكل خلفية الرواية فيما نحن نتابع جهود مياو في محاولة السيطرة على رغبتها في العمل في سينزين وتجاوز الضوابط الحدودية والملفات المحتفظ بها عن كل من نراهم في الرواية تقريباً، لكن هذا كله يتم التعامل معه بشكل حساس وحريص ومراوغ، يومئ ولا يصرح، يشير ولا يطرح القضايا والأفكار والمواقف.
وكتابة فان وو تستجمع قوتها من تفاصيلها الدقيقة، التي تسمح للقارئ بالكشف عن مشاعر البطلة، من خلال تلمسها للعالم من حولها في مرحلة التفتح للنضج. ويلفت نظرنا حقاً أن نثر فان وو يأخذ التفاصيل الدقيقة التي يمكن رصدها في الحياة اليومية ويبني هذه المشاهد محولاً إياها إلى شيء أكبر، إلى تأمل عميق في معنى الحياة.
وتنتهي الرواية بمينغ التي تتدفق بالحيوية والطاقة والايجابية، والتي تدرك فجأة أنها لم تعد طفلة خاضعة، وإنما امرأة تمسك بمقاليد قدرها ومصيرها.
فنسمعها تحدث نفسها قائلة: «لسوف أحادثها كامرأة، كند لها، بثقة، بحكمة، بنضج، كأنني توأم لها». إنها نهاية متفائلة، كما نرى، ولكنها تتسم بغياب الخصم عنها. وعلى الرغم من ذلك فإنها ليست رواية عن مياو يان، وهذه الهوة هي التي ينتهي نمو مينغ بردمها.
ولحظة التحول في الرواية تأتي متأخرة، وتتم معالجتها ببراعة ومراوغة لا تغيب عن عين القارئ. وعلى الرغم من ذلك فإن القارئ يجد نفسه حيال خاتمة مرضية لا تقيد الرواية ولا تكبح جماح الخيال الذي أبدعها. ربما لهذا، على وجه الدقة، فإننا نجد الناقدة ماجدالينا بول في مقال مطول في مجلة «كمبلسف ريدر» الإلكترونية تبادر إلى القول إن «زهور فبراير» رواية مكتوبة بصورة جميلة، ومفعمة بالتفاصيل الدقيقة والتأمل المكثف تتضافر في مجملها لتقدم لنا إطلالة واعدة لروائية مميزة.
وتقدم لنا الناقدة كارين فان هيرواردن ملاحظة مهمة في مقال لها في موقع «بلارب» الإلكتروني المتخصص، حيث تبادر إلى الإعراب عن اعتقادها بأن عمق رواية «زهور فبراير» يحد منه إدراج الصياغة السردية في ضمير المتكلم، أو الضمير الأول إن شئت، وربما أرادت المؤلفة من خلال ذلك أن تسمح للقارئ بصياغة رأيه الخاص فيما يتعلق بشخصية يان، ولكن هذا يؤدي في نهاية المطاف إلى عدم تعمق رؤية الأمور من منظور يان، وهو ما يزيد من تعميق المسافة التي تفصلها عنا نحن القراء.
وهناك جانب آخر لا يمكن إلا أن يثير اهتمامنا في هذه الرواية، وهو المتعلق بالوجه المتغير للمجتمع الصيني، وهو يلعب دوراً بالغ الأهمية من خلال حضوره الدائم وتأثيره الكبير على الشخصيتين الرئيسيتين في الرواية. ونلمح في غضون ذلك التضارب المستمر بين الثقافة التقليدية الصينية وبين الثقافة المتأثرة بالغرب الآخذة في الظهور، وهو التضارب الذي يتم إبرازه بصورة جيدة عندما تدخل الجامعة التي تدرس بها الفتاتان مسابقة للشخصيات العشر الأكثر بروزاً في الحرم الجامعي.
هكذا نجد أنه طوال فترة المسابقة فإن أنماط السلوك التي كان مسموحاً بها في السابق، مثل التدخين وإبداء المظاهر العاطفية علنا يتم خطرها، ونكتشف أنه لكي ينظر إلى الحرم الجامعي باعتباره حرماً ممتازاً فإن عليه أن يعود إلى الأعراف المحافظة التي سادت في الماضي. وهكذا فإن، الصين تظل في غمار صدام محتدم بين القيم التقليدية والقيم الحديثة.
ويبقى هذا العمل جديراً بالاهتمام حقاً، على الرغم من عيوبه التي لا تخفى عنا، لأنه يرتاد بنا آفاقاً نادراً ما تتاح لنا الفرصة للانطلاق إليها.
في تلك الليلة
«لم أستطع النوم في تلك الليلة، فقد أفعمني الماضي بعاطفة عميقة. وأتذكر المساء الذي تجاذبت فيه للمرة الأولى أطراف الحديث مع مياو يان. تعود التفاصيل إلى ذاكرتي بتوهج بالغ بحيث إن الأمر يبدو كما لو أنني كنت أشاهد شريط فيديو مصوراً لها. مازلت أتذكر بكثير من الحيوية والتوهج القمر الداني في السماء، والأرض الاسمنتية المبيضة، وعيني مياو يان المتألقتين، قميصها المرفرف في الهواء، والطريقة التي أشعلت بها سيجارتها ونفثت الدخان في الهواء. كل ذلك منقوش في ذاكرتي ولن يزول منها أبداً».
مقتطف من رواية «زهور فبراير»
* الكتاب: زهور فبراير
* الناشر: بيكادور إيشيا هونغ كونغ 2006
* الصفحات:256 صفحة من القطع المتوسط
February Flowers
Fan Wu
Picado Asia - Hong Kong 2006
p. 256
